عبد الوهاب المقالح – السفارة الأمريكية: الإرهاب، الحرية، المواطنة

عبد الوهاب المقالح – السفارة الأمريكية: الإرهاب، الحرية، المواطنة

السفارة الأمريكية في صنعاء صارت تمثِّل مشكلة لا تُحتمل لعشرات الآلاف من المقيمين في الأحياء السكنية المحيطة بها. لقد صارت هاجساً يؤرقهم ليل نهار، ويؤثر على أبجديات حياتهم اليومية تأثيراً بغيضاً ومجحفاً وظالماً.
ترى، ماذا عساه يحدث لو أن سفارة من السفارات، في أي بلد من بلدان الله، شغلت عدداً قليلاً من المواطنين المقيمين بجوارها، وتسببت في خلق أي نوع من الأذى لهم؟! هل سيسكت الناس؟ هل ستخرس إدارة الحي؟ هل سيصمت النائب المنتخب من قبل أولئك المواطنين؟…
إننا ندرك –حتماً– طبيعة الظروف التي أوصلت إلى هذه الحال. وليس لدينا أدنى اعتراض على أية إجراءات أمنية يجب اتخاذها حول أية سفارة. هذه مسألة مفروغ منها ولا جدال فيها.
غير أن الحال الذي آلت إليه هذه الظروف بخصوص هذه السفارة تتطلب إعادة النظر بشأن مقرها، والعمل على اتخاذ تدابير أخرى أقل كلفة، وأضمن أمناً، للسفارة والعاملين فيها، ولرجال الأمن، ولسكان الأحياء المجاورة.
ليس من المعقول أن تتعطل حياة الناس، ويتضررون في معيشتهم، ويصابون في أخص خصوصيات عيشهم، بسبب هذه السفارة المقدسة. يكفي أن نشير هنا إلى أن أعياد وأعراس وجنازات الأحياء المحيطة بهذه السفارة تتحول إلى نكدٍ وتنغيص بسبب ما يترتب على تلك الإجراءات الأمنية من زحام واكتظاظ وإغلاق طرقات وشوارع ومعها إغلاق المحلات التجارية. ليس من المعقول أن يصير وصول الأطفال الصغار إلى مدارسهم أو الناس أو المرضى إلى بيوتهم عسيراً مرهقاً.
لماذا لا يبني الأمريكيون سفارتهم في “عَصِر” أو “نُقُم”، أو بجوار أي معسكر من المعسكرات التي تخنق العاصمة ويدعون الناس يعيشون حياتهم، ويوفرون على خزينة الدولة تلك التكاليف الباهظة التي تتطلبها كل تلك الإجراءات الأمنية؟!
لماذا لا تبني الحكومة اليمنية للأمريكيين سفارتهم، رحمةً بهم وباليمنيين، في مكان مناسب، طالما أن الحرب على الإرهاب -بالمفهوم الأمريكي- ستطول إلى أجلٍ غير مسمى؟!
بأي حق يُحرم الناس من رؤية الشمس في الصباح أو وداعها عند المغيب، لا لشيء، إلاّ لأن السفارة في الحيَّ؟! ماذا لو أعلن عن حملة تبرعات تجمع فيها الأموال لبناء سفارة أمريكية في مكان آمن!؟ وأتعهد شخصيّاً بإقناع من أعرف ومن لا أعرف من سكان تلك الأحياء بالمبادرة للتبرع طالما أن هذا الاقتراح سيعيد لهم بعض حريتهم المسلوبة ويقلل من خسائرهم في أرزاقهم.
ثم من يضمن لو استمر هذا الحصار والتضييق على الناس في معاشهم إلى أجل طويل ألاَّ يدفع ببعض الساخطين المتضررين إلى التفكير بحماقات انتقامية ضد أيّ أحد ممن يرونهم متسببين فيما لحق بهم، و”هات” يا إرهاب ويا ملاحقات ويا حصار ويا مزيد من التضييق والتشديد وانتهاك للحريات!!
أم أن هذه هي الغاية، وهذا هو الهدف: خلق الأزمات، وتوتير الأوضاع، ومحاربة الإرهاب، والتنكيد على الناس؟! ترى، هل من سميع؟! ترى، هل من مجيب؟!