البردوني في حوار الوحدة والحرب والفن ينشر لأول مرة

البردوني في حوار الوحدة والحرب والفن ينشر لأول مرة
حوار البردوني (أرشيف)

البردوني في حوار الوحدة والحرب والفن ينشر لأول مرة: كانت عدن بالنسبة إلى اليمن والجزيرة والخليج مثل باريس في الغرب والقاهرة في الشرق

* لا يستطيع أحد القول بأن حرب 94 انتهت ما دامت  آثارها قائمة
* كل وحدة مُهيأة للانفصال، ووحدتنا منفصلة لأنها قامت على الإلغاء
* اعتاد الشمالي فتح البلدان وتدويخها، وأن يحكم باسم اليمن كله
* المؤتمر (الشعبي) مجرد لملمة، ناس ينفعوا للمظاهرات والزامل، لا للسياسة الخلاقة
* لا توجد تعددية حزبية، وإذا وُجدت أحزاب فإنها بلا قوة سياسية
* الأحزاب التي تعددت لم تبد كذلك عندما أعلن (الرئيس)علي عبد الله صالح الحرب
* الاشتراكي حزب حقيقي، لكن تعصبه حوّل شاعراً طبلاً إلى نابغة

بعض اللحظات الحرجة إذ تستدعى تجيء محمولة بشعور عذب، تماماً كما تفعل السنون في الحزن على أحبة رحلوا، وحين تكون «اللحظة الحرجة» في حضرة عبد الله البردوني تعلن العذوبة عن نفسها في هيئة ابتسامة عريضة!
كنت قد أعددت جيداً لمحاورته محدداً المحاور وفيها أسئلة مصاغة وكلمات مفاتيح، وذهبت اليه مطمئناً إلى أنني أوفيت بوعد قطعته له بأن تكون الاسئلة غير نمطية واستثنائية حسبما اشترط.
كان ينتظرني أعلى السلم أمام غرفته في الدور الثاني من منزله الذي أمضى فيه السنوات الأخيرة من عمره. صافح ورحب. وقبل أن يتفضل بدعوتي إلى الجلوس باغتني أنا المقيم في سباتي الهني، القادم من حصن المعارضة المنيع, بسؤال جاء مموهاًَ في مظهره عارياً في مخبره: هل تضمن لي أنك جئت وحدك؟
كان يعرف انني جئت وحيداً ممثلاً لصحيفة معارضة هي «الوحدوي»، وقد استجبت للتحدي الماثل قائلاً: أضمن لك ذلك منذ مغادرتي الصحيفة حتى ركوب التاكسي الذي أقلني إلى منزلك, بعدها لا أضمن شيئاً!
تعمدت قول ذلك بنبرة هازئة، لتمويه صدمة السؤال، لكن الاحتدام المكتوم في كلامي لم يكن ليراوغ الذي «يرى بسمعه» فإذا هو يتعمد التبسط في الحديث معي بادئاً، بما فهمت أنا أنه اعتذار ضمني، بالإشارة إلى حالة الحصار المفروضة عليه اعلامياً بحيث لا يكاد صحفي يصل إليه إلا بعد أن يكون مرَّ بمرحلة «فلترة» لدى جهات معنية!
دعاني إلى الجلوس في حجرته الصغيرة التي تصور البعض أن جدرانها هي حدود عالمه الطبيعي والابداعي معاً. وأضاف بنغمة يفوح منها السرور أنه أدلى صباح اليوم بحديث إلى فريق من ال B.B.C من وراء «الجماعة» (كان يفترض أنني أعرف من يقصد بالجماعة)، وزاد وكلماته الشامته تسابق قهقهته الشهيرة:« سيباغتون حين يبث الحديث».
نشر الحوار على حلقتين في صحيفة «الوحدوي» في 21 و28 إبريل 1998. وبعد نشر الحلقة الثانية، اتصلت به لغرض الكتابة للصحيفة، وقد سألته عن أصداء الحوار، وفيما يشبه تحوط «رجل في حالة حصار» أبدى عدم ارتياحه للعناوين الإبرازية المثيرة التي صاحبت النشر بدءاَ من مانشتات الصفحة الأولى.فبادلته اللعب بتذكيره بأن كل العناوين الضاجة مختارة مما قاله. فاستدرك قائلاً: الصحفي الجيد هو من يفعل ذلك.
وقد عرفت منه، ومن آخرين، أن مسؤولين رفيعين هاتفوه مغاضبين فور نشر الحلقة الأولى. وكنت أدرك أن الغضب مما قاله ليس سوى محطة في سياق غضب ممتد عليه جراء آرائه الانشقاقية بشأن الوحدة والديمقراطية والحكم.
بروحية شاعر استثنائي يستعصي على التنميطات الوحدوية والانفصالية الرائجة هذه الأيام, يواصل البردوني توجيه ضرباته المباغتة، حتى بعد 9 سنوات منه رحيله.
وفي هذا الحوار غير المنشور، الذي حصلت «النداء» على نسخة منه قبل شهور، يؤكد الرائي على «ثوابته» التي أعلنها قبيل قيام الوحدة اليمنية بأشهر وبعد الحرب. فالوحدة التي أراد خطأ، والحرب خطيئة، والتعددية الحزبية خرافة، وحرية التعبير وهم، والنظام السياسي رئاسي أوتوقراطي.
في 14 فبراير 1995, أي بعد 7 أشهر من انتهاء حرب صيف94، التقى الزميل رشاد ثابت الشاعر البردوني في منزله، وحاوره في الفن والأدب والسياسة.
