نشأة وتطور الصحافة في اليمن (1-2) – عبد الباري طاهر

نشأة وتطور الصحافة في اليمن (1-2) – عبد الباري طاهر

 لم يعد صعباً التاريخ لنشأة وتطور الصحافة في اليمن فقد تصدى باحثون وأكاديميون وكتاب عديدون لهذه المهمة.
لكن يبقى العسير قراءة الخيط أو الخيوط الدقيقة التي ربطت وتربط بين النشأة الباكرة في صنعاء. وتحديداً مجلة الحكمة اليمانية 1938- 1941،  وبداية الصحافة العدنية الركيزة الأساس للتاريخ للصحافة وللحياة الثقافية والادبية والسياسية بصورة عامة. ثم أيضاً صحافة المهجر «السلام» في كارديف ببريطانيا وصحافة الأحرار في مصر وصحافة المهاجر الحضرمية.
الشتات والتمزق في نشأة الصحافة اليمنية مرده أو هو راجع التي تمزق الكيان اليمني بالأساس والدور الكبير الذي لعبته الصحافة العدنية والمهاجر الحضرمية في آسيا وشرق أفريقيا.
درس الفقيد الكبير عمر عبدالله الجاوي نشأة الصحافة النقابية في عدن 1957- 1967م وربط عميقاً بين اتجاهات وصراعات هذه الصحافة وبين الاتجاهات السياسية والفكرية والمطلبية في الحركة العمالية النقابية وتطور الحركة السياسية باتجاهاتها المختلفة.
ترتبط نشأة الصحافة بالمطبعة وهو أمر بديهي فقد عرفت صنعاء عاصمة المتوكلية اليمنية المطبعة أو ورثتها من الوجود التركي مطبعة الولاية وهي المطبعة التي كانت الادارة التركية تطبع بها «صحيفة صنعاء 1298ه/1878م».
وقد عمل الاتراك في المتوكلية «على تطوير نشرتهم  فأصدروها سنة 1298ه على شكل صحيفة أسبوعية باللغتين العربية والتركية بطول 50 سنتميتر وعرض 32 وكان عدد أعمدتها خمسة وعدد صفحاتها أربع. «صفحتان» منها باللغة العربية وورائها صفحتان باللغة التركية ومكتوبة بالحروف العربية.(1)
كان ظهور صنعاء في نهاية القرن الثالث عشر الهجري 1298ه/ 1878م تعبيراً عن روح العصر الذي شهدته تركيا الخلافة الإسلامية وحاجة إدارتها في صنعاء ومهما تكن البداية متواضعة فلابد من الإشارة إليها.
لاشك أن مجلة الحكمة اليمانية قد مثلت قفزة نوعية في الحياة الفكرية والادبية والسياسية فالحديث عن ولادة التجديد الفكري والادبي والسياسي وبداية الصحافة يبدأ من هذه المجلة الرائدة التي يؤرخ بها بحق لميلاد فكر جديد مختلف نوعياً عن الفكر السائد في المتوكلية اليمنية.
في بلد مقسوم إلى شطرين الشمال المتوكلية اليمنية، والجنوب تحت الحماية البريطانية وقسم كبير من سكانه موزع على المهاجر في آسيا وشرق افريقيا وبعض بلدان أوروبا، بلد بمثل هذا التمزق والشتات لا يُستغرب أن تنشأ أدوات التعبير عنه والاحتجاج عاكسة الحالة الواقعية المعايشة. ففي صنعاء يبدأ التاريخ للصحافة «بصنعاء» وقبلها «يمن» كما يشير الدكتور محمد عبدالملك المتوكل في كتابه «الصحافة اليمنية النشأة والتطور» وهي النشرة التي أصدرها الوالي التركي مختار باشا عند دخوله صنعاء سنة 1872. (2).
أما في الجنوب فيؤرخ للبداية بصدور فتاة الجزيرة 1940- 1956 وهي الصحيفة التي أصدرها المحامي محمد علي لقمان. وهي أول صحيفة أسبوعية في اليمن. وفتاة الجزيرة هي الصحيفة بغض النظر عن صلتها بمكتب النشر البريطاني كما يشير مؤرخ الصحافة النقابية في عدن عمر عبدالله الجاوي في بحث له بعنوان «نشوء الصحافة.. وانفصام الثقافة» (مجلة الثقافة الجديدة) فإن الأمر الأهم أن هذه الصحيفة المنحازة «لعدن للعدنيين» كناطقة باسم الجمعية العدنية قد لعبت دوراً تأسيسياً للصحافة العدنية بخاصة وكانت المدرسة الاولى للصحافة اليمنية فقد كتبت الاقلام الأولى للأحرار اليمنية في هذه الصحيفة. مطيع دماج والزبيري والنعمان وعقيل عثمان، وفتحت صفحاتها لنقد الحكم المتوكلي وكان نفسها الليبرالي عالياً. وتبنت الموقف البريطاني إبان الحرب العالمية الثانية.
