حاج وملقط أحجار و… و… مسابح! حج وما أدراك ما الحج؟! (2-2)

حاج وملقط أحجار و… و… مسابح! حج وما أدراك ما الحج؟! (2-2)

عبدالله علي الكميم
وصف الموكب:
يمر الموكب الحديدي هذا في الشارع الرئيسي المؤدي من منى إلى مكة وهو ضيق إذا قيس بحجم وأعداد المركبات وأعداد الحجاج، الراكبين منهم والماشين على أقدامهم، وهذا الموكب من حيث هوله لا يقل عن ذلك الذي انطلق من عرفة إلى مزدلفة، بل قد يكون أمرّ وأقسى، لأنه يمر في قلب وادٍ، بينما الساحة التي تقع بين عرفة ومزدلفة مفتوحة، والأخير يتم في النهار، بينما الأول يتم في الليل؛ وشتان.
أما أنا فقد علقت في سيارة من صنع أمريكي أيضاً، وكان قد سبقني إلى مقدمتها أخ من مصر، وقد فضل أن يبقى بجوار الباب وأنا بجوار السائق، رغم أن المقدمة كلها كانت مليئة بأغراضه، وكان يحتضن شنطة كبيرة طرحها فوق ركبته، مما دفعني إلى أن أسأله عما إذا كانت هذه الأغراض تخصه وكيف تمكن من حملها في المسيرة الصباحية وتمكنه من إخفائها عن أعين المراقبين السعوديين… الخ. فأخذ يرفع كفيه إلى السماء ويحمد الله على تمكينه من النصر المؤزر. وقد سألته أيضاً، باعتباره عضواً في مؤسسة لها علاقة بأعمال الحج على مستوى الوطن العربي، فهو عضو في مؤسسة مطوفي الحجاج العرب، سألته عما إذا كانوا قدموا مقترحات حول تغيير وتطوير نمط وأساليب وسائل نقل الحجاج بين المشاعر المختلفة، فكان جوابه سالباً! ولما سألته عما إذا كانت إدارة شؤون الحج تخص دولة بعينها، هي المملكة السعودية، أم أنه شأن عربي وإسلامي، قلب كفيه ورفع سبابته إلى السماء وكأنما يريد أن يقول: هذه أمور سياسية وليست من شأني!
وقد تلقيت وأنا على متن السيارة في خضم الموكب الحديدي هذا عدة مكالمات من زوجتي ومن الإخوة “أبوحسام” (بعد أن وصل الفندق مشياً)، عيدروس اليافعي (أبوالوليد)، العقيد سمير الصبري؛ كلهم يسألون عن حالي ومكاني. وكان ردي أنني في الموكب الجنائزي، وأعاني ما أعاني، وكان هذا في نظري أقل ما يمكن أن يوصف به هذا الموكب من حيث شعور الناس بالألم والحزن، إلا أن هذا الموكب يفوق المواكب الجنائزية من حيث الشعور بالغم والغثيان والاختناق والعطش والخوف على حياتهم من ارتطام الحافلات واختلاطها ببعضها… الخ! وهنا لا بد أن نسأل عما إذا كانت هذه الأساليب والإجراءات المتبعة في نقل الحجاج أفضل من تلك التي كانت متبعة منذ عصر صدور الإسلام حتى زمن اختراع وصناعة هذه المركبات! والجواب من وجهة نظري أن الوسائل والأساليب المتبعة حديثا ليست أفضل من ترك الأمور على طبيعتها، بل لقد زادت الأمور سوءاً وتعقيداً وضنكاً!
على أن هناك أموراً مازالت تعكر صفو عملية الحج، وبحاجة إلى إعادة النظر، بهدف تطويرها، وذلك ممكن وسهل إذا ما توافرت النية والرغبة. ومن هذه المسائل:

