نافذة.. مش معقول – منصور هائل

نافذة.. مش معقول – منصور هائل

تمجيداً لفخامة البلاهة سنظل أسرى لما نقول إزاء ما يحدث وما نشهد ونعيش: مش معقول!
اعتقال الزميل محمد المقالح من قاعة المحكمة لمجرد أنه ضحك بسبب فيزيولوجي ومحض لم يمكنه من كبح سرعة استجابته للمثيرات التي ضربت على مفتاح الضحك في دماغه في حين قامت بتشغيل قرص البكاء المضغوط لدى غيره من الحاضرين في القاعة.
مش معقول!
اعتقال الزميل عبدالكريم الخيواني على ذمة تهمة لم توجه إليه، وإيداعه السجن المركزي دون سند من قانون، ثم الحكم بسجنه لستة أعوام بناء على منطوق حكم لم يشتمل على وصف النفاذ المعجل بشهادات جموع الحاضرين في قاعة المحكمة بكاميراتهم ومسجلاتهم وقواهم العقلية التي توافقت على أن الحكم كان من ست عشرة فقرة.
مش معقول!
قيام النيابة العامة، بعد انقضاء أسبوعين من النطق بالحكم في جلسة علنية، بإبلاغ هيئة الدفاع عن الخيواني «بأن الحكم مشمول بالنفاذ المعجل»، ما يعني أن الأمر انطوى على إضافة فقرة، وصار منطوق الحكم من سبع عشرة فقرة بدلاً من (16)، وكأن الفقرات تتوالد وتتكاثر في «الغدرة»!.
وإذا كانت المحكمة وقاعتها هي المسرح الذي احتدمت فيه الوقائع التراجيدكوميدية بالنسبة للزميلين الخيواني والمقالح، فقد كان من المأمول أن تعمل السلطات على ضبط مجال اشتغال اللامعقول أو التحكم بتنويعاته، وهي قادرة على ذلك من واقع خبراتها الطويلة والعتيدة في الاعتباط والعشوائية.
ولكن، وعلى العكس من المأمول، تأكد للعيان أن اللامعقول حالة مستحكمة وحاكمة، بل نهج ثابت من البهلوانية والاعتباط والخصوبة والعربدة القاصفة في المنحى الذي يبدو معه كل شيء: مش معقول.
اعتقال خبير القانون الدولي المحامي المعروف والناشط البارز في مجال الدفاع عن الحريات وحقوق الانسان د. محمد علي السقاف، من مطار صنعاء، وبالأحرى من الحافلة الخاصة بنقل الركاب إلى سلم الطائرة، ومنهم الدكتور السقاف وزوجته، واقتياده إلى سجن البحث الجنائي!
مش معقول!
اعتقال المحامي الذي اختارته قيادات الحراك الجنوبي التي ترزح في معتقلات صنعاء وبالتحديد القيادي الأبرز حسن باعوم، وما يطلق هذا الاعتقال من إشارات ورسائل للمعتقلين في السجون وفي نكايا السياسة بصنعاء وفي الداخل والخارج.
مش معقول!
أن تجد سلطة مستعدة للتطويح بالكرة الارضية في سبيل البقاء، بينما تقدم على أفعال وارتكابات «نموذجية» لا يقدم عليها إلا من يصر على إقناع العالم بأنه لا يستحق البقاء.
وليس ثمة ما يفرق بين هذه السلطة وسلطة دعينا لها، وعدم مقدرتنا على الامساك بالخيط الرفيع الفاصل الذي يشير بالقطع إلى أن صاحب هذا القلم وأضرابه منخرطون حتى الثمالة في ال: مش معقول.
ما هو المعقول اذن؟ ماهو المعقول اذا كانت كل هذه الوقائع المتدافعة غير معقولة؟ هل هي حالتنا الذهنية وحدها معقولة أو ما استقر ووقر فيها من خلال المقرر في الفصل الرئاسي والكتاب والدفتر؟
ولكم أن تقولوا إنها حالة «المعلم» الذي تملكته سلطة عادة إنكار ما يرى والتعامي عن القمامة والقماءة والعفن والانحطاط، لأن المقرر في «المنهج» الذي يقوم بتدريسه لطلابه يقنعه بأننا الأفضل والأنقى في هذه الدنيا، وأن هذه الفظاعات والبشاعات والكوارث التي تحف بنا وتلتحفنا وتستقبلنا، وتستدبرنا ليست أكثر من «سحابة صيف»، وهي: مش معقول!
والواضح من كل ذلك الـ«مش» أننا بلا عقول وأن المسافة التي تفصلنا عن عتبات التعقل والعقلانية، بل التدبر السياسي العقلاني للأمور لازالت شاسعة شاهقة، ومن هنا كان كل هذا التخريف والتجديف وما إلى ذلك من علامات التلبّك المصاحبة لمجتمعات ما قبل الحداثة والدولة واللامعقول.
[email protected]