سنتذاك كانت العتمة هي المتوَّجة بظلال الحرب ودخان القذائف، ولم يجد الحوار طريقة إلى النشر. وإذ تنشر «النداء» مقتطفات منه، لتلفت الانتباه إلى أن البردوني عبَّر غير مرة عن المواقف ذاتها حيال الوحدة والحرب والحكم. وقد استمعت منه في لقائين لآرائه في الوحدة والحرب، ومنها استهجانه موقف النخب السياسية من حرب 94، إذ قال: «هل أحد يرضى باقتلاع الجنوب… لو كانت الأحزاب حقيقية لما فُرض عليها ذلك»، و «اليمن شعب واحد، لكن ماعرفنا (يوماً) دولة واحدة»، و«الانفصال قائم مادام هناك غالب ومغلوب، ويمن محكوم بفرد».
قال ذلك وأكثر منه، وبحساسية الفنان الذي كانه، وبعينيْ «وحدوي» حقيقي رأس أول كيان مدني وحدوي يمني (إتحاد الأدباء والكتّاب اليمنيين)، تنبأ بعدم امكانية استمرار الحالة التي أفرزتها الحرب، وقال: «انتظروا ما سوف يحدث».

*سامي غالب

* حوار: رشاد ثابت

> جنوبيون في صنعاء شماليون في عدن
يمانيون في المنفى  ومنفيون في اليمن
هذه الأبيات أستاذ عبد الله، من إحدى قصائدك، هل ما زالت تتمتع بفاعلية في مدلولها على صعيد الواقع، أم أن لها دلالة ضمنية الآن كيف؟
– القصيدة ما زالت قضيتها قائمة، وما يزال الجنوب جنوباً والشمال شمالاً، وما زال جنوبي في صنعاء شمالي في عدن. الظواهر كلها كما كانت، لأنه لم تحدث تغيرات ثقافية وتغيرات اقتصادية واجتماعية فتحل مفهوماً مكان مفهوم. ظلت المفاهيم القائمة قائمة. ليس عيباً أن يكون هذا جنوبيا وهذا شماليا، ليست المسألة الجهة أو الانتماء لأي جهة، المسألة: الإنسان، الذي يقدر أن ينفع في الشمال وينفع في الجنوب، وإذا كان أنفع في الجنوب يا حيا الله. كل ما يحدث من خير لشطر فهو في صالح الشطر الثاني. القضية ما زالت قائمة، وقائمة على أشدها، ولا بد أن الحرب أججتها وفجرت لها أبعاداً بعيدة وأغواراً لا أحد كان يظن أنه سيصل إليها، لأنه لم يسبق أن قامت حرب بين الشطرين، ولا سبق أن حدث هذا الهجوم الكاسح الذي يتكون من نصف مليون بما فيه الدبابات والطائرات والمدافع والصواريخ.
> ولكن وقعت حربان في عام 1972 و1979!
– لا. كانت هذه حركات حدودية ما تجاوزتها، لكن هذه (حرب 94)وصلت إلى أعماق العاصمة عدن والمكلا. لأن الجماعة الذين في عدن (لم يحسنوا تقدير) موقف هؤلاء ومقدار قوتهم وماذا أعدوا للحرب. (الرئيس وحلفاؤه) أعدُّوا لحرب كبرى، وهم (الاشتراكي) ما أعدوا لحرب كبرى وقوتهم صغيرة وقسموها قسمين، في عدن والمكلا، وكان ينبغي المحافظة على العاصمة بكل ما هناك من قوة، والمكلا تبقى طالما العاصمة باقية. أهم شيء في السياسة أن تبقى العاصمة. وبعدها كل إقليم سيلحق بعاصمته. لكن كانوا يظنون أن القتال على البترول وكانوا يتصورون أن علي عبد الله صالح سوف يصل إلى المسيلة حيث آبار النفط ويتوقف. لا، الرجل كان يعدُّ لحرب كاملة، وكان ينبغي أن يعرفوا، لا أدري، هم ما عرفوا أو أنهم ما قدروا أو أنهم تصوروا الحرب تصوراً، ما رأوها من علوم حربية: يعرف موقف العدو، كم قوته، ما مدى نجاح استخباراته… هذه مسألة ضرورية للمتحاربين، وإلا سيكون غالبا ومغلوبا إذا لم يكن (هناك) تكافؤ في المعرفة. أتصور لو أن القوة الجنوبية احتفظت بعدن وما يتصل بها، كالضالع والعند، لكانوا انتصروا، وحتى يأخذوا المكلا، يأخذونها مدة، أيام، لأنها ليست عاصمة. إنما هو احتلال أرض، وإذا احُتُلّت أرضك وأنت صاحب عاصمة في الإقليم يمكنك تسترجعها بالاحتجاجات الدولية وبالمرافعات إلى مجلس الأمن بواسطة الجامعة العربية… كله كان يمكن أن يعود إلى أهله لو احتفظوا بعدن، لكن سقوط العاصمة أبقى البلد ليس فيه من يقول هذه بلادي!!
