المقطع السابع من : «أصل الحكاية.. كما يرويها عبدالمرتجي البواب» د. ياسين سعيد نعمان

المقطع السابع من : «أصل الحكاية.. كما يرويها عبدالمرتجي البواب» د. ياسين سعيد نعمان

وكانت كلما أوغلت الحياة في مساراتها الجديدة يجد عبدالمرتجي نفسه مضطراً لتعديل موقفه القديم تجاه ثنائية: الحرية والخبز، وهو يحاور أباه قبل وفاته.
لم يعد متحمساً لما كان يعتقد به, وهو أن مبادلة الحرية بالخبز عمل كفاحي عظيم. وهو وإن كان قد أضمر شيئاً من التحفظ تجاه والده يومذاك عندما علَّق على حديثه بشيء من التهكُّم وهما يتحاوران حول أولوية: الحرية أم الخبز? فها هو اليوم يعيد صياغة موقفه في ضوء ما كان أبوه قد نبَّه إليه.
ولم يعد متحمساً لمسلك الحاكم الذي يساوم شعبه برغيف الخبز مقابل الحرية. لكنه في نفس الوقت يرى أن الحرية التي تضل طريقها إلى رغيف الخبز، ولا تقترن بتحريره من قبضة القلَّة وحسابات الربح والخسارة، تفضي إلى مأزق تصبح فيه الحرية ورغيف الخبز معاً موضع مساومة من قبل هذه القلة مع القوى التي بيدها تقرير مستقبل الاثنين معاً.
ويسأل عبدالمرتجي صاحبه:
– ألا ترى أن حرية التجارة عند هذه القوى أكثر أهمية من الحرية السياسية؟!
ثم يجيب: إن حرية التجارة هي الإختراع الخرافي البديل الذي يلوِّحون به في وجه شعوبنا، مع أنهم يدركون تماماً أن حرية التجارة مع فساد الإستبداد ليست سوى «بالوعة» لتبديد موارد الشعوب وثرواتها.
عند هذه النقطة يطوِّح عبدالمرتجي بيده في الفراغ اللامتناهي، كتعبير عما اعتمل في نفسه من يأس بشأن إصلاح الأوضاع المنذرة بتدهور لن يقف عند حدود تسمح بمواصلة المشوار من نفس النقطة التي تعذِّر عندها الإصلاح.. ستختفي هذه النقطة، سيمحوها التدهور المريع. أما أين سيستقر الحال، فذلك ما يرى عبدالمرتجي أنه مصدر اليأس الذي أصابه من زمن بعيد.
حاول صاحبه السياسي أن يعيده إلى جو ومحتوى الحوار الذي بدأه فقال:
– القوي يفرض مفاهيم الحرية ويعيد صياغة معايير الأخلاق. الحقيقة الوحيدة المعترف بها في كل الأزمان هي القوة. ماذا تعني الحرية غير أن تكون قوياً بما فيه الكفاية لتقول: «لا»، عندما يتوجب عليك أن تقولها؟ والقوة التي أعنيها ليست قوة الجسد، وإلا كان عبيد الدولة الرومانية القديمة على قمة الهرم الاجتماعي في زمانهم.
لابد أن يكون للقوة مخالب الاسد وسرعته ومناورته. فالأسد بدون هذه الأدوات لا يصلح أن يكون سوى حيوان جر. نحن بالنسبة للآخرين أشبه بحيوانات جر، بعد أن انتزع منا حكامنا أدوات القوة المفيدة لنا واكتفوا بان أبقوا فينا مقدار القوة اللازم لخدمتهم، وراحوا من ثم يمْلون علينا مفاهيم مختلفة للحرية تنسجم مع حاجتهم لحيوانات جر لا تستطيع ان تقول: «لا» عند الضرورة.
هل نستطيع أن نكون أحراراً إزاء الآخرين، والحرية الحقيقية في أعماقنا منزوعة من الجذور؟! نحن أشبه بذلك الطائر الذي حبسه صاحبه في قفص فترة طويلة، فنسي ذات يوم أن يغلق عليه باب القفص، وعندما عاد إليه بعد حين وجده في مكانه لم يتحرك، ويحاول أن يغلق باب القفص بمنقاره؛ كان قد نسي حريته وتعوَّد على الحياة في القفص، وربما ظن أنه لو خرج من القفص لهلك جوعاً أو أن مكروهاً ما يتربص به خارج القفص.
هكذا أوحى إلينا حكامنا أننا لو خرجنا من الاقفاص التي وضعونا فيها لهلكنا جوعاً. هكذا تُفْهم معادلة الحرية والخبز في صورة هذه الطائر المسكين.
لكن عبدالمرتجي، الذي لم يخالف صاحبه فيما ذهب إليه، علَّق بمزيد من التفصيل عن علاقة الحرية بالقوة قائلاً:
– ترتب الحياة، بنظامها الحالي والقديم معاً، مفهوماً للحرية مشتقاً من الفكرة التي تقول إن الحرية هي أداة تسوية لحاجة الإنسان, يستخدمها الأقوياء والضعفاء على السواء. يتنازل عنها الضعفاء مقابل تسوية حاجتهم عند الأقوياء، في عملية تبادلية لا تقف عند حدود معينة. غير أن هذه العملية لا تتم في خط واحد مستقيم من الأدنى إلى الأعلى، لأن الحياة في واقع الأمر قد جعلت القوي في مكان ما ضعيفاً في مكان آخر، والضعيف في موقع ما قوياً في موقع آخر. أما السجون فقد اختُرعت لمواجهة الحالات التي تتم فيها التسوية خارج نسق هذه العملية، وبأدوات مختلفة.
