دفاعا عن العلاقات اليمنية السعودية ضد خطاب الدولتين – نبيل الصوفي

دفاعا عن العلاقات اليمنية السعودية ضد خطاب الدولتين – نبيل الصوفي

بعيداً عن الماضي والمستقبل.. الرؤية لإدارة الحاضر هي الحل

ليس ثمة شائك في السياسة اليمنية كملف العلاقات اليمنية السعودية، التي عاشت تعقيدات كبرى، ودفعت ثمن اشتباك الأحداث اليمنية مع خلافات دولية لا ناقة لليمن فيها ولاجمل، من قيام ثورة سبتمبر التي تحولت مناصرة مصر عبدالناصر لها إلى مشكلة بسبب الخلاف بين الأخيرة وسعودية الملك فيصل، إلى إعلان جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية التي أعلنت نفسها حليفا للمعسكر الشرقي، وماتلاها من حرب دولية حول مصالح القطبين…
ومع عدم إغفال الصراع اليمني السعودي ماقبل قيام الجمهورية في الأولى، فقد كوَّن تفجر الخطاب الثوري في اليمن، مع تفجر آبار النفط في السعودية، مشكلة إضافية. وتزامن ذلك مع معضلة أكبر من اليمن والسعودية، تتعلق برؤية قيادات العالم العربي لبعضها البعض. إذ ظلت القيادات العربية تستفيد من الشعور العروبي بالدولة الواحدة لتعطيل تجذر الخصوصية القُطرية، كما حدث في كثير من مناطق العالم من ألمانيا وفرنسا، إلى الهند وباكستان. ولم يكن هذا السلوك النرجسي لدى الحاكم العربي خاليا من طموح في الاستيلاء على حصة الحاكم الآخر. ويمكن ملاحظة ذلك سواء في طريقة التعامل المصري مع السودان، أم فيما تجلى في كارثة احتلال الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين لدولة الكويت.
كل تلك العوامل وغيرها، جعلت من العلاقة اليمنية السعودية ملفا شائكا، لتتحول الجيرة من إمكانيات للدعم المشترك إلى منطقة ملتهبة تهدد الجميع وفي كل وقت.

ومع إنجاز دولة الرئيس عبدالرحمن الإرياني ملف المصالحة اليمنية الذي كان نزعا لأول ملف ملتهب في دولاب تلك العلاقات، فقد كان عزوف القاضي –الشخصي- عن دعم تلك العلاقة تحت ضغط الاختلافات المنهجية المستندة إلى فكر ديني بين قضاة اليمن والمؤسسة الدينية التي كانت ذراع الدولة الحديثة في الشقيقة الكبرى، قاد إلى سقوط فرصة مهمة لتحسين إدارة تلك العلاقات. ومع تحديات حماية الخليج والجزيرة من شطحات اليسار الذي سيطر على الجنوب الذي ظل يفقد مع كل محطة صراع عقلائه ورجال الدولة فيه؛ فلقد فقد اليمن الشمالي قدرته على حماية سيادته، بحكم الضعف الذي ظهر في دولة الإرياني-أول وآخر رئيس مدني للشمال واليمن الواحد. ومع الإيجابية التي تحققت من حماية الشمال من سطوة العبث الصاخب الذي حكم الجنوب، فقد أدت إلى خلل عميق في أداء الشمال أو الجنوب، اللذين فقدا خطابهما وخبرتهما وبرامجهما التي تكونت تاريخيا مع الجنوب (أفريقيا) فتوقف الاهتمام اليمني بما كان أثمر لديه تغييرا، كالتجارة والتعليم التي قدمت على «صنابق» الترحال من الصومال أو جيبوتي، وانشغل بمتطلبات المعارك الجديدة، التي فرضتها العلاقة بدول نفطية من جهة (والنفط ليس اقتصادا أفقي الإدارة) ثم إنها دول ذات أولوية مختلفة عالميا ضمن معارك الحرب الباردة. وزاد الأمر سلبية أن فقدت القاعدة الاجتماعية التي تكونت ضمن سياق العلاقة بالتجارة والتخطيط الاقتصادي من سكان الساحل الجنوبي والغربي لليمن، وزادت فاعلية القاعدة الاجتماعية للحرب وفقا لحاجة الدولة اليمنية وصراعاتها الجديدة.
ومن هنا ارتبطت العلاقة اليمنية السعودية بجملة متغيرات عاصفة للداخل اليمني، فيما ظل الداخل السعودي غير متأثر بهذه الإختلالات حتى تسلم “اليسار الجديد” الراية، وأقصد به جماعات العنف ذات الخطاب الإسلامي، سواء كانت القاعدة أو غيرها من التكوينات التي صارت تمثل قلقاً للسعودية بحكم أنها تستثمر عجز اليمن عن حماية أطول شريط حدودي تطل عليه المملكة.
وعجز اليمن على الحدود، لم يكن ابن يومه، ولا هو رغبة يمنية في إيذاء المملكة، لكنه ليس إلا أحد تجليات الإرباك الذي عاشته اليمن خلال عقود منذ اغتيال الإمام يحيى رحمه الله في 1948م، وكانت أجندة العلاقات اليمنية السعودية، بل والرؤية اليمنية وإدارتها للعلاقات الخارجية أجمع أحد هذه التجليات.

