الانتخابات الكويتية وأسباب حل مجلس الأمة – عبد الحكيم هلال

الانتخابات الكويتية وأسباب حل مجلس الأمة – عبد الحكيم هلال

 تدخل دولة الكويت مرحلة جديدة بعد ان أعلن أميرها حل مجلس الأمة الكويتي مؤخرا، ودعوته إلى انتخابات مبكرة بموجب الصلاحيات الممنوحة له دستوريا.
وتختلف هذه المرحلة عن سابقاتها، رغم تكرار ” حل المجلس أكثر من ثلاث مرات”، لأنها تأتي بعد أن وافق مجلس الأمة بالأغلبية، على دخول المرأة الكويتية في العمل السياسي، بحيث أصبح من حقها الترشيح والترشح لمجلس الأمة بعد أن كان الدستور يمنعها من هذا الحق طوال الفترة الماضية.
وبحسب آخر إحصائية بعد إغلاق باب الترشح فإن 32 امرأة تقدمت لترشيح نفسها من إجمالي 402 تقدموا للانتخابات.

مع “حل المجلس” دولة ديمقراطية:
عدا المادة (102) من الدستور الكويتي، يعتبر مجلس الأمة الكويتي، تقريبا من أقوى البرلمانات العربية، إذا ما تتبعنا مساراته ومواقفه الشجاعة التي يواجه بها السلطة التنفيذية، وذلك منذ البدايات الأولى له، كما سنعرف.
تلك المادة تجيز لأمير البلاد حله في حالة عدم تعاونه مع الحكومة، ولا يرى الكثير من الكويتيين في هذه المادة مشكلة من حيث أن حق الحل هو سمة أساسية من سمات الأنظمة البرلمانية، ويقابل هذا الحق المخول أساسا للسلطة التنفيذية حق البرلمان في سحب الثقة من الحكومة.
مؤخرا وبالتحديد بتاريخ 21 مايو /أيار 2006، حل أمير الكويت صباح الأحمد، البرلمان ودعا الى انتخابات مبكرة في 29 من يونيو الحالي، وبتتبع حالات الحل لمجلس الأمة الكويتي منذ نشأته في 1963م، سنجد أن هذه الحالة ” الأخيرة ” تعتبر هي الثانية من حيث دستوريتها، أما بشكل عام فتعد هي المرة الرابعة التي يتعرض فيه المجلس للحل من قبل أمير البلاد الذي يمنحه الدستور هذه الصلاحية.

صلاحيات “الحلـ” الدستورية
اشرنا فيما سبق الى أن مجلس الأمة الكويتي تعرض لأربع حالا ت حل، فيما اعتبرت منها حالتان فقط دستوريتين..
 فبحسب المادة (102) من الدستور والتي تنص على أن “لمجلس الأمة في حال عدم تمكنه من التعاون مع رئيس مجلس الوزراء أن يرفع الأمر إلى الأمير الذي له أن يعفي مجلس الوزراء أو يحل المجلس، فإذا ما حل المجلس وصوت المجلس الجديد بالأغلبية على عدم التعاون مع نفس رئيس مجلس الوزراء، اعتبر معزولا وتشكل وزارة جديدة”؛ فإن هذه المادة قد منحت الأمير صلاحيات حل المجلس. إلا أن المادة (107) تلزم الأمير الدعوة إلى إجراء انتخابات مجلس جديد في ميعاد لا يتجاوز شهرين. وبالتالي فإنه وفي حالة عدم الدعوة الى اجراء انتخابات مبكرة فإن ” الحل ” يعتبر قرارا أميريا مالم يصدر بمرسوم أميري يشرح اسباب الحل ويدعو الى انتخابات مبكرة، وما عدا ذلك فيعتبر حلا غير دستوري.

