الاعصار الانتخابي – عبد الرب درويش

الاعصار الانتخابي – عبد الرب درويش

منذ وقت مبكر، لاحت بوادر ونذرالتقلبات والتغيرات في الأحوال والأجواء والمزاج العام بشكل ملحوض ومختلف عن تلك التي كانت في الأمس مألوفة ومرغوبة، غير أنها لم تكن مفاجئة أو وليدة اللحظة أو محض صدفه عند العامة أو موجهة كما تحاول النخبة تصويرها وتجييرها، بيد أنها عاتية ومثيرة ومؤثرة ومتغيرة الاتجاه ومتعددة البؤر حتى كادت تصل إلى الأمكنة والحصون والقلاع التي يسود الاعتقاد أنها منيعة ومحصنة وتظهر عليها آثار التعرية والتصدع، وبات أزيزها وصفيرها وصداها مدوَّيا و قاب قوسين من وقع وتأثير حاجز الصوت التي تطلقه المقاتلات بخلق حالة من الهلع والخوف والارباك الشديد والذعر والاستنفار والغضب معاً.
وكان من المسكن التجاوز وعمل الكثير والاجمل «لو» أننا أحسنا التصرف في حينه، وتعاملنا مع الأمور بعقلانية، وتعاطينا مع مؤشرات الرصد والإنذار المبكر بمنطق مقبول، بدلاً من الصلف والغرور والتقاليد الفرعونية والتقليل وكيل التهم جزافاً وتكميم الأفواه، لكن اليوم يبدو الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة، وبات خيار عقد الانتخابات أمر من تأجيلها، بل وأشد وقعاً منه. غير أن هوس التأجيل، خلسه وعلى استحياء، بات الهم والشغل الشاغل والمشترك بين السلطة والمعارضة وما بينهما من المتكسبين والمداحين وتجار الشقاق والحروب، وتكاد تكون ملامح وسيناريو التأجيل واضحة- وعبارة عن بهرجة مملة ومحاولة لتصويره على أنه المخرج الأمثل والمفتاح السحري لفتح أبواب الأمل والرخاء والسلم على مصراعيها التي أوصدت عنوة منذ عقد ونيف. وتناسى اولئك أن العامة تراقب عن كثب ما يدور على خشبة السياسي ومايعتمل خلف الكواليس وخلصوا إلى استنتاج مفاده: أن السلطة ظلت مراوحه بين عقد وتأجيل الانتخابات، بينما كانت المعارضة متأرجحة بين المقاطعة والمشاركة ويريد كل منهما أن يأتي طلب التأجيل من الآخر.. ونسيا الاثنان معاً أن مثل هكذا فعل إنما هي الكارثة بعينها وشينها، ويفتقر إلى المبررات الدستورية والقانونية وقواعد اللعبة الديمقراطية والسياسية المتعارف عليها، بل ويظهر حالة العجز التام وغياب الرؤية السليمة وانعدام الارادة الجادة، والجراءة والشجاعة الكافية القادرة على انقاذ مايمكن انقاذه، بل ويعكس حالة اليأس والقناعة من عدم جدوى العملية برمتها.
وبناءً عليه فإن الهروب والترحيل وغض الطرف والتردد والاستخفاف بعقول البشر، والافراط باستخدام القوة ولجم الأقلام والأفواه وغياب الشفافية، والاستئثار بالسلطة والثروة، والعبث بإرادة وأماني وتطلعات الناس وتجييرها لخدمة ومصالح الحاكم والموالاة والتبابعة، والدوس على القواعد الدستورية والأخلاقية بالإضافة إلى القبول بإجراء انتخابات شكلية والتعامل مع نتائجها وكذلك القبول بلعب أدوار: شاهد الزور والمحلل والوسيط ومصاصي الغضب والوطني وغيره من قبل ما تسمى بالمعارضة.. كانت من أهم الاسباب لما آلت إليه الأوضاع من سوء واضطراب وتعقيد وما نحن عليه ونعاني منه اليوم.
وبالتالي فإن مشروع طلب تأجيل الانتخابات -ان تم- الذي يجري إعداده وإخراجه بتكتم وسرية تامة تحت قبة البرلمان ومن قبل تكتل المشترك والمؤتمر لم يكن مفاجئاً أو غير متوقع، بل كان مكشوفاً ومسبقاً. ومع ذلك لا يمكن له أن يحدث أي تغيير يذكر في  مواقف وقناعات الناس ولا بقادر على إحياء جذور الأمل التي ضمرت، أو إعادة الثقة والاعتبار اللازمين للوحدة والديمقراطية معاً والتي سحقت بأيدي ووسائل النخبة بشقيها.
وما يهمنا اليوم هو التذكير فقط بأن الامر قد استوى، سواء عقدت الانتخابات أم أرجئت، وسواءً كان عند الجنوب الهائج (الثائر) والمعلن عن رفضه لها وأنها لا تعنيه وليست من أولوياته، أو عند الشمال المتململ من جوًّر الاحمال على كاهله ومن هول الحشو للكوابيس الاسطورية في ذهنه واستغلال حاجته، التي باتت تنتابه وتؤرقه وتنتقص من مكانته وقدرته.
 ومع ذلك فإن علامات الاستياء والامتناع والرفض والامتعاض، وتنامي مشاعر خيبة الامل والندم وردود الافعال الغاضبة ملحوظة وجلية هنا وهناك وعلى الوجوه وفي السلوك. وبالتالي فإن هذه العلامات أصدق وأدق تعبير من أي شيء آخر، حتى وإن بدت متفاوتة، لمن يريد الاتعاض والتفاعل والتأمل ويضمر الخير، ويبحث عن حلول منطقية تتناغم مع تطلعات وأحلام وحاجة الناس، بدلاً من السعي والبحث عن أشياء وهمية ومكررة في القوائم بينما الانفاس قد طمرت وغمرت تحت أنقاض وركام ومخلفات الحروب المتوالية وسياسة الالغاء والإرهاب والإفساد والتجويع والاقصاء والتمييز والسلب والنهب التي تجيدها السلطة، وسياسة الترحيل وخلط الاوراق والتعتيم والمساومة والتمييع والتعميم ولبس الاقنعة التي تتقنها المعارضة منذ حرب صيف 94 المشؤومة وحتى اللحظة.
وبالمحصلة النهائية، فإن الاعتقاد السائد اليوم والذي يبدو أنه في حكم المؤكد لدى الشارع جنوبه وشماله: من أن طبول ومزامير الديمقراطية الاسطورية التي تعزفها السلطة والمعارضة معاً وفي آن واحد وعلى مدى عقدين من الزمن أشبه ماتكون بمعزوفة «القطرنة وطاهش الحوبان»، ومن أن الحال هو الحال والسوء مستمر، ومن أن الهدف منها- التكسب واللهو والترويح عن النفس والعبث مجدداً بمشاعر وعقول البشر والاستخفاف بها واستنشاق ما تبقى من الهواء الطلق واللازم لدوريتهما وإهدار المال العام وخلق المزيد من المتاعب، وفي نهاية المطاف اقتناص إرادة الناس لإضفاء الشرعية عليها والادعاء بها، ومن ان ايضاً الوحدة قد طُعنت في خاصرتها، وهامش الديمقراطية يلفظ أنفاسه الأخيرة، وان الآمال والتطلعات الجميلة التي عقدت عليهما قد بددت وصارت هباءً منثوراً وفي حكم الرميم.