مجلس التنسيق اليمني السعودي.. هل هو حل؟
وبدون عناء يمكن القول أنه وحتى مجلس التنسيق اليمني السعودي فإنه ليس إلا أحد إفرازات تلك الرؤية المأزومة للعلاقات بين البلدين.
وأنا هنا لا أريد أن أدين أحدا، لا اليمن ولا السعودية، ولكني أساهم كمواطن في نصيحة البلدين إن أرادا فعلا علاقات تصب لصالح كل منهما، أن يفكرا –لا في الماضي وتوزيع حصص المسؤولية كل على حسب دوره، ولا في المستقبل وتدبيج الأمنيات عنه- بل في الحاضر والحاضر فقط ؛ إذ الحاضر حين نرقبه يجمع مرة أخرى تفاصيل كل تلك الإرباكات القديمة. تحديات حقيقية من جهة، وغياب رؤية من جهة أخرى. وفي اعتقادي إن الخطابات التي تدبج أثناء اجتماعات مسؤولي البلدين، هي التعبير الأبرز عن المشكلة وليست تعبيرا عن أي جدية في حلها. هذا في الغالب مع وجود قليل من الجديد الذي يمكن ملاحظته، إن لدى قيادة اليمن أو لدى قيادة المملكة. وأظن أنه لو تم التركيز على هذا “القليل من الجديد” لتمكنا من إنجاز الكثير.

