عاطف عواد.. وداعاً..!

عاطف عواد.. وداعاً..!

نسمة قادمة من أرض النيل الحبيب

برحيل الصديق العزيز الكاتب القصصي المبدع، عاطف عواد، اختفى عن العين والقلب وجه أليف حبيب بعد معاناة مريرة مع المرض وكفاح أمرّ مع الحياة ومسؤولياتها ومتطلباتها. عاطف تلك النسمة القادمة من أرض النيل الحبيب توقف عن الكتابة وعن الأحاديث المفعمة بالود، وبقيت ذاكرة ناصعة مشرقة، وبقي معها ما يقرب من ربع قرن من الود الحميم والمتابعات المشتركة في عالم القراءة والإبداع. من دون عاطف ستكون الحياة أكثر برودة وعتمة.
عزاءً لمصر التي أنجبته وأمثاله من المبدعين الوادعين الأليفين، وعزاءً لليمن التي اختارها وطناً ثانياً، ولأبنائه الصبر والسلوان.

د. عبدالعزيز المقالح

عاطف عواد.. وذكريات من أحبوه

لقد شكل رحيل عاطف عواد خسارة كبيرة لمن عرفه وعايشه عن قرب، فلا يزال الحديث عنه بعد رحيله صعباً ومليئاً بشجون عديدة. فقد ربطتني به علاقة طويلة بدأت من معرفتي به كصديقٍ عزيز لوالدي رحمه الله، ثم صديقاً لي ولجميع أفراد أسرة آل دماج حتى وفاته.
لقد تحلى الأستاذ عاطف (هكذا كان الجميع يناديه) بصفات إنسانية عالية قلّ أن تجد مثيلاً لها في هذا الزمن المملوء بالنفايات، وكان يذّكرنا برجال الزمان الجميل المخلصين لمبادئهم وقناعاتهم، المتحلين بالصبر والمثابرة وبالنفوس الطيبة والكريمة، فكان نموذجاً للمصري الأصيل “بتاع زمان” الذي لم تهزمه الانتكاسات ولا آلة العصر الحديث ومتطلباته أللإنسانية.
لقد عشق عاطف عواد (اليمن-الأصدقاء) واختارها بلداً لم يغادره منذ جاءه أول مرة عام 1986م ليعمل مدرساً في قراه المعلقة فوق الجبال. وهناك، لم يشعر “ابن الشرقية” بالغربة وهو يعيش بين أبناء الريف اليمني، بل تآلف معهم ومع قضاياهم المختلفة التي كانت تبدو لزملائه المدرسين المصريين غريبة وعصية على الفهم. وبدأ يلتقط رويداً رويدا إيقاع الحياة في اليمن ويسجل ملاحظاته ومشاهداته في شكل قصص وخواطر نشرها فيما بعد. وكغيره من زملائه، كانت قراءته للأدب اليمني تحتل جل اهتمامه فتعرف على المشهد الثقافي عبر مجلة “اليمن الجديد” التي كان يحرص على اقتنائها كل شهر مسافراً من مقر عمله إلى مدينة تعز ليشتريها. وفي “ذي السفالـ” بمحافظة إب، التي كان يدرّس فيها آنذاك، عرف بالصدفة أن الأديب اليمني زيد مطيع دماج، الذي قرأ له كثيراً، يتواجد تلك الأيام في قريته بـ”النقيلين” التي تقع في الجهة الأخرى من جبل “التعكر”، فقرر زيارته للتعرف إليه. ومنذ ذلك اليوم بدأت رحلة صداقة وطيدة وطويلة تعرف من خلالها عاطف عواد على معظم أدباء اليمن وفنانيه ومبدعيه. وهكذا أصبح عاطف عواد صديقاً للكثير من الأدباء اليمنيين خاصة أولئك الذين يجمعهم عصر كل يوم مقيل شاعر اليمن الكبير الدكتور عبد العزيز المقالح بصنعاء، التي انتقل للعمل والاستقرار فيها مع أسرته.
وعن أدباء اليمن، كتب عاطف عواد الكثير من المقالات والاستطلاعات الصحفية التي كان ينشرها في عدد من الصحف والمجلات العربية، إضافة إلى موافاة صحيفة “أخبار الأدبـ” المصرية بأخبار المشهد الثقافي والفني في اليمن عندما كان يعمل مراسلاً لها في اليمن. إلى جانب كتابته للقصة القصيرة حيث نشرت له مجموعتان قصصيتان تنوعت فيهما المواضيع القصصية والأساليب السردية. ويستطيع المتتبع لهذه الأعمال، وخاصة تلك التي كتبت في الآونة الأخيرة، أن يلاحظ أن عاطف عواد استطاع أن يرسم له أسلوباً كتابياً خاصاً به، كان حريصاً أن يطوره بتقنيات جديدة ويخضعه لتجارب سردية غير مألوفة.
وعلى الرغم من قسوة الحياة والظروف الصحية والمعيشية الصعبة التي عاشها عاطف عواد خلال السنتين الأخيرتين، إلا أن نفسيته المرحة المفعمة بالأمل والتواقة للمعرفة لم تتأثر، فقد ظل مبتسماً مازحاً مع أصدقائه كما استطاع أن يتعلم استخدام الكومبيوتر وأن يبحر في عوالم الانترنت التي أدهشته كثيراً، وظل على إصراره بعدم مغادرة اليمن التي أحبها رغم نصائح الكثيرين من أصدقائه وإلحاح أسرته… فكان يقول بلهجته (الشرقاوية) مازحاً: “أسيب اليمن!! أهو ده إللي مش ممكن أبداً”. 
رحم الله عاطف عواد، الذي رحل مخلفاً ورائه أسرته وأصدقاءه وكتاباته وذكريات حميمية مع كل من التقى بهم وأحبهم… وأحبوه.

