جمالية اللامألوف – نادية الكوكباني

جمالية اللامألوف – نادية الكوكباني

الفكرة، المكان في «طعم أسود… رائحة سوداء» لعلي المقري
تقديم:
الساحة الثقافية اليمنية لعام 2008 شهدت زخما روائيا لم يسبق له مثيل من قبل ويمكننا أن نطلق عليه عام الرواية اليمنية حيث صدرت ثمان روايات هي: “عرق الآلهة” لحبيب سروري، “بلاد بلا سماء” لوجدي الأهدل، “زهافار” لياسر عبد الباقي، “الدوائر المقدسة” بسام شمس الدين، “طعم اسود… رائحة سوداء” لعلي المقري، “ابن النسر” لسمير عبد الفتاح، “رجة تحس بالكاد” لمحمد عثمان، “الغُرم” عبدالله عباس الإرياني، إضافة إلى ترجمة الدكتور عبد الوهاب المقالح لرواية “صيد السلمون في اليمن” للكاتب البريطاني بول توردي.(1)
  وفي هذا الزخم نالت رواية علي المقري “طعم أسود… رائحة سوداء” نصيب الأسد من الدراسات النقدية المحلية والعربية منذ صدورها، وهذا يعود لعدة أسباب منها سهولة انتشار العمل الأدبي عندما ينشر خارج حدوده حيث نشرت الرواية دار الساقي، لندن. ودخلت الرواية ضيفة على اليمن بمشاركة دار النشر في معرض صنعاء للكتاب في أكتوبر 2008، إضافة إلى البعد السياسي والاجتماعي كموضوع رئيس في الرواية والمرتبط بالاهتمام العالمي بحقوق الإنسان. وأدبياً اعزز رؤيتي في ورقتي هذه من أن غرائبية الفكرة الرئيسية التي اعتمدها كحدث للسرد وهي فكرة تناول حياة شريحة اجتماعية هي شريحة “الأخدام” أرغمها المجتمع بمعاملته العنصرية لها ونبذها من تكوينه وعدم دمجها في كيانه إلى التمرد على القيم المألوفة لديه وإلى ممارسات إنسانية جريئة تتجاوز حدود المألوف، إضافة إلى غرائبية المكان الذي يقطنونه والذي يتحول فيه الصفيح والكرتون من نفايات في محيطهم الخارجي إلى مكون أساسي لإيوائهم فيما يشبه الحجرات.
إذاً، لا مألوفية الفكرة في عمل المقري الروائي الأول ولا مألوفية المكان هما العنصران الرئيسيان المميزان للعمل والمتميزان به عن الأعمال الروائية الأخرى وهذا ما جعل له نكهة خاصة محلية وعربية و،ربما مستقبلا، عالمية.
جمالية طعم أسود… رائحة سوداء
 السؤال الذي حير عبر تاريخ البشرية كل المفكرين والفلاسفة والأدباء والفنانين وعلماء النفس وهو: “ما الجمال!؟” لم يعد رغم أهميته في الوقت الراهن يلقى ذات الاهتمام في البحث عن إجابة محددة لاختلاف التعاريف والنظريات التي أثرت الموضوع حيث تركز التعريف في العصر الحديث على أن “الجمال هو كل ما يستثير بداخلنا المشاعر الحسية المتميزة التي تدركه وتنفعل معه بوعي” وهذا تماما ما يفعله الأدب على اختلاف أجناسه في ذواتنا بشكل كبير. (2)
ولعل ما قام به علي المقري الشاعر اليمني المتميز في أول عمل روائي له “طعم أسود… رائحة سوداء” هو هذا الوعي الذي تجاوز به السائد ليفتح آفاق جديدة، ويثير تساؤلات عديدة تجسدت برؤية فنية في كشف الجديد لعلاقات خفية، وهذا الكشف الجديد هو الذي أجج المتعة والتشويق والجاذبية في النص(3). ورغم أنه ينفي في أحد أحاديثه الصحفية عن الرواية وجود فكرة مسبقة أو دافع محدد لديه لكتابة رواية عن المهمشين السود الذين يطلق عليهم لقب “الأخدام” وأنه فقط “أراد الاقتراب من معاناتهم في التمييز العنصري الذي يصل حد الانقراض والهلاك عبر كتابة روايته…”(4) إلا أن وعي اقترابه منهم كان مجسدا بصدق في روايته، وجعلت القارئ يلتصق بهم طيلة صفحات الرواية بمشاعره وانفعالاته، مشدوهاً بعالمهم، تتقافز في ذهنه بين الحين والآخر أسئلة تجعله يلتحم مع النص أكثر دون البحث عن إجابة حتى لا يقطع متعة القراءة التي نجح علي المقري خلالها في أن يستفز مخيلتنا لبناء نص مواز في أعماقنا يشعرنا بمرارة الحياة إذا كان ما كتبه هو جزء منها!