> أستاذ عبد الله، هل نقول إن الشعر كان بوابة ومتنفساً ووسيلة تعبيرية وحيدة، وخاصة الشعر الغنائي الأكثر تأثيراً وسماعاً منذ قيام الثورتين، سبتمبر وأكتوبر، في ظل شمولية النظامين السابقين ومنع حرية التعبير؟
– لا. الشعر وقع تحت الرقابة وتحت سلطة الرقيب سوى كان مقروءاً في ورق أو مسجلاً أو مذاعاً. الشعر كان يعاني من القمع كما تعاني الكتابات النثرية والتحقيقات الصحفية والأحاديث المجالسية أحياناً. الشعر كافح. وإلى جانب أنه كافح، فإنه حقق غاية وجوده وغاية المحافظة على قيمته في الصدق، في الصراحة، في الإيماءات المعرفية, في التهجم على القوى الظالمة… هكذا.
> يرى البعض عبد الله البردوني شاعراً أكثر منه باحثاًَ وكاتباً وأديباً وسياسياً، ما تعليقك؟
– للناس آراؤهم وهم المسؤولون عنها، وأنا أكتب الذي أرى حاجة إليه، وأنا مسؤول عما كتبته. فعلاً هناك من يقول في كتاباته لا يعتمد على المراجع العلمية ولا يشير إلى المراجع، لكن هذا غير صحيح. أنا لا أشير إلى المراجع في هامش ولكن أورد نصوص المراجع في سياق الكتاب، وأقول قال المؤلف الفلاني في كتابه كذا وكذا وأسرد كذا وكذا جملة، أو أقول قال الشاعر في ديوانه في قصيدته الفلانية وأورد كذا وكذا من القصيدة. كل كتاب كتبته تجده مليئا بالتقويسات بالنصوص بأسماء الكتب بمؤلفي الكتب، بل ومتى صدر الكتاب هذا، وفي أي مطبعة؛ لأن طباعة المطبعة تختلف عن إعادة طباعته في مطبعة أخرى. ولهذا كنت حريصاً على مراجع كل كتاب كتبته، إلا أنني لا أهمش المراجع كما يفعل الناس في الرسائل الجامعية الطلابية وفي رسائل الدكتوراه، لأن الدكتوراه والماجستير هي عبارة عن دراية للأستاذ أين وصل الطالب وهل تواتيه طبيعة البحث وهل امتلك ناصية البحث، بحيث يمكن أن يتابعه في مراجعه العامة والخاصة. الماجستير والدكتوراه ما تزال نوعاً من الامتحان، لكن الكتابة في غير هذا لا بد للواحد أن يكون أكثر حرية. وبعد، فإني ألاحظ الذين يقولون إن كتابتي غير علمية أو أكاديمية ألاحظ الأكاديميين يقرأونها بشغف. ولاحظت أنه لم يصدر كتاب في الثمانينيات إلا وأهم مراجعه “رحلة في الشعر اليمني” و”قضايا يمنية” و”اليمن الجمهوري”. كل كتاب صدر بعد 1983 إلا وهذه كلها مراجع وإشارة إلى مجلات وإلى بحث في مجلة أو صحيفة أو حتى أحياناً استجواب صحفي.
> بعد أن وضعت الحرب العسكرية أوزارها وما أفرزته من وضع سياسي، كيف ترى مستقبل اليمن؟
– هو في الحقيقة لا يستطيع الواحد يقول إن الحرب انتهت، ما دامت آثارها قائمة وما دامت تداعياتها تتوالد، فالواحد (يمكن أن) يقول إن الحرب هدأت واختبأت من ظهر الأرض إلى باطن الأرض وأنها قابلة للانبعاث في أي فترة وعلى أي داعٍ من الدواعي.
> كيف ترى التمسك بالخيار الديمقراطي؟
– ما في تمسك ولا في ديمقراطية ولا في وحدة الآن. هناك حاكم واحد مفروض على الشطرين لكن ليس هناك وحدة، لأن الوحدة يجب أن تقوم بين فريقين: فريق يمثل جانباً وفريق يمثل جانباً (آخر)، ولا بد أن تقوم الوحدة من اثنين توحدا، لأنهم قالوا “يمن واحد”، قلنا إذا كان يمناً واحداً فكيف توحدوا؟ الواحد لا يتوحد وإنما يتوحد الاثنان.
> من وجهة نظرك ما هي أبرز مصاعب وإشكالات دولة الوحدة منذ قيامها والتي أدت وأفضت بها إلى الاحتراب والتدمير وإعلان الانفصال بين صناعها الحزب الاشتراكي اليمني والمؤتمر الشعبي العام؟
– ألقيت محاضرة قبل قيام الوحدة بأربعة أشهر في نادي الصحفيين في التواهي، وقلت إن كل المشاكل ستنبعث الآن من جديد، لأن الاقتراب والازدحام على المصالح هو الذي سوف يثير الحساسيات. كان (فيما مضى) هذا يعرف أنه شمالي وهذا عارف أنه جنوبي، لكن عندما توصل هذه القضية إلى زحام منفعة وإلى وصولية وظيفية لا بد أن ترتبك المفاهيم، يحدث بين أبناء المدينة الواحدة، بين أبناء المدرسة الواحدة، لأن هذا موضع الانتفاع، كل واحد يريد أكثر من الآخر، وكل يريد أن ينال ما لا يناله غيره، وكل يريد أن يصل إلى ما وصل من هو أكبر وأكفأ منه. هذه كلها توجد في الدواوين الوظائفية أو في المتاجر أو في أي مكان، لأن الاختلاف والاشتباك من طبيعة الخُلطة، الخُلطة لا بد أن تؤدي إلى عداوات وإلى منافسات، لكن فهمها والدراية بالعداوات (ضروري). يجب أن يكون هناك عداوة لأنها من طبيعة الاختلاط، ولكن لا بد أن يكون هناك شرف العداوة، يعني إذا عادى لا يبلغ المنتهي في الإساءة إلى عدوه أو يستغل به الفرص أو يهاجمه في حالة ضعفه، هذا في حالة المفهوم الإنساني وليس المفهوم السياسي. قلت لهم: لا بد أن تحصل مشاكل، قد يكون أهونها قيام حرب. وقالوا: ليش تقول كذا؟ وضاقت السلطة هنا وضاقت هناك، ولكن ما كادت تمر ستة شهور حتى قالوا صدق البردوني.