د. همدان دماج

النورس المصري الذي عاش عزيز
 النفس، مقاوماً حاجة السؤال!

ورحل الإنسان الذي أحب اليمن، عاطف عواد، الكاتب والقاص المصري- اليمني الهوى، هذا الرجل الذي عرفته عن قرب، ظل طوال تواجده في اليمن متواجداً بقلبه وروحه وإنسانيته يقدم للآخرين دروساً في الحب والأخلاق والسمو، مدرساً وقاصاً ونبراساً مهاجراً، معتزاً بنفسه وقضيته ومناضلاً في محراب العيش الكريم. وعاطف القادم من أرض “الكنانة”، وبالتحديد: الشرقية، عاش مكافحاً ليعيش، متنقلاً بين مدن ومناطق يمنية مختلفة، شغوفاً بحب الاطلاع على الثقافة اليمنية ورموزها، فكتب في صحيفة “أخبار الأدبـ” المصرية عن الكثير منهم أمثال: الروائي محمد عبد الولي وزيد مطيع دماج، والدكتور عبد العزيز المقالح.
منح عواد وقته لخدمة اليمن خلال 28 عاماً ودفن فيها حسب وصيته.
أكتب الآن عن عواد وأجدني عاجزا عن إنصافه بالقدر الذي يستحقه، من لا يعرف تفاصيل قاسية في حياة عواد فإن سنوات وشهوراً من المعاناة والعذاب المرير نالت من جسد الرجل الإنسان، فذاق قسوتها، لكنه لم يستسلم لها. كان دائماً، وخلال عمله مراسلاً لصحيفة “أخبار الأدبـ” المصرية بالإضافة إلى نشاطه الصحفي في أكثر من صحيفة يمنية أكثر صلابة أمام حاجة السؤال، عزيز النفس، متمتعاً بقناعة ورضا ما يحصل عليه من أجر يسير.
في أواخر 2002 جمعتني بعواد رحلة سياحية ممتعة إلى منطقة “حراز” (40 كيلو متراً غرب العاصمة صنعاء) برفقة الأديب العالمي “غونتر جراس”، وصحفيين وأدباء يمنيين وعرب وأجانب كثر، ومنذ ذلك التاريخ ظللت على تواصل معه بين الفينة والأخرى، فكنت كلما ألتقيه يبادرني سباقاً ” إزيك يامحمد.. إزاي أهل إب و القات الصهباني (كناية عن شهرة القات الصهباني)؟” مذكراً أنه عاش وأسرته الفترة الأجمل في مناطق من محافظة إب، شارحاً لي تفاصيل زيارته لكثير من الأماكن الأثرية الهامة.
 أتذكر الآن، عندما كنت ألتقيه في كل مرة على ناصية شارع ما من شوارع العاصمة وهو يقطع المسافات راجلاً بسبب ظروفه المادية، وينتابني حزن وألم شديدانِ كيف حورب من أبناء جلدته في الملحقية الثقافية (السفارة المصرية بصنعاء) حينما أراد أن يشارك في صحيفة “الكنانة” فترك العمل ومضى غير آسف، مؤمناً كما كان يقول لي “الله كبير يا محمد”.
يا الله! كم أنا حزينٌ يا عاطف على رحيلك!

محمد الصهباني

أدرك راحته!

