وردة رصيف – لطف الصراري

وردة رصيف – لطف الصراري

باندفاعة ريح في بداية شباط تهز خصر الشتاء وتجفف سجائري… هنا، هذا المكان الذي لا أجد أفضل منه/ غيره، وبقايا ألم أتقنتِ حياكته، عالقة على امتدادي. هنا، يا حبيبتي، مازلت صامتا كعادتي، أتضخم وأذبل كشرنقة تبدو على وشك أن تفقس، لكنها لم تفعل منذ زمن. أحاول أن أعرف بماذا أفكر، كي أجيب على سؤالك الذي طالما جففني. ليس وحدهم العشاق من يكرهون مقاطعة استحلاب اللذة المتبقية في رؤوسهم. ثمة فارق بسيط وكبير: أصمت بهذا القدر لأني أستحلب حباً مفترضا من لا شيء ترادفينه بجدارة رئيسة صف تستدرج شغف الذكَر الوحيد فيه، ثم تشي به للأستاذة: “قليل أدب.. يعاكس البنات”.
أشعر بالريح تتخلل النافذة التي شربت ذات يوم -دون أن تعرفي- نخب خشبها المنخور. كان نخبا رائعا يتمثلني مثلما تمثلتِ العثّ الذي لا يستطيع الإقلاع عن النخر. مازلتُ مثل خشب النافذة، ومازالت وردة الرصيف في يدي بانتظار عيد حب كي أهديك إياها. لم يكن متاحاً لي شراء وردة، وكنت تطالبين بها بصورة دائمة، كتعبير عن الحب. طالما استعجلتِ كل شيء، وأحكامك أيضاً. الريح التي عبثت بنتف الورد وأنت تمزقين البوكيه حين أهديتك إياه بدون مناسبة.
يا لمشوار الحب البائس! هذا المساء المتعرج مثل خط على خريطة يحدد السيادة؛ بالكاد أرى الخط الفاصل بين الهوان وما يستحقه وجودي من حب. بالكاد أوارب درفة القلب الوحيدة على عاصفة غضب حزين تراوح مكانها وتزوبع باتجاه السقف. زوبعة وغضب حزين، هكذا أرى دخان سجائري، وغبارا مهذبا ينكسر إلى منفضة ناجية بفضل مسند التِّبن على الجدار. عاصفة حزينة يستغفلها الشِّعر ولا يستغفر دمارها. الحزن القابض على وردة والتمزق الذي يألف العَذْر.
أحط الوردة مبللة بعرق كفي على الطاولة الصغيرة؛ هنا وضعنا، ذات ليلة بعيدة، صينية الكعك، علبة بيبسي، وكأسا واحدة تناوبنا الشرب بها. لم ترجع تلك الليلة، ولم ترسل وصيفتها حتى! نفضتُ يدي منها مثلما أنفضها الآن منك، وأحاول أن أبقي العاصفة بهدوء دخان السجائر، كي يظل الباب موارباً؛ ربما تعودين وربما أعود! لكن الريح أغلقت الباب للتو، ونزعت مقبضيه.
إلى أين ستعودين الآن؟! وكذلك أنا! من الذي أُغلق عليه الباب؟ هذه الغرفة التي طالما اعتبرتُها عالمي، وعالمُك الذي اضطررت آسفاً لنعته يوما ما بالتافه. ها أنا أكرر اعتذاري وأبرر لك عالمك: تتمسكين به لأنك لا تثقين بأن ما أعيشه عالماً.