> حديثك يوحي بأنه ليس هناك أمان أو مأمن على دولة الوحدة، خاصةً وأنها تجاوزت أصعب اختبار لها؟
– كل وحدة مهيأة للانفصال كيفما كانت. أما وحدتنا فهي منفصلة من يوم قامت، لأن كل فريق كان ينوي إلغاء الفريق الآخر بهذه الطريقة أو بتلك. كان الجنوب واثقاً أن عنده حزب، عنده سياسة منظمة، وعنده (أجهزة) استخبارية منظمة، وأن علي عبد الله صالح “قبيلي” ما عنده من الرؤية السياسية ولا عنده ما يمكن أن يحمي به نفسه ويضر به غيره، لا أكثر من هذا. كانوا يريدون أن ينحوه من السياسة الكبرى أو من زحام السياسة (بحيث) يكون رئيساً رمزياً. هو عرف الوثيقة التي اشتهرت أنه لن يكون إلا رئيسا رمزيا، وأن الحكم الداخلي في يد علي سالم البيض، وهو رئيس جمهورية وذاك نائبه، والقضية كانت كلها زحزحته من المناصب المباشرة وأن يجعلونه رمزا. لكن تلك الوثيقة ظلت كما هي وظل كل واحد يشتغل من خارجها بالطريقة التي تتيسر له ويحس أنه أقدر فيها من غيره.
> تعتقد أن الوثيقة برنامج سياسي لدولة الوحدة أفضل بكثير من تصورات الحزبين الحاكمين حينها؟
– نعم. ولهذا كانت مقبولة. كانت معالجة للأخطاء التي كونتها الوحدة. وبعدها عندما دخلوا الوحدة عرفوا ماذا يريدون لكي تبقى الوحدة، فكانت الوثيقة أشبه بملتقى الآراء، كيف تكون الوحدة، لكان مقبولاً لو أنهم نظروا إلى البلد. الذين كتبوا له الوثيقة، مثلاَ كانوا يعرفون أن قادة المعسكرات من أقارب الرئيس، طيب الوثيقة تقول ما يكون القائد العسكري إلا مدة عامين؛ لهم الآن خمسة عشر عاما وهم قادة وما احد قادر يزحزحهم، فشافوا الذي يكون، لكن كيفية كونه لا ما أحد فكر فيها.
> قلت إن كل وحدة قابلة للانفصال، لكن وحدتنا من أساسها منفصلة، كيف؟
– يعني ما كان هناك ضوابط مشتركة، ما كان هناك حس مشترك، ما كان هناك تعاون على تجاوز السيئ إلى الأفضل أو تجاوز الكائن إلى الممكن، ثم تجاوز الممكن إلى المستحيل أو الذي كان مستحيلا. لكن هذه الوحدة عندما قامت كان كل واحد من الجانبين شاعر بفرديته وتميزه على الآخر. هذا يقول تميزي لأني سياسي وهذا يقول تميزي لأني شمالي. والشمالي متعود أن يفتتح البلدان ويدوخها، يعتاد أن يهاجمها حربياً، يعتاد أن يظل حاكماً بشكل أو بآخر. تكاد أن تكون الشمالية أو ما نسميها الهضاب من يريم إلى صعدة إلى كوكبان إلى حجة، بلاد جعلت من المناطق السفلى، اليمن الأسفل، تعز وإلى أطراف الجنوب، وترى أنها أحق بحكم هذا المكان، وأنها ما خلقت إلا لتحكمها، وأن كل ما فعلته لهذه المنطقة (هو) لليمن كله وباسم اليمن كله، سواءُ كان موافقا على هذا السوء أم غير موافق. وهذا يشبه المارونية في لبنان، الموارنة في لبنان بدأوا يسقطون من كونهم حكاما فقط. هؤلاء المارونيون إذا تكلموا عن مصالحهم أو عن مذهبهم فيروا أنهم معبرون عن لبنان كله. يسمون قواتهم المسلحة “القوات اللبنانية”، يسمون كتائبهم “الكتائب اللبنانية”، وكأنهم هم لبنان. في كل شعب من الشعوب منطقة تكون لها سيطرة أكثر، مثل العلويين في سوريا. وهذه الحساسية تكاد تكون غير موجودة في مصر، لأن مصر بلد جمعها نهر، وكلهم اضطروا أن يكونوا مجتمعين حوله، بفضل هذه الرابطة الإنسانية الانتفاعية كانت مصر موحدة وما في هناك مكان أو منطقة تشعر أنها الأحق تحكم الثانية ترى أن الحكم هو كفاءة وليس مناطقي.
