ما أحوجنا لمسؤول يميز النرجس من الفجل!! – يحيى سعيد السادة

ما أحوجنا لمسؤول يميز النرجس من الفجل!! – يحيى سعيد السادة

إب، ذات الجمال العذري الآسر للقلوب والألباب، لاسيما حين ترتدي ثوبها الأخضر المطرز بحبات البرد والمحاك بخيوط شمس تموز، المتناغمة مع سمائها في تمازج ألوان بديع بين اخضرار الأرض وزرقة السماء. إب الغارقة في نشوة العشق السرمدي، المتجلي في معانقة السماء لها كلما أرسلت زخات من قطرات فيضها لتوقظ العشب النائم، والمدثر بأوراق الخريف، وترشف الأغصان والأوراق برحيقها ليعاود الطير تمرجحه على وقع تمايلها، وتغدق على الأرض، كل الأرض، بفيض عطائها، فيطرب الجدول والغدير، وتضحك لمداعبته السواقي، وتبسم له سنابل الذرة والقمح في المدرجات والسهول.
للطبيعة في هذه البقعة من الأرض طقوسها العجيبة التي قد تحاكي الإنسان في عشقه وغيرته. فالأمطار في هذه المدينة ومحيطها لا تنحصر في ري الأرض والزرع وتغذية الآبار والأحواض فحسب، بل تتجاوزها إلى غسل المدينة من الأوساخ والأدران التي تعلق بها خلال أشهر العام التي ينقطع فيها الغيث. إذ تبدأ هذه المهمة بتكاثف السحب الداكنة وتداخلها بحيث تعمل على حجب رؤية الشمس للأرض فيطبق على المدينة جوٌ معتم، هو الأقرب إلى الليل، ينبئ العارفين بمؤشرات هذه الطقوس بدنو استحمام المدينة الذي يبدأ فور التيقن من أن الشمس باتت عاجزة عن استراق النظر لمفاتنها، وهي في حالة عري. حتى إذا ما فرغت السماء من مهمتها أذنت للسحب بالانقشاع لتهبط خيوط الشمس على عجل علها ترى من مفاتن المدينة ما يمكنها رؤيته، ولترسم في الوقت ذاته صورة أخرى، ومشهدا آخر هو غاية في الجمال والروعة والإبداع حين يُنظر إلى الجبل وقد تحول إلى مرآة مشعة بتأثير أشعة الشمس وعامل المياه المنسابة من ثنايا خصلات قمته المتدحرجة حتى أخمص قدميه المغطاة بمراعي السهل وحقوله ووديانه، وحين يركض الشلال ركض الجياد الغازية فيفرز العديد من الألوان المصحوبة بالدخان الأبيض، قاذفاً كل ما يعترض طريقه فيما يشبه ثورة بركان، وحين تنفض الأشجار من أجسامها كل ما علق بأوراقها وأغصانها من قطرات كي تتفرغ كما هو الإنسان لمشاهدة قوس قزح الحاضن تحت جناحيه كل ألوان الطيف، والذي لا يأبه لنظرات الناس من تحته، حين لا يعيرها اهتماماً، وهو يضع إحدى قدميه على قمة جبل “بعدان” في الشرق، في حين يضع الأخرى على قمة جبل ” التعكر” في الغرب، منسجماً مع دوره المكمل لأدوار عناصر الطبيعة الأخرى التي تسهم جميعها في إنتاج هذه اللوحة الإبداعية والتي تعد واحدة من اللوحات العديدة التي تتشكل في إطار المحافظة خلال فصل الصيف، والتي لا تقل إحداها جمالاً وألقاً عن غيرها.
هذه المساحة من الأرض، الواقعة في إطار سيادة الدولة ومسؤوليتها، بحاجة إلى قراءة متأنية من قبل السلطة المركزية، وإلى نظرة مطولة ذات بعد وطني، بحيث ينتج عنهما رؤية مطابقة لرؤية وقناعة العديد من الوافدين إلى هذه المحافظة، الذين يجمعون على أن هذا الإطار الجغرافي آية من آيات الإبداع الإلهي، غير أنه يعتريه الإهمال والفوضى في العمران، كما يفتقر إلى أبسط مقومات السياحة، نظراً لعدم وجود أية مشاركة حقيقية وملموسة في هذا المجال من قبل السلطة المحلية، بل ومن قبل الدولة المركزية ذاتها. إذ لا يجد الزائر في هذه المحافظة ما يمثل له إبداعا أو جمالاً ساهمت يد الإنسان في إبرازه، بحيث يشكل رديفاً لإبداعات الخالق المتعددة، والتي مازالت بمفردها موضع التأمل والتفكر ومثار إعجاب ودهشة وانبهار الوافدين.