هذا القروي الذي شوهت أول مدينة عشقها صورة المدن في خيالات طفولته، وشوهت أول امرأة أحبها قلوب النساء. أحتاج لذاكرة لا تخون قراءة تلك الصور؛ رائحة البسكويت في المصانع القريبة من مدخل المدينة، الطائرة التي لم ترتفع بعد عالياً، بملامح وخطوط ملونة أستطيع تمييزها. سحرتني نوافذ تلك الطائرة، وتمنيت أن أخرج مرفقي من إحداها كما أفعل في نافذة السيارة. أقول سحرتني وأتذكر صوت الهليوكوبتر التي طالما انتزعت هلعي وغرسته ثانيةً وهي تمر قريبا من رأسي. كنا نسميها “طائرة أبو مروحة”، ولم أتجرأ على النظر إليها إلاّ عندما مرّت وأنا برفقة أبي. أجبرني على مشاهدتها ونعتني بالجبان، لكن نظري كان يرتفع متزامنا مع ابتعاد الصوت بالاتجاه الذي عرفت –لاحقاً في المدرسة- أنه الجنوب الشرقي. لم تكن الطائرة الملونة مثل “أبو مروحة”، لذلك شيعتها حتى دخلت بين السحاب. يومها قال صاحب السيارة إن ابن مالك المصنع لديه طائرة مثل التي شاهدناها، وحذّرني أبي من تصديقه. اقتربنا من المدينة وقلصتُ حلمي إلى غرفة على شكل طائرة مقلعة ذات نوافذ أتحكم بزجاجها بمقبض لولبي، وكنا لحظتها نصل أسفل العقبة. أصوات الشاحنات والنباتات المعلقة على الهاوية أسفل البيوت، مياه المجارير التي تغذي تدلّي النباتات، ودخان العوادم. كان للمدينة رائحة مميزة تختلط بالصورة في خيالي وترتسم بحميمية في أحلامي، ولم أكن بعد قد تجولت في حاراتها القديمة كي أتعلق بنثار الجص ولون الآجُر. ورغم ذلك، عندما تعرفت على مدن أخرى، لم أتقبلها كمدن إذا لم تحمل مداخلها نفس النكهة. ما الذي حدث لينسيني تقصي روائح المدن من مداخلها؟
إلى أين أعود يا عاتكة؟ وإلى أين تعودين؟ أجلس في غرفة ليست لي، بنافذة واحدة وخشب منخور، أعتبرها –بوقاحة- عالمي. لهذا أكرر اعتذاري عن الإساءة لعالمك وألعنه مرة أخرى. قلبك الذي لم يصغ لحكاية أحلامي، وقلبي القابل للابتزاز، كيف يحكى عن عاشقين بقلب واحد!؟
هذا القروي سيعود مجدداً إلى تحت شجر “الضُبَة” التي كان ينصب على مقربة منها كمائنه للحطّابات. ذلك الجبل بأشجاره الشوكية، ومكعبات روث البعير التي كانت تغفل عنها جدتي في علبة الصفيح. بين حليب الجدة الساخن بمكعب روث في قعر العلبة وكأس “سميرا” بمكعب ثلج لا يمتص الألم، أمنيتي المستحيلة بروثة في صفيحة جدتي لأختبر الفرق بينها وبين قطعة كعك احتفالية تحرصين على إعدادها في فرن معقم. ليتني قضمت الروثة –أو تظاهرت بذلك على الأقل- كي تطول ضحكة الجدة، كركرتها التي كان بوسعها أن تخفف التقلصات التي تسببها طبقة الكاكاو والكريما المخفوقة!