> كيف ترى أو يجب أن يكون نموذج دولة الوحدة؟
– أقول لا بد أن يشعر المتحدون أن هناك حاجة إلى وحدتهم في دولة واحدة. أولاً، يعرفوا أن هناك حاجة. ثانياً، يعرفوا أنه بتجمعهم وتعاونهم سيخلقون بلاداً أفضل (أي) لكي تكون اليمن بعد الوحدة أفضل منها قبل الوحدة. ثالثاً أن يكون هناك حس أننا كلنا شركاء في خلق بلاد أكثر رخاءَ وأكثر علماً وأكثر ثقافة، ويكون هذا شعور في النفس يحسه كل واحد أنه حاجته الخاصة، إذا تحققت هذه الأحاسيس فكل واحد سيحمي هذه الوحدة بحيث أنه لا ينتوي أحد أن يلغي الآخر. فالوحدة كان ينبغي أن تكون أُخوة مطلقة، وأن ينتقلوا مما كانوا عليه إلى ما هو أفضل (بحيث) ينسى أنه هذا كان حاكما في عدن وهذا حاكما بصنعاء، الآن هم حاكمون لليمن كله، وأن عليهم مسؤوليات وأن لهم حقوقا وواجبات، فإذا اتحدوا بنية خلق يمن أفضل وسياسة أحسن فهذا هو الذي كان ينبغي. لكن ما أحد كان عنده هذا التصور؛ أن الوحدة اشتراك في الأمر والاشتراك معناه التعاون والتضافر على كل شيء. لو سادت التعاونية والتضافر كان ممكناً أن يخلقوا وحدة أفضل تخلقها وتوجبها المصالح المشتركة والمكاسب التي يشاهدها الشعب رأي العين. لكن عندما توحدوا تضخم الجهاز تضخم، تضخم حتى أصبحت الدولة رأساً كبيرا على عنق نحيل (ضاحكاً).
الحقيقة أن الوحدة كانت مأساة، وأن المرء يلاحظها من اليوم الثاني، ما أحد مثلاَ شعر حساسية الصنعائي نحو الريف، حتى الريف في الشمال. الصنعائي عنده حساسية أن صنعاء صنعاء وأن كل الوافدين عليها طرأوا (عليها)، وأنهم تلقوهم قهراً وأنهم اختلطوا بهم قهراً، ويعتبروا نفوسهم أنهم أحق بالأمر. وطبعاً إلى جانب صنعاء ما حول صنعاء شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً. فهذه الحاسة ما يميتها إلا ثقافة كبرى وتعلم أكبر ومفهوم للسياسة أجود وحس بالمسؤولية: كيف يخدم بلده؟ وكيف يطور أوضاعه؟ وكيف يومه أحسن من أمسه وغده أحسن من يومه؟ وهكذا يعني هناك زعامة حقيقة. الزعامة الحقيقية ما تجسدت في أي شخص ولا في أي حزب.
> من خلال تجربة النظامين الشطريين السابقين ما أبرز إيجابياتهما وسلبياتهما؟ وما هي الأفضليات التي يجب أن تسود وتعمم في دولة الوحدة بدلاً من إشاعة الفوضى والفساد؟
– أنا في الحقيقة قد أومأت إلى هذا، وهو الشعور بالتعاون، وأنهم مسؤولون أن يخلقوا مجتمعاً أفضل. هذا لم يوجد. فكيف يمكن أن يوجد؟ وجوده يضمن بقاء دولة واحدة، عدمه يفصل الدولة إذا ظل كل واحد كما كان عند أمه وفي السلطة يستغلها كبستان أو كمزرعة أو كمتجر. لا. هذا في الحقيقة ما يجب أن يكون له من الوحدة إلا نصيب مثل أحد المواطنين، له امتياز الحكم، له امتياز أنه رئيس، له امتياز أنه نائب رئيس، له مميزات أنه مدير، له مميزات أنه رئيس وزراء، هذه حقوق له من حقه؛ لكن من واجبه أن يجعل هذه الثقة في محلها، وأن يكون عاملا في كل تحركه وسكناته من أجل الكل.
> لكن أريد أن أقول لك ما هي أفضل الإيجابيات التي كانت في النظام السابق في المحافظات الشمالية أو الجنوبية؟
– كل ما كان كان سيئا. ما في ولا مزية أبداً. من يوم ما توحدوا إلى أن انفصلوا.
> من قيام الثورة حتى يوم الوحدة ما أفضل الإيجابيات التي كانت موجودة في الشمال أو في الجنوب والتي يفترض أن تعمم في دولة الوحدة؟
– الذي كان موجودا قبل الوحدة هو الذي ساد بعد الوحدة. ليس هناك تغيير أبداً. كل واحد دخل الوحدة بشعور الفردية وبشعور الإقليم.
> هل ترى أن الثورة اليمنية، بشقيها: سبتمبر وأكتوبر، وما رفعته من أهداف تحررية عظيمة وما ناضلت وضحّت من أجله الحركة الوطنية اليمنية… هل ترى أن الثورة اليمنية حققت تلك الأهداف والغايات النبيلة؟
– لا، أبداً. ما حققت أي غاية نبيلة ولا حققت أي هدف، لأنها كانت تنقل مشاكل العهد البائد إلى العهد الحاضر إلى جانب ما تجدده وتستجد من مشاكل وأزمات. كانت الدولة تركم المشكلة فوق المشكلة والمأساة فوق المأساة والأزمة فوق الأزمة، وما كان عندها شعور (بأهمية) الحل من أول أزمة، فإذا جاءت الأزمة الثانية تكون وسائل حلها موجودة. ظلت المشاكل تتصل بالمشاكل. عندنا في صنعاء مثلا مجاري المياه لها تقريباً ست سنوات وهي تسد طريق المطار وتنشر للناس الروائح والذباب والأوبئة، وما أحد قال إنه في رئيس دولة. الحقيقة ما نقول إن الحكم عندنا حكومي، الحكم عندنا رئاسي مثل ما هو ملكي في السعودية وكما هو أميري في الإمارات، مثل ما هو رئاسي في مصر. الحكم عندنا ما هو حكومي أبداً. مثلاً يقولون فلان رئيس وزراء، رئيس الوزراء مجرد كاتب عند الرئيس، الحكومة كلها رئاسية، وليست الرئاسة مجرد رمز يسود والحكومة قوة تنفذ. لا، القوة التنفيذية والقوة السيادية هي للرئاسة.
