رداد السلامي – كيف تحول الوطن ساحة لأفلام رعاة البقر؟!

رداد السلامي – كيف تحول الوطن ساحة لأفلام رعاة البقر؟!

يصر تكتل أحزاب المعارضة اليمنية (اللقاء المشترك) على مطالبه الإيجابية. وبقوة تبدو مواقفه لصالح الشعب والديمقراطية والوحدة اليمنية. لكن ذلك لا يعني أنه أيضا غير مسؤول عما إذا كان هناك خلل سيؤدي إلى ترهل في العلمية الديمقراطية. فالانتخابات على الأقل يجب أن تفعل بحدها الذي يجعلها تتخذ خطا إيجابيا؛ أي: تنمو نموا طبيعيا، بحيث تغدو ثقافة مستشرية في نخاع التفكير الاجتماعي الفردي. وبالتأكيد فإن ممكنات نضوجها تتمثل في وجود تعليم متقدم، وآليات سليمة، بحيث تكون تلك الآليات عاملا يتعاضد مع رغبة ذاتية لدى صناع القرار في البلاد، بأهمية أن تكون آلية ممارستها سليمة ونظيفة إلى حد ما.
الديمقراطية والتقدم والنهوض بالبلاد، تعتمد أساسا على وجود قيادات حقيقية، واعية بأهمية أن تكون الديمقراطية ناضجة ومتأصلة في المجتمع، وثقافة وجدانية وسلوكية مهيمنة عليه ومحددة لخياراته ومساراته. فالتحولات الحقيقية يصنعها الوعي الفاعل، والديمقراطية بما هي ممارسة تعبير عن وجود وعي فاعل لا ينفعل بما يجعله غير مدرك لأهمية أن تغدو خياراته سليمة.
الرغبة الذاتية لدى صانع القرار اليمني، مثلا، يعكسها خطابه السياسي، لكن التناقض في الخطاب في ذات الوقت، يؤشر نحو أن ثمة استبطانا لوعي غير حقيقي، بأهمية أن تكون الديمقراطية هي الحل، لتلافي وقوع ما يؤدي إلى مشاكل وأزمات بنيوية عميقة في المجتمع اليمني ونسيجه ككل.
الأحزاب مقصرة في أنها لم تكن عند مستوى يجعلها إيجابية بما يكفي لإقناع صانع القرار أن الديمقراطية حل وحيد وخيار حاسم لتفادي أزمات كارثية لن ترحم أحدا حتى النظام ذاته.
كما أنها هي ذاتها تعاني من جمود، أي أن أعماقها مصابة بلعنة الاستبداد والإقصاء وعدم الاستعداد لسماع الرأي المخالف، سواء كان متطرفا أم معتدلا أم تجاوز ما يمثل بالنسبة لها خطوطا حمراء. الأحزاب الإسلامية، ومنها حزب الإصلاح مثلا، مصابة بهذه الحالة، التي تتشابه فيها مع السلطة تماما. فتفسيره (الاصلاح) لذلك، وكعضو بسيط فيه، أو قل إن شئت عضو في الدرجة الدنيا، بحسب توصيفات كشوف تقييم أعضائه، أنه مجرد حالة مرضية، أو نفسية، بحسب ما وصفه لي ذات مرة مدير تحرير صحيفة أهلية. فالعضو الناقد بالنسبة لحزب الإصلاح هو عضو باحث عن دنيا أو سلطة، مع أن ذلك ليس عيبا، ولا يندرج في خانة الخيانة أو المرض، فجل قيادات الإصلاح برجوازيون كبار وملاك أراض، ويعيشون في بحبوحة من العيش، ومع ذلك لا يعتبرون ما هم فيه مرضا خطيرا يدمر عصب النضال لديهم والدفاع عن حقوق الشعب. بينما لو انتقد عضو أداءهم السياسي اعتبر ذلك العضو مريضا وزلة عليهم! ويجب أن يبتر في أقل الأحوال.
هذا مثال بسيط. وما لم يتبنَّ الإصلاح مطالب الناس بعيدا عن التحليق المثالي والتسامي الصوفي، والاكتفاء ببرجوازية مستعلية في قمة هرمه التنظيمي وتتشكل في عمقه؛ فإنه سينتج أزمات أخرى أكثر من الموجودة.
أنا أتفهم تماما مدى مأساوية وضعهم وصعوبته، فهم يحاولون مخاطبة مجتمع تقوقع وعيه بسخافات تافهة، وما زال حتى الأكاديميون من أبنائه يؤمنون بحقيقة مطلقة مقدسة مفادها أن العرف القبلي يجب أن يكون والقانون صنوين، وأن القبيلة سلطة يجب أن تظل متمركزة وفاعلة.
القصد أن الديمقراطية تنظم الاختلافات وتفوت فرص تغول طبقة أو فساد أو أشخاص، وبالتالي تنغم الصراع تناغما رحيما، هدفه البناء لا السلطة، والحل لا التمركز وترحيل الأزمات حتى تصبح عصية على الحل.
الحوار لم يعد فاعلا، بل يتحول غالبا إلى أشبه بخوار ومهاترات، بل وبذاءات لا توصف. ذات مرة قرأنا أن بذاءات لفظت في الحوار الذي كان يدور بين الحاكم والمشترك، الأمر الذي دعاني للتساؤل: كيف أصبح هذا الوطن ساحة لأفلام رعاة البقر؟! سقطت إشارة الاستفهام حياء. سأخبركم بسر: هناك من يراقب أسلوبنا في الحوار، ليثبت للمرة المليون أن معظمنا جحافل من غوغائيين لن نتعلم يوماً ماذا يعني طرح وجهات النظر والتفاعل معها للخروج بفكر وحل يعمل به ويحترمه الجميع.