ولنا أن ندرك أهمية صحيفة أول حزب سياس عدني أنها الصحيفة الاولى التي تبنت ودافعت عن حركة الاحرار ووجهت انتقادات قاسية للإمامة المتوكلية كما تبنت مطالب وشكاوى ابناء الشمال الفارين من جحيم المتوكلية اليمنية. ويكفي أن نعرف أن «صوت اليمن» 23 اكتوبر 1946. قد ولدت أعدادها الاولى في مطبعة «الفتاة» وكان المحامي محمد علي ابراهيم لقمان -الاديب والكاتب- ممن دافع وحمى الاحرار وكتب كتيباً عن 48 بعد الانتكاسة.
إن الترافد في الصحافة العدنية واليمنية بعامة لا ينبغي أن يُقرأ إلا بتتبع هذا الترابط العميق بين مختلف مفرداتها وصلاتها العميقة رغم التشطير والاختلاف السياسي والانفصام الثقافي حسب المفكر الراحل الجاوي. ففتاة الجزيرة رئة «الجمعية العدنية» ركيزة اساسية لقد لعبت  دوراً توحيداً في الثقافة والوعي والادب والوجدان اكثر من كل الصحف الإمامية الميتة ولكنها على صعيد السياسة كانت مغلقة على عدن. وتعتبر كلما هو خارج دار سعد أجنبياً أما اليمني فيخاف منه كالموت أحد اعمدتها عبدالرحمن جرجرة «ثلاثة أخاف منهم كالموت السباحة في الشواطئ الملأنة بكل آفة، ومبرد طبيب الاسنان، وتقاطر المرض عن طريق باب السلب». الذي يمر منه الآتون من الشمال وكان همها الرئيس استقلال عدن ليس عن اليمن وإنما عن لحج وبقية المحميات. والحقيقة أن المطالبة بالوظائف الكبيرة لأبناء عدن كان في جانب منه عادلاً لأنها محصورة على الضباط الانجليز وأبناء الكمنولث، كما أن الشعار نفسه «عدن للعدنيين» يمكن أيضاً أن يقرأ في جانب معين بهذا البعد. وقد لعبت فتاة الجزيرة أدواراً غاية في الأهمية والحداثة والتنوير والتأسيس للجديد أدباً وفكراً وثقافة.
رغم اعتبار عدن بأحيائها الأربعة أمة واحدة (فتاة الجزيرة- عنوان رئيس في النشأة والتطور الصحفي في اليمن فبعدها بست سنوات ظهرت صوت اليمن 46-48 الناطقة بلسان «الجمعية اليمنية الكبرى)، امتداد الاحرار اليمنيين ثم المستقبل 49-1950 وهي مجلة أدبية مهمة تشبه مجلة الحكمة اليوم حسب عبدالرحمن خبارة ويضيف مورداً ما كتبه فقيد الحركة الوطنية التقدمية اليمنية أحمد سعيد باخبيرة «مجلة المستقبل كانت لنفر من الشباب الجديد المتأثر بالاتجاهات الثقافية والادبية في البلاد العربية وأوروبا وكانت المستقبل بحق مجلة جديدة في كثير من النواحي على الواقع الاجتماعي المعاش في ذلك الوقت. فقد رفعت المجلة على مدى عامين من صدورها راية التمرد على القيم والتقاليد البالية وعلى الافكار الرجعية بوجه عام وأعطت اهتماماً بارزاً لكل ماهو جديد في عالم الأدب والثقافة (3). واستطاع سكرتير تحريرها الشاب والناقد والمفكر عبدالرزاق عبدالله باذيب مقارعة القديم المتخلف في الحياة الادبية والفكرية والسياسية ووجه سهام نقده ضد الاستعمار البريطاني وزبانيته كما كان الاستاذ المفكر والاكاديمي عبدالله فاضل فارع أحد أهم كتاب المستقبل واسهم الشاعر الكبير لطفي جعفر أمان بدور مهم في الكتابة والنقد الشجاع. رافد الصحافة العدنية هو المجرى الرئيس والأساس وهناك عشرات العناوين التي تمثل مختلف الوان الطيف السياسي والفكري والمجتمعي في مدينة عدن العاصمة الثقافية والاقتصادية والابداعية والسياسية لليمن كلها.
