قاموس المعارضة والرئيس

قاموس المعارضة والرئيس

محمد شمس الدين
يبدو أن الحزب الحاكم، وتحديداً رئيسه، لا يروق لهم استخدام المعارضة لبعض المفردات للتعبير عن المشاكل التي يمر بها البلد. ولهذا وجه الرئيس الصالح لأعضاء حزبه نقداً لاذعاً في أحد خطاباته لانجرارهم وراء مفردات تستخدمها المعارضة، حيث قال إن من يتحدثون من أعضاء الحزب الحاكم عن أزمة إنما هي في رؤوسهم. النقد الرئاسي لأعضاء الحزب الحاكم جاء بعد خطاب ألقاه أمين عام المؤتمر ورئيس الوزراء السابق حين قال إن “أزمة” المتقاعدين قد تم معالجتها ولم يتبقَّ منها إلا القليل. انزعاج الرئيس من مفردة “أزمة” عززه خطابه في المؤتمر الاستثنائي للحزب الحاكم, حيث أشار إلى أن تأجيل الانتخابات أمر غير وارد, كون التأجيل يعد اعترافا بوجود أزمة. انتقاد الرئيس لحزبه لاستخدام مفردة “أزمة” سبقه نقد آخر لحديثهم عن الفساد, رغم أنه صارح حزبه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة بقوله إنه لن يكون مظلة للفساد.
المتابع لخطاب الحاكم والمعارضة يدرك أن الطرفين يخوضان معركة مفردات ليس إلا, الأولى بقيادة المعارضة استبعاد الجمل والمفردات التي لا يروق لرئيس سماعها، واستبدالها بأخرى تحمل المعنى نفسه, ولا تثير غضبه, حتى لا تتجه العلاقة بين الطرفين نحو الأسوأ بسبب المفردات, ففي كل خطاب يوجهه الرئيس ضد المعارضة غالباً ما يتهمها بأنها تعاني من “أزمة”، وكأن استخدام المعارضة لمفردة “أزمة” للتعبير عن القضايا التي تريد تناولها شتيمة يجب الرد عليها بالمثل. يفترض في الحاكم وحزبه أن يتفرغا لمعالجة الأخطاء التي ارتكبت, ومعالجة قضايا الناس بدلاً من استخدام المفردات ذاتها والتهم ذاتها الموجهة إليهما، تاركين الحديث عن الهفوات والأخطاء المتعلقة بالبرامج الانتخابية للمعارضة وهيكلتها الحزبية وتصريحات قادتها. من غير المنطق أن يردد الرئيس في خطاباته المتكررة ضد المعارضة أنها هي التي تعاني من أزمة, مع أن من الطبيعي في ظل التعددية السياسية أن تتعرض الأحزاب والتحالفات السياسية للانشقاقات ولأزمات بين الحين والآخر، وإلا فلا معنى للحريات ولا للتعديدية السياسية. ففي دولة الكويت الشقيقة تتكرر الأزمات بين البرلمان والحكومة بين الحين والآخر. فلماذا يصر الحزب الحاكم على إنكار وجود الأزمات التي لم تعد خافية على أحد في الداخل ولا في الخارج, فليس من العيب الاعتراف بالخطأ ولكن الكارثة أن يتم تجاهله.
وإذا كانت الأزمات السياسية هي سمة من سمات التعديدية السياسية, فإن المهاترات الإعلامية وتبادل الاتهامات دون الاستناد إلى الحقائق ليس إلا دليل فشل، وإلا كيف للحاكم وحزبه أن يعمم أن كل من ينتقدون الفساد ليسوا إلا مجموعة أشخاص فقدوا مصالحهم, أو أنهم كانوا يمارسون الفساد أثناء توليهم لسلطة, دون أن يعي أنه يدين نفسه بنفسه كونه المسؤول عن فسادهم في السابق وهو المسؤول أمام الله وأمام الشعب عن كشف فسادهم ومحاكمتهم وإعادة الأموال التي اختلسوها، كون الفساد لا يسقُط بالتقادم!! كما أن ردا كهذا يعد تشجيعاً واضحاً للفاسدين الجدد، ويؤكد صدق من يقولون إن النظام يحرص على اختيار الفاسدين للمواقع الهامة في السلطة، وأنه يتعمد إفسادهم لكي يمارس عليهم الضغط متى أراد في المستقبل. ما يجب أن تدركه السلطة والمعارضة أن وعي الناس قد تغير وأن تبادل التهم والمكايدات السياسية لم تعد مجدية أمام الوضع المزري الذي وصل إليه البلد, وأن إعلام السلطة وكُتّابها والمطبلين لها في الداخل والخارج لم يعد مجديا. في المقابل فإن دموع التماسيح التي تذرفها المعارضة قبل كل انتخابات لم تعد هي الأخرى مجدية أيضا. فلا انتقاد الرئيس لحكومته على شاشة التلفاز يشفع له بقد ما يدينه, ولا قفز المشترك على القضية الجنوبية, واتساع رقعة الفقر والظلم المستشري في البلاد وكراهية العامة للحاكم وحزبه يخدمها.
الأستاذ عبدالوهاب الآنسي أجهده الحوار مع فخامة الرئيس الصالح للوصول إلى و فاق لتعديل قانون الانتخابات وتشكيل اللجنة العليا للانتخابات. انشغال الأستاذ الآنسي عن الشارع, يلزمني نقال سؤال يكرره سائق التكسي و صاحب البقالة وجندي المرور: لماذا لم يقاطع ممثلو المعارضة في البرلمان جلسات البرلمان للضغط على رئيس الوزراء السابق لتقديم أسماء مهربي الديزل بعد أن اعترف بأن لديه أسماءهم؟! أليس من المفترض أن تتخندق المعارضة وراء هذا الاعتراف وإعلان مقاطعة جلسات البرلمان إلى أن يكشف رئيس الوزراء المهربين للديزل؟! أليس إجراء كهذا كان سيرفع رصيد المعارضة لدى الداخل والخارج ويعفيها من الخوض في الحوارات والصفقات التي لا تخدم غير الحاكم وحزبه؟! وسؤال آخر من عشرات الأسئلة يسألها الشارع: لماذا يطلب عبدالوهاب الآنسي وبعض قادة المعارضة من الرئيس الاستقالة من الحزب الحاكم ليصبح رئيسا لكل اليمن؟! وعلى ما يستند هؤلاء في تمييزهم بين الرئيس وحزبه؟!
وإذا كانت أسئلة العامة للمعارضة بالعشرات فإن الأسئلة الموجهة للحاكم وحزبه بالمئات تمد جذورها منذ نهايات القرن الماضي وتتضاعف يوماً بعد يوم. أسئلة لا يستطيع الحزب الحاكم الرد عليها بتظليل أو توزيع التهم والتسويف وإطلاق العنان للوعود الكاذبة أو إنكار الأزمات التي ألحقها جراء احتقاره لمطالب الناس.