> لكن في نظام الجنوب…؟
– في نظام الجنوب كانت هناك حزبية تكاد تكون مغطية. بدل الذاتية التي كانت قائمة على أسوأ حال في صنعاء كانت هناك الحزبية بلا تدبر، بلا تأمل.
> رغم تعقد البنية الاجتماعية في الواقع اليمني وموروثات الماضي السلبية وبروز النزعات القبلية والمناطقية وغيرها، هل يمكن الانتصار لقضية الديمقراطية في الواقع اليمني وما ترفعه الدولة من شعار منذ قيام دولة الوحدة؟
– ممكن، لأن المناطقية أو النزوع القبلي لا أحد يخلو منه في أي مكان من أمكنة العالم حتى في باريس بلاد الحرية. ما احد يمنع إنسانا (من أن) يكون ديمقراطيا ويكون عدنيا، يكون ديمقراطيا وصنعانيا، لأن كل واحد نشأ في منطقة، وكل واحد حوله جهات جنوبية وشمالية وشرقية وغربية. لا بد من أن يحس الواحد بأنه قريب من صنعاء أقرب إلى عدن مثلاً. ذاك من عدن أقرب إلى عدن أو أقرب إلى صنعاء، في مسألة قريب وأقرب. فما أظن أن هذه حكاية. لكن الخطأ أن تحكم اليمن الواحد وتعني بالمنطقة أو تعني بالأصدقاء والأتباع من القبيلة أو من الحزب.
> التعددية السياسية والحزبية تعتبر كما هو معروف ركيزة أساسية من ركائز النظام الديمقراطي؟
– (مقاطعاً) أبداً ما ثبت أنها كانت موجودة إلا شكلاً.
> عفواً أقول أستاذ عبد الله التعددية السياسية والحزبية ركيزة أساسية للنظام الديمقراطي بمعناها الشامل ولم أقصد على المستوى اليمني؟
– نعم، نعم، هذه كلها خالقة ومخلوقة ومتطورة. التعددية مهمة جداً بحيث أن لكل واحد حقا، وبحيث أنه يمكن تداول السلطة، مرة هذا الحزب ومرة ذلك…
> كيف ترصد نشاط وحضور الأحزاب في الساحة أو الشارع السياسي اليمني منذ قيام دولة الوحدة وحتى الآن؟ وكيف تفسر ظاهرة تفريخ وانشقاقات الأحزاب، هل هذه الظاهرة الجديدة التي أتت بعد الحرب تعبر عن رؤى وتوجهات سياسية وفكرية جديدة؟
– في العالم كله لا بد أن يكون هناك حزبان أغلب من الأحزاب كلها، مثل الجمهوري والديمقراطي في أمريكا، مثل العمال والمحافظين في بريطانيا. هناك أحزاب متعددة، لكن الذي يحكم حزبان. في اليمن (وجد) المؤتمر والاشتراكي، كان الاشتراكي حزبا بالمعنى الحقيقي، وكان المؤتمر مجرد لملمة ومجرد جمع ناس إلى ناس، أصوات وأغان ومظاهرات، لكن لا ينفعون في سياسة خلاقة. ينفعون للمظاهرات وينفعون للزامل، لكن لا ينفعون للسياسة الكبرى، لأنه (المؤتمر) ليس له رؤية سياسية يستميت لأجلها.الأحزاب التي تعددت ما بَدت كذلك عندما أعلن علي عبد الله صالح الحرب. لا يمكن أن تكون الحرب رأي كل الأحزاب، ولا يمكن(تصور) أن كل الأحزاب قبلت الحرب، ولا يمكن أن ترضى بالحرب أية أحزاب وطنية. كيف يمكن أن تقبل أن يتقاتل الرئيس ونائبه، والبلد ونصفه، والدولة ونصفها. هذه الأحزاب ما لها وزن لكي يستشيرها الرئيس، ولا لها قيمة فرضتها على الرئيس. لا بد أن يكون للحزب قوة سياسية حتى الصغير من الأحزاب.إذا كان هناك أحزاب فإنها بلا قوة سياسية. الأحزاب كان يمكن أن تقوم على الأقل بمظاهرة ضد الحرب، لكن مَن جرؤ أن يقول لا؟ طبعاً السلطة استخدمت الشدة غير المشروعة وتجاوزت الحدود في الشدة، لكن هؤلاء تجاوزوا الحدود في البلاهة وفي السلبية.
> يعني نستطيع أن نقول إن دور المعارضة كان مشلولاً أو سلبياً؟
– كان مشلولاً، أما السلبي لا. السلبي الذي يقترن بالإيجابي.