أما الرافد الثاني فله مصبان: رافد صحافة المهاجر الحضرمية: بصورتيها: المسحوبة بالرونيو والخطية، والمصب الثاني صحافة الأحرار «السلام» في كارديف والتي أصدرها المفكر الإسلامي الكبير عبدالله علي الحكيمي 1948- 1952، وكانت «السلام» أهم رافد مهجري لقضية الأحرار بعد نكسة 1948، وربما تميزت «السلام» بتبني قضايا مهمة كقضايا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والدفاع عن قضية فلسطين.. ومتابعة الأحوال في بلاده اليمن بشطريها وإثارة القضية اليمنية في المحافل الدولية. وتزامن صدور «السلام» في كاريف مع صدور «الفضول» في عدن 1948. وهو ما يؤكد ليس الترافد فحسب وإنما عافية وحيوية الإنسان اليمني الذي سرعان ما يتعافى وينهض من الكبوة. وهو ما يشير إليه المؤرخ الخزرجي «لليمنيين وثبات كوثبات السباع»، والأهم أن الوثبة الجديدة نضال بالكلمة والرأي.
وفي الشمال فإن الحكمة اليمانية لم تمت حتى اليوم وغداً؛ فرغم توقفها في منتصف الحرب الكونية الثانية فقد امتدت تجربتها وأثرها في البريد الادبي وفي صوت اليمن والإيمان وغيرها.
وقد اعتبرت الإيمان 1345ه- 1926، وهي الصحيفة الرسمية الناطقة بلسان الإمام ونشر أخبار الحكم ومواقف الدولة وعلاقتها بالدول الأخرى والدفاع عما ينشر في الخارج ضدها كقراءة الدكتور محمد عبدالملك المتوكل بالرجوع إلى عبدالكريم الامير أحد أهم المحررين فيها إضافة إلى القاض عبدالكريم مطهر الذي كان المحرر الاول فيها(4).
ينتقد الدكتور محمد عبدالملك المتوكل تقويم كل من عمر الجاوي وسيد مصطفى سالم ومحمد الزرقة لصحيفة الإيمان. فالإيمان كما يرى الجاوي قد صدرت لأسباب تتعلق بطموح السليماني ولا أرى في هذا ما يعاب على الامام أو الصحيفة. وإن كان للصحافة وظائف متنوعة ومتعددة أكبر وأعمق وأوسع من الدور الذي جسدته الإيمان أو النصر أو سبأ.
لا ينبغي إنكار دور الكلمة المقروءة بخاصة مع الإدراك بأن الظرف يجعلها محدودة الأثر والتأثير في ظل أمية أبجدية تتجاوز ال90٪ في الرجال وال90/99 في النساء كنتائج فوز الحكام العرب الديمقراطية جدا، وإن كان ذلك لاينفي فائدة الصحيفة (الايمان) للحكم. وكونها السجل الوحيد.. والشاهد الوحيد على تلك المرحلة، وأحداث الدولة وقراراتها وسياستها. وإنها بحكم الأقدمية تمثل المقياس لدى تطور الصحافة اليمنية كتقويم الدكتور المتوكل(5).
لقد قرأ الدكتور المتوكل الإيمان وسبأ والنصر بقدر كبير من التعاطف، بينما قرأها الجاوي والزرقة قراءة الموقف السياسي وحسب، وحاول فقيد الصحافة صاحب الموسوعة الصحفية عبدالوهاب المؤيد قراءة هذه الصحافة بالعودة فعلاً إلى قراءتها في الجوانب الفنية والمضمونية ودور الإيمان في الريادة كأول صحيفة كان لها فضل التأسيس والريادة. وأخال أن الإيمان خاصة بحاجة إلى قراءة من مختلف الجوانب بما في ذلك واقع وظروف المتوكلية اليمنية الرافضة للحياة والمعرفة وروح العصر. مع عدم التهوين من شأن الأبعاد الإجتماعية الفكرية والأدبية والسياسية.