فالسياسي الذي يرفض تسوية حاجته عند الحاكم بالتنازل عن حريته، يكون مصيره السجن، أي تقييد الحرية. وفي البلدان التي لا تعاقب مثل هذا السياسي بالسجن، لأسباب تتعلق بمعاييرها الديمقراطية، فإنها لا تفقد الحيلة في مقايضة العقوبة بقدر من الحرية.
.. والأشد إيلاماً في وضعنا نحن العرب هو أن مساحة الحرية التي استُخدمت لتسوية الحاجة مع الخارج كانت كبيرة لدرجة أضحت معها المساحة المتبقية عنواناً للهزال المعنوي الذي ضرب مجتمعاتنا في العمق، فترى المجتمع منا يتخبط داخل قيد كبير بحلقتين محكمتي الإغلاق، إحداهما بيد الخارج والثانية بيد النظام السياسي الحاكم. وداخل هذا القيد يصبح الحديث عن الحرية شيئاً مبتذلاً، بلا معنى.
أما لماذا يستأثر الخارج بهذا القدر من المساحة، فذلك إنما لأن الضعف العام الذي تولِّده مصادرة الحريات وتعاظم وظيفتها في تسوية حاجات الناس سواءً مع الحاكم أم فيما بينهم، يقود في نهاية المطاف إلى تراجع معنوي تجاه مسألة السيادة الوطنية؛ فمسلوب الحرية لا يهمه كثيراً من الذي سلب حريته، بقدر ما يغدو مهتماً بقضاء حاجته.
ولذلك فإن الحنين الذي يبديه الكثيرون لأيام الاستعمار إنما يعكس هذا التراجع المعنوي الناشئ عن إخفاق الدولة الوطنية في تحقيق حرية لا يكدرها جوع، أو إشباع لا ينغصه استبداد، أو إخفاقها في تحقيق الاثنين معاً. فيتخيل هؤلاء أن بلدانهم كان من الممكن أن تتطور إلى مصاف البلدان المستعمرة (بكسر الميم الثانية) فيما لو أنها ظلت تحت الاستعمار. ولا أحد يملك حُجَّة مقنعة لدحض هذا التخيل إلا ما يقدمه الماضي الإستعماري نفسه من برهان على أن الإستعمار قد وقف بالتعمير في هذه البلدان عند حدود حاجته.
لكن هذا الماضي، كما يستخلص عبدالمرتجي في نهاية حديثه، لا يعرف عنه هذا الجيل إلا القليل من خلال كتب التاريخ المدرسية وغيرها، المصاغة -أحياناً كثيرة- بأسلوب مملّ يتداخل فيه الخاص والعام، وتعرض فيه الأنظمة منجزاتها التي تبدأ بدحر الإستعمار وتحقيق الحرية.. الخ.
وحينما يجد هذا الجيل أن الاستعمار الحديث في صورته غير المباشرة أسوأ من القديم، وأنه قد تحكم في كل شؤونه وأحكم قبضته على حاضره ومستقبله، أن الحرية أضحت وهماً، وأن المشاريع الوطنية في التحرر والتقدم الاجتماعي وقد توارت داخل أدراج أجهزة الأمن واستُبدلت بهراوات التأديب والملاحقات، أي أن الواقع يقدم صورة مناقضة لما تعرضه كتب المنجزات، تُرى ما الذي نتوقعه من هذا الجيل سوى أن يستسلم او يتطرف!! لا خيار آخر. لكن كلا الخيارين طريق إلى مجهول. إن ما يحتاجه هذا الجيل هو الإنطلاق من واقعه ليصلحه، لا أن يقف خارجه ليصفي حسابه معه أو ينخرط فيه بشروطه.
إصلاح واقعه هو بوابته إلى المستقبل. أما كيف يصلحه، فذلك أمر يستدعي أن يعيد بناء حُلم آبائه -الحلم قبل أن تبتلعه التجارب الفاشلة التي أدارتها الاجهزة الأمنية- داخل مخيلة تستوعب متغيرات العصر بأبعادها المختلفة. ومثلما كان كفاح آبائهم من أجل التحرر قد أخذ مداه داخل منظومة من المفاهيم التي أشعلها الحماس من أجل الحرية، وأخمدها فيما بعد سوط الحكم «الوطني» الموصول بالحلم المتعثر، فإن كفاحهم من أجل المستقبل يجب أن يأخذ مداه داخل الحقيقة التي أفرزها تعثر هذا الحلم، وهي أن الانظمة لا يمكن أن تكون حرة نيابة عن الشعوب. فالأنظمة التي تستعبد شعوبها هي أنظمة لا يمكن أن تكون -بطبيعتها- حرة، أي أنها مستعدة للتنازل عن حريتها للخارج تحت أي ظرف من الظروف.
 
 
—————————-
 
المقطع السادس
 
المقطع الخامس
 
المقطع الرابع
 
المقطع الثالث
 
المقطع الثاني
 
المقطع الأول