جمالية اللامألوف: الفكرة، المكان
إذا ما اعتبرنا اللامألوف هو الشيء الذي لم يتعود المرء على فعله أو قوله باستمرار ويمارسه بشكل عارض أو نادر، فإن الفكرة اللامألوفة أو الفكرة الغرائبية في رواية علي المقري والتي لم يتم التطرق لها من قبل كموضوع سردي في المجتمع اليمني هي التي جعلت للرواية جمالية خاصة لدى المتلقي وهذه الفكرة اللامألوفة دعمها شيئان هما:
1 – غرائبية العالم المكتشف في حياة هذه الفئة المهمشة من الأخدام التي تحيا البؤس والمهانة والتحقير في بيئتها المحيطة وهو المجتمع، دون أن تعي لذلك سببا! هل هو لونها الأسود أم تاريخها الأسود كما ورد في الرواية “هناك من ظن أن أصولهم تعود إلى خليط من الأثيوبيين والأريتريين والهنود العربـ” ص80، أم قدرها الأسود أيضا في المجتمع وهذا جعلها ترفض كل ما حولها: “كنت أعرف الرفض الكامن في صدور الاخدام لكل من حولهم” ص9. ورفض من حولهم لهم: ” محكمة لا تسمح عادة للاخدام بدخولها… يدخلونها فقط حين يقبلون كخدام فيها. يكنسون القاعات والغرف… وينظفون الأوساخ…”ص10،… “لم تقم عليها صلاة الجنازة، ولم يتم غسلها مثل سائر المتوفين من أبناء القرية، حتى التهليلة التي يرددها الأطفال والكبار وهم يمشون خلف الجنائز، اختفت هذه المرة!…” ص21. وأيضا “الخادم لا يمكن أن يشتغل في مقهى أو مطعم… يعتبرونه قذرا،نجسا لا يليق… السماح له بمسك أواني طعامه وشرابه”، ص46. حتى حقهم في اختيار طريقة حياتهم حرموا منها: “أرغم الخادم سريع على الزواج من إحدى الخادمات ليبدو زوجها أمام الآخرين، بينما الشيخ هو الذي يعاشرها ويحتكرها”، ص 54. وأيضا حرمانهم حتى من محاكمات عادلة تمنحهم ولو جزء من حقوقهم: “تتلقى إدارة السجون توجيهات بسجنهم بدون أحكام قانونية أو قتلهم بدون محاكمة ويكون هذا بعد أن يتم هدم مساكنهم وتشريدهم وجلدهم واغتصابهم، وكذا اختطاف بناتهم واغتصابهن”، ص55. فهل هناك عالم أكثر غرائبية من كل هذه المعاملة القاسية لتلك الفئة المهضومة الحقوق في حياتها من طرفها إلى طرفها؟
2 – غرائبية المكان الذي يسكنونه والمحاط بالصفيح والكراتين كما ورد في الرواية، “قبل أن نقترب أو نحاول المرور أمام هذه العشش، تفحصت عيوننا مكوناتها المتداخلة من مخلفات صفائح الزنك وأعواد الأشجار النحيلة، في شكل غرف صغيرة تسندها أعمدة خشبية مهترئة في الأركان والباب لا تختلف عن عشش الأخدام في قريتنا”، ص 35. إنه المكان المنبوذ في أطراف المدينة والتي تزحف عليه كل يوم سطوة المدينة بعماراتها الإسمنتية وبتجارها الأقوياء الذين لا يهمهم حياة هؤلاء بقدر ما يهمهم الأرض التي سيحصلون عليها وسيجنون منها أرباحا طائلة، المكان الذي هم أنفسهم لا يعتبرونه سكن واستقرار وآمان: ” لا يطلق الأخدام على عششهم صفة السكن أو المساكن، والتي تعني الاستقرار وأمان العيش الدائم والساكن، يعتبرون تجمع عششهم “محوى” مؤقتاً، ويصفون أنفسهم بالمحويين العابرين.”، 36.
إنه المكان الذي يشبه داخله خارجه بشكل يرضي ساكنيه، ففي الداخل فوضى تساوي فوضى الخارج، وقانون يشبه قانون الخارج، قانون هم راضون عنه تماماً ولا يجدون تدخلاً من أحد فيه، إنه قانون واحد ووحيد: قانون المتعة التي لا حدود لها ليومك! وغدك، لا يهم سيأتي برزقه وبمتعته. قانون اليوم أن تأكل وتشرب وتمارس الجنس وحبذا لو وجدت شراب يغيبك عن مرارة ما حولك ولو لساعات. يعرفون أن مَثَل الناس خارج حدود مكانهم والذي يحتقرونهم به (الخادم يومُه عيدُه)، هو متعتهم اللانهائية ولذتهم التي يتميزون بها عن غيرهم من المجتمع خارج كراتينهم وصفائحهم. وأخيرا هو المكان الذي لا يراه أحد غيرهم ولا يشعر ببرده ودفئه غيرهم، المكان أولا وأخيرا الذي يمارسون ما يشاءون فيه بحرية، تحكمه قوانينهم ورغبتهم وحريتهم في إطاره، ذلك الإطار الذي ليس لأحد فضل عليه أو فيه!

