حديقة الحيوان اليمنية! – حسن عبدالوارث

حديقة الحيوان اليمنية! – حسن عبدالوارث

في جُلِّ بلاد الدنيا ثمةَ حديقة للحيوان، لها أسوار وأبواب وحرس، ينتظم في دخولها الزائرون بتذاكر مدفوعة الثمن..
في اليمن، حديقة الحيوان بلا أسوار ولا أبواب ولا حرس، والمشاهدة فيها بلا تذاكر ولا ثمن..
إنها حديقة حيوان مفتوحة على الجهات الأربع، وكل من فيها لا يمشى على أربع، وفيها الحيوان في لبوس بشري ولسان آدمي، بَيْدَ أن سلوكه حيواني.
فيها الماشية.. وهي تمضغ عشباً أخضر طوال الوقت حتى تنتفخ أوداجها كطبول القبائل البدائية في أعالي الأمازون. غير أنها – إثر مضغها هذا العشب “السحري” – تٌكثر من الحديث، ولكنه حديث كالسكوت.. وتٌكثر من الأفكار، ولكنها أفكار كالحصى.. وتٌكثر من الأحلام، ولكنها أحلام كالأضغاث، تخلفها كوابيس كأفلام الرعب الأمريكية!
وفيها الببغاء.. وهي تثرثر طوال الوقت، وتهرف بما لا تعرف، وتُردد كل كلام وأي كلام يُقال على مسامعها، فهي لاتُجيد سوى الحفظ الأجوف لمردود الكَلم والترداد الأحمق لمحفوظ الأذن، وهي بذلك جديرة برئاسة تحرير “وكالة أنباء” قالوا: تُعيد وتزيد في الكلام.. فالإشاعة لديها كالحقيقة، والحديث الغث كالسمين، والضعيف كالمتين.. المهم لديها أن تظل نافورة الكلام في حالة شغل دائم!!
وفيها النعامة.. وهي أحمق الجميع، برغم أن أجدادنا أوردوا في موروثهم الأثير قولهم: “أحمق من ذبابة”. غير أن النعامة نالت الكأس في دوري الحماقة.. فهي- كما يعرف القارئ وأنا فقط – تدفن رأسها في الرمال إذا شعرت بخطورة الموقف، اعتقاداً بليداً منها بأن إخفاء رأسها عن مصدر الخطر يوازي مواراة جسمها كله، وهو ما يؤدي إلى وقوعها في حفرة الهلاك الناجز. وكل الحيوانات تحمل بطاقة واحدة هي: الشخصية، إلاً النعامة فتحمل غيرها بطاقة ثانية هي الحزبية!!
وفيها الحرباء.. وهي أكثر حيوانات الحديقة إثارة للحيرة في نفوس المشاهدين.. فكل يوم تقوم بتغيير لونها، ما يجعلهم عاجزين عن تحديد لونها الأصلي.. وكل يوم تقوم بتغيير مكانها، ما يجعلهم حائرين في معرفة مكانها الأساسي. وإذا كانت النعامة تحمل بطاقتين معا ً، فللحرباء عشرات البطاقات وجوازات السفر، وعشرات الأسماء والصفات، وعشرات العناوين والمهن!!
وإثر زيارة الشاعر المعروف احمد فؤاد نجم لحديقة الحيوان، وقف طويلا قبالة الحرباء، وإثر مغادرته سطَّر قصيدة ملحمية في وصفها، اختارُ من أبياتها:
“يتمركس بعض الأيام
يتمسلم بعض الأيام
ويصاحب كل الحكَّام!”.
وحديقة الحيوان اليمنية ليست حكراً على هذه الحيوانات فقط، إنما ثمة عديد منها، متعدد الأشكال والألوان والأجناس والأحجام والصفات والوظائف..
فثمة البطريق.. وهو “منفوخ على الفاضي”..فهو طير لكنه لايطير.. وبرغم ذلك تراه يسير كأبي زيد الهلالي او أميتاب باتشان!!
وهناك الخنزير وابن آوى.. وكلاهما لايطيب له المقام والقوت إلاَّ في مقلب القاذورات!