قبل أن نمضي في التقويم لهذه الصحيفة أو تلك ومدى خدمتها للتقدم والحرية لابد من الإشارة إلى أهمية مراعاة وظيفة الصحافة كمدافع بالأساس عن الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان، وارتباطها بأحلام وأماني الناس في كل زمان ومكان. فالصحافة أداة التعبير والتفكير في حماية الحريات والدفاع عنها وهي لاتدافع عن نفسها فحسب باعتبار أن الحرية الرئة التي لا تستطيع أن تعيش بدونها، كما أنها أيضاً هي الاداة الاساس للدفاع عن النظام والقانون وحماية الحق والعدل فهي لا تعيش ولا تنمو وتتطور إلا في بيئة متحررة متفتحة ومتسامحة. وفي اعتقادي أن الايمان والنصر وسبأ قد غابت عنها أهم وظائف تنمية وبناء مجتمع مدني في ظل الإمامة المغلق والمتخلف.. ووضعت نفسها بالأساس في مواجهة مع صوت الأحرار، والمعارضة الوطنية ولم تفد الحياة السياسية والفكرية كثيراً. ولا يمكن أن يكون التقويم وإعادة التقويم بمعزل عن متطلبات وأماني وأحلام الناس في المتوكلية اليمنية. وبالنسبة للصحافة العدنية وتحديداً رائدتها بجدارة فتاة الجزيرة فإنها قد لعبت أدواراً مزدوجة ومتناقضة. ولعل بيئة عدن وتطور الحياة المدنية والفكرية والسياسية فيها وانفتاحها على العصر والانفتاح على تيارات العصر قد ساعدها على تبني مطالب ديمقراطية معينة، وعلى الاهتمام بقضايا العصر والحياة رغم تخلف البعد الوطني وفساد رؤاها السياسية. فالصحافة ليست كالقصة أو الرواية أو المسرحية أو القصيدة يمكن أن تقرأ كعمل إبداعي، وكقيمة فنية متعالية. إن الصحيفة أداة كفاحية للدفاع عن الحرية بالاساس ومتى سكتت عن هذا الحق فهي الشيطان نفسه.
وفي التقويم أيضاً لمدى خدمة التطور والدفاع عنه لابد من أن نقرأ التشريعات الصحفية والقيود المفروضة على حرية الرأي والتعبير.. ونعرف مدى تضافر قيود قمع الحريات الواصل حد وأد الحياة ذاتها في المتوكلية اليمنية.
في الحديث عن تطور الصحافة وتحررها لابد أن نقرأ التشريعات ومدى قربها أو بعدها من الإعلان العالمي لحقوق الانسان وتحديداً المادة 19، ومدى امتلاكها الحق في الصدور بمجرد الإبلاغ وليس بالتصريح أو الترخيص، والحق في تعددية وتنوع وسائل الاعلام وارتباطها بالعصر وبالثورة الثالثة، والحق في تدفق المعلومات وغياب الرقابة والقيود من أي نوع وكلها -ولله الحمد، الذي لا يحمد أحد على مكروه سواه- كانت غائبة عن المملكة المتوكلية في حين أنها كانت قاصرة ومنتقصة في الثلاثينات والاربعينات وشطر من الخمسينات في عدن وكان القانون رقم 27 لعام 1939 الصادر في 3 يوليو 1939 «قانون النشر وتسجيل الكتب» قانوناً غير ديمقراطي ويحد من حرية الرأي والتعبير. وقد تجاوزته الصحافة العدنية في مسيرتها ولعل أهم ما فيه أنه لايفرض رقابة من أي نوع على الصحافة.
كما أنه يكتفي في إصدار الصحيفة بإرسال خطاب إلى الجهة المختصة لإبلاغها بإصدار الصحيفة وعنوانها وهيئة تحريرها.
من عام 40 وحتى منتصف 56 صدرت في مدينة عدن أثنتا عشرة صحيفة ومجلة. ومن 57 وحتى العام 66 صدرت 39 صحيفة ومجلة. وهو شاهد التفتح والازدهار والحرية أيضاً. (6).
يرى الجاوي أن الحرية التي وجدت للصحافة بشكل محدود هي تلك التي أعطيت للصحافة الموجهة لمحاربة السلطات من موقع السلطة الشطرية، أي تلك التي حاربت الإمامة من عدن أو الانجليز من تعز وفي حدود مصلحة السلطة حيث تصدر الصحيفة وذلك ما حصل لصحيفة «صوت اليمن» لسان حال الجمعية اليمنية الكبرى التي صدرت في عام 1964 في عدن، وصحيفة الطليعة التي صدرت في تعز عام 1960، وهناك سقط وإلا فالاستاذ عمر يعرف جيداً أن الطليعة قد صدرت عام 59 وتوقفت عام 60 وقد عايش  الاستاذ نفسه هذه الفترة وقد توقفت الطليعة حين تناقضت مع سلطة الامام وتعدت إطار محاربة الاستعمار البريطاني في الجنوب الى محاربة المشاريع الامريكية في الشمال.
وتجربة الطليعة التي أصدرها المفكر الماركسي باذيب ينبغي أن تقرأ في إطار التحولات التي شهدها الوطن العربي بعد حرب السويس.
وبداية التبدلات الدولية بعد ظهور كتلة عدم الانحياز والتوجهات الجديدة في الثورة القومية بزعامة ناصر. وكان باذيب من أكثر مفكرينا إداركاً لدلالات وأبعاد المتغيرات العربية والدولية.