حالات وملابسات “الحلـ”
بالعودة الى تفاصيل الحالات الأربع المشار اليها يمكننا القول أنها جميعا جاءت وفق ما ذهبنا إليه من مصادمة المجلس مع الحكومة.
– الحالة الأولى عام 1976م: افتتح مجلس الأمة أعماله في نوفمبر1975م، وبعد تسعة أشهر فقط أي بتاريخ 29 أغسطس 1976م أصدر أمير البلاد الشيخ صباح السالم الصباح، أمرا أميريا بحل المجلس، وذلك عقب استقالة الحكومة بسبب خلاف نشب بينها وبين مجلس الأمة، إثر تبادل الاتهامات بتعطيل مشروعات القوانين. ولأن الأمير لم يدع الى انتخابات مبكرة، فقد امتد حل المجلس لمدة تقترب من أربع سنوات ونصف.
– الحالة الثانية 1986م: انتخب المجلس عام 1985م، وأصدر أمير البلاد في 3 يوليو 1986، أمراً أميريا بحله، وكان الحل أيضا بسبب المواجهات التي حدثت بين المجلس والحكومة نتيجة للأزمات التي تعرضت لها البلاد حينها، كأزمة المناخ التي أثرت على الاقتصاد الكويتي، و قيام مجلس الأمة بتشكيل لجنة تحقيق في الأمر. الى جانب توالي الاستجوابات للوزراء من قبل المجلس والتي دعت بعضهم للاستقالة، كما قيل ان تلك الخلافات كانت بسبب تأخر المجلس في الرد على برنامج عمل الحكومة، ووجود توترات رفضت الحكومة خلالها أكثر من مشروع قانون اقترحه النواب مثل: مشروع قانون الضمان الاجتماعي لأعضاء المجلس، ومشروع قانون يتعلق بشروط تقاعد موظفي الدولة.
 واستمرت فترة الحل هذه المرة مدة أطول من سابقتها (حوالي ست سنوات وثلاثة أشهر).
– الحالة الثالثة 1999م: وهو ما يمكن تسميته بالحل الدستوري الأول، ففي 4 مايو 1999م اصدر الأمير مرسوما أميريا بحل المجلس الذي انتخب في أكتوبر 1996 م. وكان الحل بمبررات التعسف في استعمال الأدوات الدستورية من قبل أعضاء المجلس، ودعا الى انتخابات مبكرة أجريت يوم 17 يوليو 1999م.
– الحالة الرابعة 2006م: وهي الحالة الدستورية الثانية، حيث أصدر أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الصباح مرسوما أميريا بتاريخ 21 مايو /أيار 2006 قضى بحل البرلمان، على خلفية الأزمة السياسية التي شهدتها البلاد بسبب قانون تعديل الدوائر الانتخابية، بين الحكومة والمجلس، ودعا الأمير إلى انتخابات مبكرة حددت في 29 يونيو القادم. وكان مجلس الأمة الأخير أنتخب في 2003م.

1990م والمجلس الانتقالي
اشرنا الى أن حالة الحل الثانية (1986) استمرت حوالي ست سنوات وثلاثة أشهر، اذ انه وبعد أربع سنوات من ذلك تقريبا، وفيما كانت الحالة النيابية تمر بفراغ كبير، طرحت الحكومة عام 1990 صيغة انتقالية كبديل لإحياء الحياة النيابية تمثلت بمقترح لتأسيس مجلس وطني مؤقت تكون مدته أربع سنوات ويتم تعيين ثلث أعضائه، بينما لا تتعدى صلاحياته غير الملزمة الطابع الاستشاري، ويدخل ضمن أعماله دراسة سلبيات التجربة البرلمانية وتقديم المقترحات بشأنها.
 وتمت انتخابات المجلس الوطني الانتقالي في 10 يونيو 1990م لقوام خمسين عضواً، في انتخابات لم تعترف بها المعارضة التي دعت الى مقاطعتها بهدف إظهار عدم دستوريتها. و افتتح المجلس أعماله في 9 يوليو 1990م. إلا أن فترة الأربع السنوات التي تم على أساسها انتخاب المجلس الانتقالي لم تتعد ال(23) يوما. ففي 2 أغسطس عام 1990م غزا العراق الكويت، ليقضي على تجربة كانت بدأت بإدخال الديمقراطية الكويتية في أزمة، كان البعض يعتقد انها ستطول.