1 – في الطواف حول الكعبة:
 الزحام الشديد الذي يلمسه أي حاج حين الطواف حول الكعبة يثير في نفوس البعض القلق على حياته، وبالذات ضعيفي البنية أو قصيري القامة أو كبيري السن أو المصابين بالربو، فإن هؤلاء قليلو الاحتمال ويشعر بعضهم بالاختناق ويفضلون اللجوء إلى المبنى المحيط بالكعبة للطواف، رغم البون الشاسع في طول المسافة، إذ تبلغ المسافة هنا أضعاف أضعاف مسافة الطواف حول الكعبة مباشرة. والملاحظ أن نسبة من يطوفون حول الكعبة ممن يجب عليهم الطواف كمتمتعين أو من يؤدون طواف القدوم أو طواف الإفاضة أو الوداع وهم يرتدون ثياب الإحرام، عدا من يؤدي طواف الوداع، لا تتجاوز نسبتهم 10٪ في الغالب من مجموع الطوافين، في حين أن البقية من المتطوعين أو المتطفلين الذين يزاحمون النساء أو يحاولون السرقة (وقد قال أحد الإخوة الجزائريين: “لقد طفت سبع عشرة مرة خلال أسبوع”).
والسؤال هنا هو: لماذا لا تتخذ إجراءات لتخفيف العبء على من يجب عليهم الطواف وتمكينهم منه دون مشقة، كأن يوضع حاجز حول الكعبة من مسافة عشرة أو خمسة عشر متراً من جميع الجهات لتكون هذه المساحة خاصة بمن يرتدون ثياب الإحرام أو من يطوفون طواف الوداع ووقته معروف.

2 – عن وضع المخيمات في منى وعرفة:
 بالرغم من وجود المخيمات في كل من عرفة ومنى، إلا أن وضعها الحالي مازال بعيداً عن تلبية الحد المعقول من متطلبات الناس. وقد يكون الهدف من وضعها المهلهل هذا هو جلب المزيد من الثواب، كما يرى البعض، من أجل التبرر! وكما لو كان الله تعالى بحاجة إلى الإمعان في تعذيب خلقه من أجل أن يجزل لهم الثواب؛ تعالى الله عما يزعمون علواً كبيراً!
 المطلوب هو تطوير الخيام القائمة بوضع جدران من الآجُرّ على ارتفاع متر ونصف على الأقل بين العنابر وتبليطها وفرشها فرشاً لائقاً، مع زيادة المساحة للشخص الواحد أو استحداث مبان رأسية تضمن الحدود المعقولة لحياة الحجيج.
على أنه لا بد من الإشارة هنا إلى أن مخيمات منى أفضل حالاً من مخيمات عرفة!

3 – عن قلة الحمامات وسوء وضعها في كل من منى وعرفة ومزدلفة:
إن الحمامات في كل من منى وعرفة ومزدلفة أقل بكثير من احتياطات الحجاج، سواء ما يخص الرجال أم النساء، وهي أقل بكثير من مزدلفة، ويكفي أن نقول إنه قد يقف أمام الحمام الواحد طابور مكون من أربعين شخصاً، وهذا يعني أن مرضى السكري وغيره لا يصلون بسهولة، وقد شاهدت بنفسي بعضهم وهم يتبولون خلف الجدران، في عرفة بالذات، وقد صار همّ الكثير منهم الحصول على مكان في الحمامات. والمطلوب تطويرها كمًّا ونوعا مع وضع حاجة المسنين في الاعتبار.

4 – عن قلة مياه الشرب في المشاعر:
 بالرغم من توافر مياه الشرب في بعض الطرق الرئيسية في عرفة ومنى، إلا أنها لا تفي باحتياج الحجاج، مما يضطرهم إلى شراء الماء والمشروبات الأخرى من الباعة، وهي ساخنة، لا تشفي غلة ولا تروي ظمأ. والمطلوب التوسع في شبكة المياه الباردة (مياه الشرب) في كل من عرفة ومزدلفة ومنى لتلبية حاجات الحجيج.