> لكن كيف ترى حرية الصحافة كثمرة من…؟
– ما أحد زاولها مزاولة حقيقية (…) ما لها وجود أبداً، لأنه إذا ما في رقابة علنية في رقابة سرية.
> قلت إن الحزب الاشتراكي هو حزب حقيقي، هل نعتبر الأستاذ عبد الله البردوني اشتراكياً؟
– لا. أنا أقول لك إذا تأملت مواصفاته وأطواره فهو حزب حقيقي.
> ما الدليل؟
– بدليل أن الحزبية فيه درجات والتنظيمات فيه على مراتب وهرمية، والذي يرقى هو بفضل قواعده في الحزب. وكذلك قواعده في الحزب كانت حزبية. لكن كان الحزب هذا كفرد واحد. يعني يمكن أن واحدا من الاشتراكي يقتل واحدا بسيارة، فالحزب يتعصب معه. لا أحد يسجنه، لا أحد يأخذ منه غرامة. لا، من واجب الحزب أن يجازي هذا العضو الذي أساء، وإذا ساءت سمعته ينبغي أن تفصله، ماذا تعمل بفرد وهو عضو فاسد يضر ببقية الأعضاء؟! عندنا الحزب، لكن ما فيه ما تسمى بت الحزب، رؤية الحزب، ثقافة الحزب، حزبية الحزب أيضاً. مثلاً الشاعر قد يكون أحسن طبل في الدنيا، لكنه عندهم نابه ونابغة. لأن الشرط في الحزبي أن يكون إنساناً أولاً.
> لو ننتقل إلى الأغنية اليمنية، بحكم موسوعيتكم، يرى البعض أن هناك نكهات في الغناء اليمني ومن يصفها بأنها ألوان، كالصنعاني واللحجي والعدني وغيرها، هل أنت مع هذه التسميات التي تعارفنا عليها؟ وما هي المقاييس والخصائص التي تميزها عن بعضها البعض من وجهة نظرك؟
– لا بأس أن تكون هناك تقريبات، نقول هذا الفن صنعاني وهذا الفن لحجي وهذا الفن حضرمي وهذا الفن صعدي، لا بأس، للتقريب. لكن لو أخذنا نتاجنا الغنائي الصنعاني واللحجي والعدني والحضرمي، سنجد في آخر الأمر أنها أصوات متقاربة جدا مثلما تتقارب أغنيات المغني الواحد. ما أجد أن هذا لون متميز أو مختلف حتى. مثلاً عندما تشوف الأغنية السودانية تجدها مختلفة عن الأغنية المصرية عن الأغنية السورية. كذلك مثلاً الأغنية في المغرب الآن بدأت تختلف وتتميز عن أغنيات المشرق التي تتلمذ الفنان المغربي عليها. فأظن لا يمكننا أن نقول سوداني مصري جميل، فهناك اختلاف وهناك فنّانِ اثنان. لكن عندما أقول لحجي صنعاني تعزي يريمي يافعي… فأنا أكاد أن أقول إن الصوت اليمني متشابه، الأغاني كلها متشابهة إلى حد الواحدية أو التماثل. أما أن هناك ما يبين الفن اللحجي كفن مستقل عن الفن العدني أو غير ذلك،لا.يمكن تجد فرقا أو اختلافا من “سمارة” إلى عدن، ومن “سمارة” إلى صنعاء، لكن من ناحية الصنعاني والذماري مثلاً لا يحدث، واللحجي والعدني لا، لأنها بيئة واحدة ومنطقة واحدة ونبرات الناس تتساوى، وحتى حين يتخاصم الناس وترتفع أصواتهم يكاد الواحد يحس أن أصوات الجمع كصوت الواحد، قد يكون هذا أبح صوتاً، قد يكون هذا أرق، لكن ذلك لا يجعل غناء كل منطقة مختلفا عن الثاني كلياً. في اختلاف في الجزئيات، في النبرات الداخلية، في الهمس الأخير. أما من ناحية أنه فن يصنف لذاته ومقوم بذاته فلا.
> يتهمك الكثير من المهتمين بالأغنية اليمنية بارتكاب أخطاء في ما كتبته في إصداراتك المختلفة حول الأغنية اليمنية… كيف تبرئ نفسك بحكم أنني وضعتك في قفص الاتهام؟
– أنا أرضى بهذه التهمه وأرحب بها. لأنه إذا كان هناك خطأ فهو خطأ التجريب وليس خطأ الذي يريد الإساءة. خطأ التجريب أو هناك سوء استيعاب، إلى جانب أن عندي جهلا بيَّناً في الفن الغنائي.لا تعلمت الفن الغنائي في معهد ولا الذين غنوا تخرجوا من معاهد.
> كثيرون غنوا لكم عن الأغنية اليمنية كتابات جميلة، نحن هنا لا نقلل من كتاباتكم ولكن نقلنا طرح بعض المهتمين؟
– شيء جميل جداً أن يكون الفنان عنده حساسية، ولكن لماذا الفنانون بدلاَ من أن يكيلوا التهم على الناقد يصبونها عليهم ويتفوقوا،فهذا في يدهم. و”توقيص” الآخرين لا يعطيهم كمالا.