وهناك الغراب والبوم.. وقد أصدر الأول صحيفة، ومنع الهدهد من العمل فيها.. فيما أسس الآخر حزباً، وفصل الصقر من مكتبه السياسي.. وراح الاثنان يكيلان الشتائم لجميع حيوانات الحديقة.. وذات يوم، لم يجدا من يشتمانه، فشتما بعضهما!
اما الفيل المسكين فقد تقدّم بطلب إلى إحدى الغابات الإفريقية لمنحه حق اللجوء النباتي، بعد أن نهشه الجوع لانقراض كافة أشجار البامبو، وفُرض عليه أكل الكورن فليكس!
وفي الوقت الذي رفض أُحادي القرن الدستور الجديد الذي أقرَّه برلمان الحديقة، لأنه يشيع أجواء التعددية، ترشًح الحمار لمنصب زعيم الحديقة، لكنه لم يحصل – في الانتخابات التي أُجريت لهذا الغرض – على ايِّ صوت، فقد أعطى صوته للأسد!
وثمة الحمام الزاجل، وكبراهن ترأس جهاز المخابرات في الحديقة. فيما عُيِّنَ الذئب رئيساً لمنظمة حقوق الحيوان، وهاجر السنونو مؤخراً لحصوله على عقد عمل في حديقة خليجية،.. وغادر الحمار الوحشي الى العراق للجهاد ضد “الحمار” الأمريكي و “الأسد” البريطاني و”الكنغر” الاسترالي!
وهناك التمساح.. وهو المسؤول عن الشؤون المالية في حديقة الحيوان!
وفي مسابقة أقيمت لاختيار ملكة جمال الحديقة، فازت الغوريلا باللقب، وجاءت اللبوة والكوبرا وصيفتين للملكة.. فيما نالت أنثى الطاووس أقل الدرجات!
وفي المؤتمر التأسيسي لمجلس شورى الحديقة، تم إقرار مصفوفة من المشاريع الإصلاحية لرفعها الى البرلمان، من بينها: بيان إقرار ” الدَّمَّة”.. والفصل بين الوجبات.. والتداول السلمي للقفص!
وعينِّت الزرافة ناطقاً رسمياً باسم حكومة الحديقة، والكناري مستشاراً لشؤون الدفاع والأمن، والسلحفاة رئيساً للمجلس الأعلى لخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية!
الحيوان الوحيد الذي يرفض التعليق على اي ِّ حدث او حادث يقع في الحديقة هو ” الباندا”.. غير انه خرج مؤخراً عن صمته الرهيب، وصرّح لوكالة الأنباء الحيوانية الدولية (zoo) قائلاً: ” ليس بالإمكان أفضل مما كان”!
ولمتابعة مجريات مونديال كاس العالم – المقام بعد يوم غد في عدد من الحدائق الألمانية – تم تركيب شاشة عملاقة في قلب الحديقة.. وقد جرى التحفُظ على الفار احترازياً، خوفاً من إقدامه على إتلاف الشاشة!
فالفار قد أتلف كل ما صادفه من أموال ونقود وأوراق وعقود ومنشآت وسدود.. وبرغم ذلك يُشاع أنه مرشح لحقيبة وزارية هامة في الحكومة المقبلة!
وهناك الغزالة.. غير أنها – للأسف – ترقد حاليا ً في غرفة العناية المركزة بمستشفى الحديقة، بعد أن تعرضت مؤخرا ً للاغتصاب من قبل الضبع!
وثمة الثعلب.. وهو يتمتع بنفوذ قوي في الحديقة.. وإلى جانب مناصبه العديدة، حظي مؤخراً بمنصب رئيس مجلس إدارة مؤسسة الدواجن!
وهناك القرد.. وهو يقضي النهار بطوله في حالة ” تنطيط” بين الأشجار والأحجار.. وفي حالة ” قهقهة” على كل شاردة وواردة من كلام او حركة!
وثمة الثعبان.. وهو المسؤول عن شؤون الصحة والعافية في عموم الحديقة!
وهناك الدب. ولأنه يجهل القراءة والكتابة، فقد صار مستشاراًً لشؤون التربية والتعليم والثقافة والإعلام والبحث العلمي ووكالة الطاقة الذرية!!
أما ذبابة التسي تسي.. فقد ترشَّحت لعضوية برلمان الحديقة، ونجحت بأغلبية ساحقة!!
——————-
[email protected]