جمالية العادي
في الفكرة والمكان هناك ما هو غير عادي لحدوثه أو لممارسته في المجتمع ويعتبر جزءاً من محاذيره أو نواهيه أو مخاوفه، هناك موت يخشاه كثير من الناس وهناك حرام يُمنع الناس من فعله، وهناك خوف يشله في المصائب والكوارث التي يواجهها… كل هذا تحول بخفة ورشاقة إلى عاديات في السرد الروائي لعلي المقري لعالم الأخدام ولطقوس حياتهم، وتمكن باقتدار من سيطرة الفكرة اللامألوفة بشكل عادي كأنها جزء من حياة الأخدام على ما عداها دون أن يبرر أو يواري شيئا على لسان شخوص الرواية.
 الموت عادي: تحكي الدغلو عن موت أختها دون لوم أو عتاب لأمبو، “كان بالأمكان إنقاذ جماله من القتل!”، ص 22. ويقتل إثنان من الأخدام بعضهما بالفؤوس بطريقة بشعة وكأنه مشهد سينمائي ينتهي بلم الجسدين المقطعين من الطريق: “أحد الشباب كان يهوي بفأسه تجاه آخر. يضربه على كتفه وخاصرته ورقبته، ثم على ظهره ورأسه ولم يتوقف حتى بعد أن سقط كتلة من لحم ودم على الأرض”، ص 66. وأيضاً عادية ممارسات الخاص بشكل عام:” فتحت نصف عيني، كانت تجلس مقرفصة، لافة نصف ثوبها الأسفل على خصرها، وتحتها صحن قصديري صغير لاستيعاب ما ينزل منها. أحست بحركتي. لم تأبه وظلت على وضعها”، ص 44.
 الجنس عادي: ربما لأنه متعتهم الوحيدة وفق قوانينهم والمتوفرة في إطار إمكانياتهم أعتبره كل الأخدام من حقهم. وعلى مسار الأحداث في الرواية نجد هذا عادياً ويُذكر مثل باقي الأشياء التي تتطلبها الحياة دون خوف أو شعور بالخجل أو الذنب:” هو كان يزعل لأن بعض الرجال دائما يفوزون حين يلعبون معي ويتهمني بمساعدتهم”، ص 52. ومقابل المتعة التي يجدها الرجال والنساء تختفي كثير من المفاهيم الاجتماعية كالزواج دون أن تسبب لهم مشاكل أو خلاف، “إلا يعترض الأزواج؟ من يستطيع، الحرتوش قوي. يضرب أي واحد يزعجه ويعارضه”، ص 62. يسأل سرور أخته عن أبي طفلها الذي تحمله في بطنها دون اهتمام أو إصرار لمعرفته ما دامت لم ترغب في قول ذلك.
عادية المكان: الذي لا يهم أن يوفر خصوصية لذواتهم أو صحة أو راحة بقدر ما يوفر حماية من الخارج، الخارج الذي يخشونه وصاروا يتحاشون الاختلاط به أو الانغماس في خصوصياته لأنه يعني لهم الدمار وربما الموت:” يعتقد سرور أن الموت طبيعي في ظل حياة قذرة كهذه: ننام مع أوساخنا. نتبرز ونبول في الأماكن نفسها التي نأكل فيها ويلعب فيها الأطفال… إلى أن يقول: يقولون أن هذا أمر طبيعي بالنسبة إلينا كأخدام”، ص74. بل المكان الذي تجد فيه الحياة والموت في آن واحد كحتمية لا مفر منها:”رفضت عيشة أن يأخذ أحد جثة ابنها. أبقته في حضنها عدة أيام بعد ذلك قيل أنها دفنته أمام مرقدها، في العشة، ليبقى إلى جوارها” ص75