مؤلم أيّ إيلام أن يُنعى مثل الأستاذ عاطف عواد. بيد أن لنا بعضاً من عزاء، نستجديه من كون الفقيد أدرك راحته وخلاصه أخيراً، من تعب مركّب، وعناء متعدد الوجوه، مختلف الجوانب.
وإني إذ أبكي به إنساناً حقيقياً، أعلم أنه الآن انتأى بنفسه عن عالم متخم بالزيف. وأبكي به أنموذجاً في الطموح والإرادة والمثابرة والكفاح، وأعلم أنه نبا الآن عن محيط مكتظ بالعوق والإحباط. أبكي به صديقاً ودوداً رقيقاً “أرق من النسمة” (قالها لي ذات مقيل)، وأعلم أنه تحرر الآن من أوجاع واقع ثمل بالتوحش والوحشية. أبكي به قلباً أحب “وطنَيه” (مصر واليمن) كما ينبغي للحب أن يكون، وأعلم أنه الآن نال وطناً كما ينبغي للوطن أن يكون. لكني سأبقى أبكيه والداً حنوناً آلمه وشق عليه وقض مضجعه أن ناء أبناؤه (البنات على وجه الخصوص) بأثقال “الغربة” في وطن تغرب فيه ومنه حتى مواطنوه. وفي هذا الصدد أملنا كبير في أصدقاء الفقيد، وفي مقدمتهم الدكتور المقالح،صديقاً للفقيد ووالداً للجميع.

وليد مانع دماج

عواد راثياً زيد والربيع

إني أشفق عليهم.. قالها زيد مطيع دماج، قالها وهو في النعش على السيارة الصاعدة الى مثواه الأخير في قريته.. كنا حوله، كثيرين لا حصر لنا، وكنت أواسيه.. أحاوره.. وكانت السيارات تئز فوق صخور الطريق الصاعد الى (النقيلين) قرية «زيد مطيع» في أعالي جبال (النجد الأحمر) بمحافظة إب أرقب ابتسامته لجموع البشر الواقفين تحت لهيب الشمس.. وظننتني سمعته يقول: من الذي أرغم هذه الحشود على الوقوف طويلا من أجلي?.. ألا يعرف أنه يؤلمني?.. كل هؤلاء الناس فوق تجاعيد الصخور وتغاويرها.. على جانبي الطريق.. عند رؤوس الجبال?.. كيف استطاعوا حفر قبري في هذه الصخرة? إني أشفق عليهم.. أتعبتهم.
«زيد» يا صديقي لا أسمعك.. أما تسمع معي هذه التهاليل التي تصم الآذان.. انهم يهتفون: لا إله الا الله، زيد مطيع دماج، في ذمة الله
ورحل.. الذي رحل وعصاه على كتفه.. والذي قال في أعماله أشياء كثيرة عن حياتنا وعواطفنا وأمنياتنا واوجاعنا اليمنية والعربية.. وربما كتب الأكثر عنا في: “مبخوت اليمن”, “جسر الى السيلـ”, “مقتل الفقيه مقبلـ”, الأخوة “أبناء علي مصلح”, “محافظ في الأرياف”, “المدرسة الأحمدية”، تلك الأعمال التي لم تنشر بعد، وهي بلاشك سوف تكون قد امتلأت بالأسرار والابداع.

> من مقال طويل عن أدب زيد مطيع دماج – مجلة “نزوى”

يرثى الربيع

يوما ما كتب عبداللطيف الربيع: “يوم الجمعة أغتسل من نفسي/ وأتعطر برائحة المقبرة/ أنا خشب الخطيئة”. حينها ترقب اليمانيون قصيدته التالية، غير أنه فاجأهم، بأن رحل، وكان غيابه في يوم جمعة.
ورحل ابن آل مغموم، يوم الثاني والعشرين من شهر ابريل عام 1993م، ذلك اليوم الذي كان يشهد فرحة اليمانيين واستعدادهم، وكان هو كذلك، لممارسة أولي خطوات الديمقراطية في اليمن، اذ كان يوم 27 ابريل هو يوم انتخاب اول مجلس نواب علي هذا النحو في اليمن بعد توحيد شطريه، وقبل ذلك أيضا!.. وكان عبداللطيف الربيع أحد الأصوات البارزة، والواعية، التي عملت طويلا بالكلمة الصحفية، والقصيدة، ولوحة الرسم التشكيلي، من أجل الوحدة والديمقراطية، فكان متعدد المواهب والأنشطة والحضور، وعليه كان يجمع مثقفو اليمن والمبدعون، وبحب شديد!’.
عبداللطيف، أيها الربيع.. أهكذا؟
أجل هكذا، مات عبداللطيف في أواخر عقده الرابع، رحل بشكل مفاجيء.. سكت عن القصيدة واللوحة والفكرة الجميلة التي امتاز بإلتقاطها، بعد أن كان يملأ اليمن حيوية وآمالا، وأحلاما للبسطاء.

> من ملف أعده عواد لصحيفة أخبار الأدب عن عبداللطيف الربيع