1992م عودة الديمقراطية
 بعد الأزمتين (النيابية و الغزو) قرر الكويتيون عودة الديمقراطية و أجروا انتخاباتهم النيابية في 5 أكتوبر عام 1992. وكانت هذه الانتخابات دون غيرها ذات نكهة خاصة وأهمية كبيرة من حيث إعادة الحياة البرلمانية بعد توقف دام ست سنوات وأشهر وجاءت بعد الغزو العراقي. كل ذلك جعل الكويتيين يقبلون بالانتخابات رغم الانتقادات التي رافقت القانون الانتخابي لأنه قلص من حجم هيئة الناخبين إلى نحو 13% من إجمالي السكان، واحرم قطاعات مهمة من الشعب الكويتي من ممارسة حقوقها السياسية، إضافة إلى أن التعددية الصريحة كانت غائبة. ومع ذلك فقد حصدت المعارضة ثلثي المقاعد. لكنها وبعد مرور الفترة القانونية للمجلس خسرت أنصارها في انتخابات 1996م ليفوز أنصار الحكومة بالأكثرية.
بعدها حل الأمير البرلمان بشكل دستوري في مايو 1999م، وهي المرة الثالثة، والأولى دستوريا كما اشرنا سابقا، حيث اجريت الانتخابات بعد الحل في 17 يوليو/ 1999م، ليستمر طوال فترته الدستورية حتى عام 2003، ثم أجريت آخر انتخابات حتى الآن في 5 يوليو 2003م، وقد اعتبرت من أهم الانتخابات لدى الكويتيين بعد ما حدث للعراق، وعودة الاستقرار للبلد، ولأن المجلس هذه المرة سيتعامل مع أهم القضايا حساسية وهي الفصل بين ولاية العهد، ورئاسة الحكومة، كما كان يعتقد الكويتيون بذلك، وهما المنصبان اللذان لم ينفصلا منذ العام 1963.

2006
بحسب الأخبار الواردة فإن سبب حل أمير دولة الكويت الجديد صباح الأحمد، للمجلس، هو أزمة تقليص عدد الدوائر الانتخابية، فقد قررت الحكومة رفع قانون تعديل الدوائر الانتخابية الى المحكمة الدستورية، وهو التعديل الذي دعت فيه الى تقليص عدد الدوائر الانتخابية من (25) دائرة الى (10) دوائر فقط، لتنشب أزمة مع المعارضة إثر ذلك، وصلت حد انسحاب (20) نائبا من إحدى جلسات المجلس المشتركة مع الحكومة، منتصف الشهر الفائت. وطالب النواب المنسحبون بإسقاط الحكومة، وهو الحق الذي يمنحه الدستور لمجلس الأمة. إلا أن الأحداث أخذت تنحو منحى أكبر، حين قرر مجموعة من النواب تشكيل كتلة جديدة اسموها “كتلة التغيير” تقدمت بطلب استجواب لرئيس الوزراء، في أول سابقة من نوعها في تاريخ البلاد، حيث لم يتم استجواب رئيس وزراء منذ عام 1963م، الأمر الذي توجهت عنده الحكومة الى أمير البلاد طالبة منه حل مجلس الأمة، وقال الأمير في مرسوم حل المجلس إنه اتخذ قرارا صعبا كان عليه اتخاذه بعد ان حاول تجنبه، إلا أنه انتهى الى أن واجبه يحتم عليه حل البرلمان للحفاظ على أمن الكويت. معتبرا ما حدث في مجلس الأمة خروجاً عن الأولويات وتهيديداً لأمن واستقرار البلاد.
وفي الحقيقة أن تكتلا من الإسلاميين واللبراليين والإصلاحيين والمستقلين في مجلس الأمة يطالبون بتقليص عدد الدوائر الانتخابية من (25) دائرة الى (5) دوائر فقط، كإجراء مهم سيقلل من إمكانيات شراء الأصوات والتزوير في الانتخابات، إلا أن الحكومة التي رفعت تعديلاتها، قلصت العدد الى عشر دوائر فقط، لتصل الأزمة الى ما وصلت إليه بحل المجلس أخيرا، وحدد الأمير في المرسوم على أي نظام يجب ان يخوض النواب المنافسة، حيث قرر أن تتم الانتخابات المبكرة بموجب القانون رقم 99 لعام 1980 بإعادة تحديد الدوائر الانتخابية لعضوية مجلس الأمة المعدل عام 1996، أي من دون اعتماد مشروع القانون الانتخابي الجديد الذي طرحته الحكومة أمام البرلمان وتسبب في الأزمة السياسية.