5 – عن عزل الحجيج عن مجريات أمورهم:
كنت أعتقد أن خطبة عرفة وكل الفعاليات والأنشطة الوعظية والإعلامية تتجه مباشرة إلى الحجاج، وأنهم يسمعونها ويستفيدون منها، وبالذات في مخيمات منى وعرفة؛ إلا أن الواقع يتنافى مع هذا تماماً، فالحجاج معزولون وبعيدون عن كل ذلك، ولا علم لهم بما يجري من حولهم، ولا حتى فيما يخصهم، فهم آخر من يعلم بما يجري في أمور الحج! فالصلوات مثلاً بما فيها صلاتي الظهر والعصر يوم عرفة يؤديها كل مجموعة على حدة في أماكنهم، ولا يسمعون أذاناً ولا خطبة ولا إماماً جامعاً!
وقد عزم بعض الزملاء على أداء صلاتي ظهر وعصر يوم عرفة بمسجد نمرة، وحاولوا بالفعل الوصول إلى المسجد إلا أنهم أخفقوا، فقد تاهوا وعادوا بخفي منتظر!

6 – عن قلة وانعدام الإشارات المرورية والإرشادية:
من الملاحظ أن اللوحات والإشارات الإرشادية، سواء المرورية منها أم تلك التي تدل على الموقع الذي يقف فيه المرء، في كل من مكة ومنى وعرفة، تكاد تنعدم تماماً. فقد تمشي مسافات طويلة ولا تجد لوحة ترشدك أو لافتة تدلك على الاتجاه الذي تريد، أو تشير إلى المكان الذي تتواجد فيه. وهذه الندرة أو العدم تلفت النظر بالفعل، وتكون عاملاً يؤدي إلى التيه.

مقترحات
بالنظر إلى التكوين الجغرافي المناسب لمنطقة مكة وما حولها من المشاعر، ولتوافر الإمكانات لدى الحكومة السعودية، وللضرورات الملحة في التغيير والتطوير؛ أقترح ما يلي:
1 – إيجاد شبكة من الجسور بين المشاعر، وبينها وبين مكة، والحرم بالذات، وتكون للقطارات والعربات التي تعمل بالطاقة الكهربائية، وعدم استخدام المحروقات.
2 – إيجاد شبكة من الأنفاق في المناطق نفسها وللأهداف ذاتها وبالمواصفات نفسها.
3 – استحداث شبكة من القطارات الهوائية والتليغريك في المكان ذاته.
4 – تطوير واستحداث شبكة واسعة من مشاريع مياه الشرب ومدها إلى كل المخيمات في عرفة ومزدلفة ومنى وعلى الطرق والشوارع الرئيسية.
5 – توفير المزيد والمزيد من الحمامات في المشاعر كلها وفي أماكن تواجد وازدحام الحجاج.
6 – تطوير وضع المخيمات في كل من عرفة ومنى من حيث الكم والكيف. وهنا قد يصار إلى التفكير في استحداث مبان رأسية تستلهم متطلبات البيئة والحجيج. أما المخيمات فإنها بحاجة إلى الترميم والتبليط وبناء فواصل بين الأجنحة والعنابر المختلفة.
7 – تطبيق قرار منع حمل الأمتعة في منى باتجاه الجمرات وتحقيق المنع الكلي الكامل، كون حملها من أهم العوائق التي قد تؤدي إلى كوارث كما حدث في الماضي.
8 – وضع حاجز حول الكعبة، وتخصيص المساجد المحجوزة لأولئك الذين يرتدون ثياب الإحرام ويؤدون الطواف كواجب لا تطوعا أو تطفلاً، حتى لا يتحمل هؤلاء جهوداً مضاعفة.
9 – وضع لوحات إرشادية في كل المنعطفات والشوارع والأماكن التي يتواجد فيها الحجيج.
10 – إن مما يثير الاستغراب حقاً هو عدم استخدام وسيلة النقل الأكثر أماناً وفاعلية وسرعة، وأعني بها القطارات، بالرغم من انبساط الأرض وترامي أطرافها.
أخيراً أرجو أن أكون قد وفقت في نقل صورة حقيقية للمعاناة الشخصية، وهي معاناة كل الحجيج. والله المستعان.