المرأة اليمنية.. إشراك بدون مشاركة – محمد اللطيفي

المرأة اليمنية.. إشراك بدون مشاركة – محمد اللطيفي

إلى جانب بعض النسوة المتصدرات للعمل الحقوقي ناقش بعض المهتمين بالمرأة، وضع المرأة اليمنية السياسي بهدف تمكينها في الانتخابات بشكل يحقق فاعليتها الكيفية وحضورها الكمي. كان ذلك في ندوة عقدها مركز المعلومات للتأهيل والتدريب بصنعاء 31 ديسمبر بعنوان “تمكين مشاركة المرأة في الانتخابات”. وقد خلص المشاركون (وهم مجموعة متنوعة من الدكاترة والباحثين والمختصين بالحقوق والحريات) إلى أهمية تمكين المرأة في العمل السياسي اليمني الرسمي وغير الرسمي بدءا من حضورها الفاعل في الانتخابات النيابية القادمة وصولا إلى دورها المتساوي مع الرجل في العمل الحزبي، وتم الاتفاق على جملة مبادئ يتم على ضوئها العمل على تعزيز مشاركة المرأة في الانتخابات اليمنية كخطوة أولى لتمكين المرأة سياسيا.
في تقديري أن تعزيز مشاركة المرأة اليمنية يلزم أولا النضال بشكل سلمي ومدني وعلمي لإقناع جهات متعددة الرؤى تستند إلى عقليات معرفية مختلفة الأيديولوجيات، وبدون ذلك ستظل مشاركة المرأة تشكل مجرد شعار فضفاض يتم رفعه عند الحاجة السياسية الآنية.
الدولة تأتي في مقدمة تلك الجهات التي يمكن أن تقف بشكل غير مباشر ضد تمكين المرأة، فالدولة -كعقلية معرفية براجماتية- قد تأخذ بيسراها القانونية ما أعطته للمرأة بيمناها الدستورية، فهي مثلا تفصل مواد في قانون الأحوال الشخصية تجعل من المرأة غير عاقلة وغير كاملة الأهلية، وهو ما يتصادم مع قوانين أخرى تمنحها الأهلية في العمل السياسي. وهذا يقودنا إلى تركيبة الدستور اليمني نفسه الذي فيه مواد متناقضة المفاهيم أو غامضة الدلالات فيما يخص المواطنة المتساوية للمرأة، بالإضافة إلى أن بعض القوانين اليمنية فيما يخص المرأة بعضها تشكلت لإرضاء رغبات ذكورية فقهية أو قبلية.
الإنصاف يستدعي القول إن المرأة اليمنية حصلت من قبل الدولة على العديد من القوانين اليمنية لصالح عملها العام، وعليها تمكنت من العمل في أكثر من مرفق حكومي وأهلي وتبوأت مناصب رسمية وغير رسمية، لكن الأمر لم يخرج من دائرة الإشراك إلى فعل المشاركة، وكان حضورها أشبه بعملية تسجيل حضور وانصراف دوام، حفاظا على لقمة العيش أو توثيقا للدور الصوري لوجودها، ولزم الأمر فيما يخص التمكين السياسي بالذات أن تتحول الدولة من عامل محايد إلى عامل مساهم في تحقيق المواطنة المتساوية، وهو ما يحمل الدولة مسؤولية مراجعة المواد الدستورية والقانونية التي تتضمن -صراحة أو تلميحا- تمييزا ضد المرأة. الدستور في أي بلد لا يجوز أن يكون فيه مادة دستورية فيها دلالة تفسيرية تفيد مجرد التلميح لأفضلية جنس على آخر؛ ولذا فإن استحداث مادة دستورية تنص على أن “المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الجنس أو الأصل الاجتماعي أو العقدي… الخ” أصبح واجبا يحتمه واقع النظام الديمقراطي الذي تنتهجه الدولة.
الدولة يمكن أن تساهم بقوة -وهذا واجبها- في تحييد التعليم كمنهج دراسي عن أن يصبح مجيّرا لصالح الرجل. فلا بد من مناهج دراسية واضحة المواطنة المتساوية، وليس فيها تحيّز لصالح الرجل ضد المرأة أو العكس.