> لدي ملاحظة جديرة بطرحها في هذا الحوار أيضاً، من خلال قراءتي لما كتبته ألاحظ حديثك دائماً عن الغناء اليمني يراوح بين صنعاء وعدن، وبقية المناطق لا تتحدث عنها بالرغم من أن هناك روافد هامة ورئيسية في الغناء اليمني مثل منطقة لحج وحضرموت وما تمثله هذه المناطق من ثقل فني ليس في اليمن بل في المنطقة كلها، الجزيرة والخليج. هل نقول إن هذا تجنٍّ من أستاذنا الكبير؟
– لا. نقول إن العواصم هي مصب فن المناطق كلها، لأن الحضرمي أو اللحجي سيغني في مهرجان في العاصمة، وسيغني من مذياع وتلفزيون العاصمة، والذين سوف يسجلون له مهندسون من عدن أو من صنعاء. فالحقيقة عندما يضرب الواحد المثل من العواصم فلأنها ذات الأضواء الكثيرة وذات الفنون الكثيرة، ولأن الحياة السياسية والأدبية أكثر تطوراً في العاصمة، لأن العاصمة متصلة بعالم تجاري، عالم سياسي، عالم علاقات، عالم دبلوماسي، عالم بعثات وإرسالات.لو أن الغناء الحضرمي في معزل عن عدن أو عن أجهزتها وجمهورها لما كان له قيمة. ولهذا يقال أن الغناء الأوربي لا يشتهر ويدخل منطقة التقويم إلا إذا انتقل من أوربا كلها إلى باريس، كذلك الغناء العربي إذا انتقل إلى القاهرة.
> الأغنية الصنعانية، إذا اصطلحنا على هذه التسمية، وكما هو سائد في الوسط الفني، شهدت تجديدا، وأقصد إدخال آلات جديدة عليها بدلاً من الاعتماد على العود والإيقاع فقط، كيف تقيم تجربة الفنان أبو بكر سالم في”وا مغرد”، “رسولي قوم”، وغيرها على اعتبار أنه من خارج مدينة صنعاء؟
– أنا أقول إن اعتبار المراحل أهم. أنا أتصور أن الأغنية الصنعائية من 1968-1975 أو إلى 1975 تكاد أن تكون أيام ازدهارها وانتعاشها. الأغنية من 1977-1988 تقريباً في صنعاء أو 1986 في عدن كانت مزدهرة بالأغنيات الجماعية، لأن الأغنية الجماعية التي ظهرت في آخر الستينيات وأول السبعينيات في صنعاء قطعت شوطا مهما، مثل “ألا جينا نحييكم”، “يا جبال اليمن يا مناجم ذهبـ”، كذلك “هيا نغني للعملـ”… فأعتقد أن صنعاء من 1968-1975 تميزت بفنون الفرق الجماعية. هذا الفن ما تبلور وطلّعته فرق في عدن إلا من عام 1978 إلى 1986. ثم إن هذا الازدهار لم يحدث في الأغنية الصنعائية فقط، في الأغنية التي تأتي من تعز، في الأغنية التي تأتي من حضرموت، وعدن، في الأغنية التي من لحج. العجيب أن الفن الغنائي سريع الانتقال، ما تكاد أغنية تغنى في لحج إلا وتسمعها بعد أيام قليلة جداً في تعزأو صنعاء، لأن الأغنية إذا وقعت في موقع حاسة الإطراب لا بد أن تجد لها المقلد والمحاكي والمتفوق أيضاً.
> طيب تجربة أبوبكر كيف تراها؟
– تجربة أبوبكر أعتبرها مزيجاً من الخليج واليمن.
> كيف ترى تقديمه لأغنية “وا مغرد” مثلاً؟
– الأغاني التي قلد بها اليمنيون كان دون الذين قلدهم، لكن الأغاني التي ابتكرها ابتكاراً وبذل فيها مجهوداً وأدى لها عدة انسرابات فنية…
> أبوبكر عبدالله أغانيه تمثل اللون والطابع الحضرمي، وغنىّ للكثير من الشعراء في اليمن وحضرموت وفي مقدمتهم حسين المحضار؟
– لا. الأغنية تخرج من ناظمها إلى مغنيها. لا يكاد الناظم يكون له وجد، لماذا؟ لأن الكلمات التي غناها ما حملت التفسيرات وما نقحت إلى أن تصل إلى أداء معين، لكن أوحت إيحاء بأداء وأدت ذلك الأداء ليس عن نظريات علمية.
> أستاذنا، هناك جدل واسع حول هل عدن فعلاً تحتضن لوناً غنائياً خاصا أسوة بالتسميات المشاعة في الوسط الفني؟
– عدن بالنسبة إلى اليمن والجزيرة والخليج كانت تشبه باريس في الغرب أو القاهرة في الشرق. كل الأغاني من بداية العشرينيات إلى الآن وعدن هي التي تسجلها، هي التي تبيع الأغنيات، وهي التي نشرت الأسطوانات. كان في الأربعينيات والخمسينيات في استوديو “جعفرفون” وكذلك جماعة أسمهم جماعة الفرقة العدنية والندوة العدنية. يكاد أن تجد هؤلاء أنهم أول من طور الأغنية التي يجيدها الفرد وبين الأغنية التي تؤديها وتجيدها الجماعة.
> طيب هل يمثل ما قدمه أحمد قاسم وسالم بامدهف واسكندر ثابت وخليل محمد خليل، على سبيل المثال، هل يمثل لونا أو طابعا له نكهته الخاصة؟
– كل واحد له صوته. الأصوات هي التي لا تتشابه كل التشابه ولا يخلو كل واحد من نكهة لكن ليس الجمال الفني وليس الأداء الذي فيه سر نفسي أنه نكهة، لا. النكهة جزء من التقويم.