فالاخضرار وخرير المياه، وتعاقب الشمس والمطر لمرات في اليوم الواحد، وتربع العشب الأخضر على الصخر، واعتدال المناخ في الوقت الذي يشتوي فيه الناس في المناطق الحارة، ويتجمد آخرون جراء الصقيع في المناطق الباردة، كلها نعم إلهية لا يد للإنسان فيها ولا مشيئة له في استمرارها أو توقفها. بينما الحدائق والمتنزهات والشاليهات والطرق السياحية والجسور والأنفاق والميادين العامة والأسواق المخصصة لكل نشاط، ومواقف السيارات، والمجسمات الهادفة التي تحكي تاريخ المنطقة وترميم القلاع والمعالم الأثرية، وربطها بشبكة الطرق الحديثة، فضلاً على مرافق الخدمات بين مسافة وأخرى، وموقع وآخر، والتي جميعها لا وجود لها على الأرض، فإنها من صلب مهام الإنسان ممثلاً بالقائمين على حكم وإدارة هذا القطاع الجغرافي.
فعلى مدى ستة وأربعين عاماً، هو عمر الثورة حتى الآن، جرت بعض المحاولات لتغيير واقع هذه المدينة لتصبح سياحية بالفعل، كما يطلق عليها. ففي عام 1986 حاول المرحوم يحيى محمد المتوكل، محافظ المحافظة آنذاك، تدشين أول مشروع سياحي بمحاولته شق طريق في وسط جبل بعدان ذي الصخور الفولاذية، وبإمكانيات ذاتية محلية، ونجح بالفعل بإكمال الشق الأولي حتى منطقة السحول. إلا أن هذا المشروع الحيوي والهام جداً، وُئد بمجرد انتقال المرحوم من المحافظة؛ إذ أصبح عرضة للسيول وما تجرفه في طريقها من أحجار وصخور وأتربة.
كما أن للعميد المتوكل مشروعاً آخر يسمى “منتزه جبل ربي”، المشرف على مدينة إب ووادي السحول، والذي بعد رحيل المتوكل بسبع سنوات من المحافظة زحف عليه العمران من كل الاتجاهات، لتتبدد مع هذا الزحف أحلام هذا المسؤول المتنور، وكذا أحلام الناس في إيجاد مكان يقضون فيه أوقاتهم كلما اشتد بهم الضيق.
محاولة أخرى لرجل آخر يطلق عليه الناس في هذه المحافظة “صاحب اليد النظيفة”، صالح عباد الخولاني، بتدشينه عام 1989 حديقة ومنتزه “مشورة”، حتى وإن كانت محدودة المساحة إلا أنها تعد نواة لأي توسع مستقبلي إذا ما وجد مسؤول متطلع لمثل هذه المشاريع.
جمال الطبيعة في هذه المحافظة، وتفردها على بقية المحافظات في هذا الجانب يقتضي من القيادة السياسية حين تهم بتعيين مسؤول أو ترشيحه للعب دور المرشح الديمقراطي بغية تربعه على كرسي الحكم في هذا الإطار الجغرافي المتميز بسرعة ثراء مسؤوليه وجمال عناصر الطبيعة فيه، أن تتوخى الدقة في الاختيار من حيث مدى تناغم هذا المسؤول مع سحر هذه الطبيعة وجمالها، ومدى تجانسه مع عناصر ومكونات هذه الطبيعة، وما إذا كان هذا المسؤول قد سبق له وأن زار دولاً سياحية، أو دخل حديقة أو محمية طبيعية في حياته. الأهم من كل ذلك ما إذا كان قد أمسك في يده يوماً بغصن نرجس، حتى وإن لم يشتم عبقه، ليتسنى له فقط التمييز بين النرجس والفجل من حيث الشكل، إذا ما تورط يوماً في امتحان كهذا!
[email protected]