ثانية تلك الجهات التي يمكن أن تشكل عائقا متينا أمام تمكين المرأة السياسي، بعض “النخب المتدينة” والتي تشكل واقعا حيا، رضي البعض أم أبى. والنخب المتدينة لا تخرج عن ثلاث فئات: الأولى لا تؤمن بمواطنة المرأة من أساسها، وهي هنا لا تهمنا في التمكين السياسي. والثانية تعطي المرأة مواطنة منقوصة، بمعنى أنها تستثني المرأة من كثير من الحقوق السياسية الهامة، وهذه الفئة لا بد من التحاور معها بشكل علمي وسندي. والثالثة مساندة تماما لتمكين المرأة سياسيا، وهذه بحاجة فقط للتقرب منها وكسب ثقتها وتفعيل دورها المدني.
المجتمع (المعرفي والقيمي) -رابعة الجهات التي قد تقف عائقا أمام التمكين- مشكلته أنه في النهاية جزء هام من تركيبة المجتمع اليمني والعربي القائم على ثلاثية الاستبداد والتسلط والتمييز، وهذه الثلاثية جعلت المجتمع يصنع للمرأة مفهوما خاصا للتكريم يتلخص في أن عزها متمثل في وأد عقلها الطموح. وهذه العقلية المجتمعية لا بد من العمل المتواصل لتوعيتها بشكل يتلاءم ونمطها العام التربوي (النمط الأبوي).
لا بد من الإشارة أيضا إلى “العقلية الجمعية للنساء اليمنيات”، التي تؤمن في النهاية كنتيجة لكل ما سبق أن مهمتها لا تتجاوز البيت الأسري، كما النساء الحزبيات وفشلهن في تمكنهن الحزبي بشكل فاعل يعمق في الوعي الجمعي النسوي تلك الفرضية الاجتماعية المقدسة. ولهذا لا بد من النضال لتوعية المرأة الحزبية على كيفية القيادة وممارسة السياسة والتصويت الحر والواعي، ولا بد من أن تكون النساء المدنيات على وعي متمكن بالنوع الاجتماعي وأن يشكلن قدوة حقيقية في الميدان يشار إليهن كأمثلة حية لإمكانية نجاح المرأة في السياسة.
الأحزاب السياسية الراهنة، الحاكمة والمعارضة، تشكل معيقا خامس، عائق “قدوة” في تمكين المرأة السياسي؛ لسبب أن المرأة العضوة لم تبارح مكانها كرقم احتياطي للتصويت وترجيح كفة الأحزاب في العملية الانتخابية. وأول خطوة حقيقية لإثبات جدية الأحزاب في تمكين المرأة سياسيا هو التخلي عن مسرحية “القطاعات النسائية”، التي أضحت مجرد ديكور للتباهي، وهو في حقيقته فصل قسري لفاعلية المرأة في مشاركتها الحزبية فكيف بالسياسية العامة. على النساء الحزبيات أن يرفضن أن يظللن مجرد باصات يذهبن إلى الانتخابات لترجيح كفة الرجال المتنافسين حزبيا.
يلزم التنويه بالدراستين اللتين قدمتا في ندوة “تمكين مشاركة المرأة في الانتخابات” بصنعاء، من مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان الذي يرأسه العزيز عزالدين سعيد، فقد كانتا هامتين وجديرتين بأن تطبعا في كتاب وأن تنشرا في بعض الصحف، لكي تنالا حقهما من الإثراء والمناقشة، ولكي يستفيد الجميع (معرفيا على الأقل) من الجهد النظري والميداني المليء بالأرقام والتحليل؛ ففي الدراستين أرقام ونتائج وتوصيات قابلة لخلق جدل إيجابي في الوعي اليمني المعرفي يساعد بشكل أو بآخر على التمكين المعرفي لمشاركة المرأة سياسيا. والشكر موصول لانتصار الصلوي وياسر الصلوي في الدراسة الهامة عن “المعوقات الاجتماعية لمشاركة المرأة في الانتخابات” وإلى إيمان العزعزي في دراستها الهامة عن “المعيقات القانونية لمشاركة المرأة في الانتخابات”.
[email protected]