قبل ذلك، كنت أظن أن “قرادف” البخور نوع من الحلوى لم أعرفه بعد. وكانت أمي لا تغلق شنطتها بقفل. استغفلتها لأنفرد بالعلبة الخضراء الصغيرة، وفي اليوم التالي، كانت “ملوكـ” (صديقة أختي) متهمة بالسرقة. تشاجرت الأُمّان وأخرجتا مساوئ كلتيهما تعويضاً عن شجارات فائتة كان ينبغي أن تحدث. وحين عادت أمي، أرسلتني لشراء قفل وأغلقت الشنطة. يااااااه! كم كانت أمًّا قاسية؛ تسمي الحلوى بخوراً لكي تغالطني! ظللت أراقبها متى ستخلع خيط المفاتيح من على رقبتها، وأحوم حول الشنطة كل يوم بلا فائدة، ثم قررت أن أطلب منها قطعة واحدة على الأقل، لكنها أنكرت وحلفت بأيمان غليظة (أحدها برأسي) على أنها لا تخفي عني الحلوى. كنت مصراً -يا عاتكة- أن في شنطتها حلوى تستأثر بها دوننا، وبكيت بحرقة وأنا أشكوها لأبي. حتى أختاي اعتقدتا أني محق وشهدتا معي: لم تعطهما ولو مرة واحدة من الحلوى التي أصفها. غضبت أمي واصطحبتنا جميعاً لمعاينة المخبأ. كانت العلبة الحمراء في يدي، ومازالت مختومة باللاصق، لكنهم ضحكوا وأنا أفتحها. ضحكوا طويلاً، ولم تكن قهقهاتهم مثل كركرة الجدة الرؤوم، التي منذ أن سمعتها، صرت أميز بين نوعين من الضحك وأبتعد عن أحدهما دائماً. لم أخبرك بهذه القصة أيضاً، لم أخبرك لأنك طالما أردت سماع ما تريدين فقط، وكنت تعتقدين أن القروي ينبغي أن يتحضر على يديك.
ها أنا أقرر فجأة أن أكسر الباب كي أعود. ليس إلى حظيرة الورد خاصتك، بل إلى حضن بنت الجدة وقد صارت في مثل سنها آنذاك. سأعود كي أتصور من جديد نكهة أخرى للمدينة، وأحلم، أثناء مروري بمصنع البسكويت، بطائرة مقلعة باستمرار وحقيبة سفر بجيوب مخفية لتهريب أحلامي؛ الأحلام التي طالما تسفهت بين شفتيك، واعتقدتِ أنها ماتت. ليس أمامي سوى العودة إلى هناك، أتأمل تفاصيل باب بيتنا من الداخل على ضوء مشعل خافت قبل منتصف الليل، كما كنت أفعل عند عودتي من مشاهدة التلفاز في الدكان. لن أفتح الراديو على سهرات “أم كلثوم” أو “محمد سعد عبدالله”، وأتظاهر بالنوم بتنهيدة مسموعة، فقط، كي أثير نقاشاً بين والديّ حول اقتراب أوان زواجي. ولن أقلّب وجوه الفتيات وأجسادهن في ذاكرتي القريبة. تنتظرني مصطبة وليالٍ مقمرة، وما تبقى من الشتاء، ينتظرني ما تبقى من حضن الجدة الجديدة، وحب خبأته لأجلي في شقوق قلبها. يااااااه! كيف لم أتنبه لذلك قبل الآن!؟ وكيف أغوتني قسوتك!؟ مع ذلك، مازلت أخاف من الحب، وأعتقد بيقين أن استهلاكه مميت. أية حقيبة سأودعها في أمانات المطار!؟ وأية واحدة سأعلقها على كتفي!؟ سأجرب مدناً أخرى ينبغي التخفف من الحنين قبل السفر إليها، الكفر بحلم مدينة وامرأة شوهتا ملامحي.
سأعود، لكن ليس الليلة، ليس قبل أن أعيد الوردة للرصيف، أو أهديها لعجوز تكنس الشارع، ربما تسقط الوردة من جيب معطفها الفاقع! وربما وصلت منسية خلف أذنها إلى وسادة أسمنتية لا تبدد دفئها بعد الغروب، وسأدعي أنها المرة الأخيرة لتعاملي بالورد مع امرأة.
ليس قبل أن تنقضي هذه الليلة الثقيلة بلوعتي وإدانة تلاحقني كمذنب جسيم؛ هذه الليلة المتخففة منك، بنظرة تشوّشها دمعة تسفح بين هدبيّ. هل ترقأ المواساة قروح القلب؟ خشب النافذة ووردة خائفة من حتفها بين أصابعك، وأنا. هذا الدرب الذي وهبني حبك لجهاته الأربع، ماذا يعني الـ”فوق” والـ”تحت” غير القبر أو طلوع الروح!؟
[email protected]