وفي هذا كله لم يُحمِّل علي المقري النص أكثر من طاقاته بإسهاب أو تطويل في غير محله، لم يقف أمام الألفاظ الجنسية أو المجتمعية البذيئة أو يبحث لها عن تمويهات وصور تؤدي إليها، فجاءت منسجمة في سياقها ومدهشة في مواضع كثيرة، كما لو كنت تستمع لحوار بينك وبينك أحيانا وبين اثنين ربما.
وأخيراً
لم يحمل النص الكثير من التشبيهات البلاغية أو الكنايات إلا في مواضع قليلة جداً وكأن علي المقري يلاحق في سرده المدهش وميضاً يشده لرؤية كل ما عًّراه في هذه الشريحة التي تعاني التمييز العرقي دون وجه حق وتعاني من محاولات مزجها في مجتمع هي جزء منه بمنظور فوقي لتغيير ثقافتها وسلوكها بطريقة لا وصف لها إلا بأنها تمييز عنصري.
 وهي الصرخة التي أراد أن يقولها على المقري حتى لو أوضح أن هذه ليست مهمة الرواية كما نوه في حديثه الصحفي بقوله: “لا أظن أن من مهمة الكاتب تقديم الحلول والأفكار من أجل معالجة واقعية لمشكلة ما، من خلال روايته.اهتمت الرواية الحديثة بتقديم رؤى فنّية لمعالجات اجتماعية ضمن مفاهيم أيديولوجية: دينية وحزبية وتاريخية”.
الرواية مليئة بالجماليات التي من الممكن تناولها بشكل آخر فيما يخص السياسي والاجتماعي والحقوقي والتاريخي أيضاً. وهذا كله لم يغفله على المقري بخفة دون إقحام في النص أو قطع استرسال القارئ وبمهارة فائقة.
وأنهي ورقتي هذه بتساؤل عبر عنه الشاعر والروائي عباس بيضون عن الرواية في جريدة السفير تحت عنوان ” يمن داخل يمن”: “نسأل إذا كانت رواية المقري من نسج واقع أغرب من الخيال أم من نسج خيال حط بعد هنيهة ولو طويلة” (5)

المراجع:

(1) نادية الكوكباني، “تساؤل مشروع” صحيفة الثقافية، عدد 432 أغسطس 2008.
(2) نص حوار عن آفاق على الموقع الالكتروني www.anaweeen.net
(3) شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي، عالم المعرفة، العدد 267، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2001.
(4) شكري عزيز الماضي، أنماط الرواية العربية الجديدة، عالم المعرفة، العدد 355، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت 2008م
(5) عباس بيضون، يمن داخل يمن، جريدة السفير، سبتمبر 2008.

ورقة عمل مقدمة لمهرجان العجيلي للإبداع الروائي “الدورة الرابعة”
الرقة، سوريا، 2-5 ديسمبر 2008