اجتماعات المكلا، نموذجا..
إن من يراقب الخطاب العام لاجتماع الدورة ال17 لمجلس التنسيق في مدينة المكلا، تتبدى له المشكلة.
أنا لا أتحدث عن تسريبات، مهما كانت أهميتها وخطورتها، فهي مجرد استمرار للمنهجية المتوجسة التي حكمت علاقات اليمن والسعودية طيلة الفترة الماضية، وهي ما ننتقده هنا.
إن مشكلة تلك العلاقات ليست رغبة القيادة السعودية في “إبقاء اليمن فقيرة إيفاء بوصية قديمة”، ولا حرصها على “اقتطاع حضرموت”. ولا في “نخوة اليمن”، وبحثه عن “الاستقلالـ”.
ليعفني القارئ من أي حديث عن هذه وتلك، فليس هذا ما أريده، الذي أريده هو القول أن مشكلة هذه العلاقات هي أن الرؤية لها لا تتجدد إلا في الخطاب الإعلامي العام الذي تتصادق قيادتا الدولتين اليوم فيتم الحديث عن الشراكة والعروبة، واهمية اليمن لمجلس التعاون، وتختلفان فيخف كل شيء، هذا إن لم يطفُ على السطح حديث عن مشكلات تهريب السلاح، والرد عليه بتهريب العمليات الإرهابية، وعدم قدرة اليمن على التأهل للتعاون مع الخليج. لكن حين تبحث عن التفاصيل تجد كل شيء على حاله القديم، مؤمنا بحكايا الجدات، ملتزما للمخاوف والمحاذير، مغرورا بالقدرات الهائلة لارتفاع أسعار النفط، ساكنا في قاع الجهل في كيفية تحويل تحديات مابعد ال11 من سبتمبر إلى إنجازات يهزم بها الإرهاب وبذوره سواء تلك الساكنة في شارع الفقر و”الزنقلة”، أم التي تشربت مفاهيم الأحادية، والعدوانية.
إن خطاب البلدين تجاه علاقتهما، تكتفي بالدعاية الفجة: السعودية تحاول القول أنها ستحيي الأرض اليباب في اليمن، ثم تجمع أرقام ما ستقدمه فإذا به اقل من دعم شخصي ظلت المملكة تتحمله لأشخاص في طول البلاد وعرضها نظير لاشيء استراتيجيا لا لها ولا لليمن.
واليمن تضخم فائدتها المادية من العلاقات الحالية، لتقدمها إنجازات للداخل الذي يرى الجعجعة ولا يجد الطحين. وتتجاهل السؤال الأهم الذي ينتج عن هذا الخطاب: هل تطلب حكومتنا من المملكة العودة إلى تحمل تمويل الموازنة العامة للدولة؟ كما كانت تفعل قبل الحديث عن منجز “تحرير الإرادة السياسية اليمنية من السيطرة الخارجية”!! وهل يعد هذا الخطاب اعتذاراً عن ذاك؟
لقد كانت الرؤية اليمنية للعلاقات مع السعودية خاطئة، وعليها اليوم أن لا تنقض الخطأ بخطأ آخر، فالأخطاء لاتصحح بمجرد تصحيح اتجاهاتها.
إننا في اليمن اليوم معنيون، بتغيير رؤيتنا للمملكة والكف عن مطالبتها ببناء المدارس والمستشفيات وبمنحنا فيزات وتأشيرات دخول وباستيعاب العمالة (الرخيصة) وبتوجيه سياسي لرجال الأعمال فيها للاستثمار في اليمن، فالقطاع الخاص لايكون خاصا إلا بفقدانه حاسة التوجيه السياسي، وارتفاع حاسيته تجاه الفرص. فمثل هذا الخطاب يقلل في الحقيقة من الإنجازات العملاقة (اتفاق ترسيم الحدود) وهي بركان المشكلات أو متنفسها، إذ تفقد الإنجازات العظيمة عظمتها إن لم تؤد لمثلها.
لذا على اليمن: أولا، أن تصيغ رؤية جادة للاستفادة من جيرة مهمة، وظروف أهم، إن على مستوى الضغط الدولي –الأميركي البريطاني- عليها بتحمل دور في مساعدة الدولة اليمنية، أو على مستوى حاجة المملكة لجار بدولة تتحمل مسؤوليتها في كل الظروف من الحدود إلى الحدود، أو على مستوى تطور الاقتصاد الأفقي –غير النفطي- الذي بنى مناطق عملاقة في المنطقة وهو مال سعودي في الأساس. يمكن هنا الإشارة إلى أن دبي ليست إمارة نفطية، وماليزيا ليس فيها نفط بالمرة.
ولكل من هذه المعطيات حاجاتها، يمكن هنا أن يطلب من قيادة المملكة خاصة مع الجدية التي يظهرها الملك عبدالله في تسجيل بصمة حضور خاص لعهده في حياة المملكة والمنطقة بل والعالم، عبر توجهه شرقا لاستكمال العلاقة بالغرب وليس للهرب منها، يطلب منها أن تساعد اليمن في توفير بعض هذه الاحتياجات. علما بأنه لا السعودية ولا الخليج، ولا العالم كله قادر على حل مشكلة غياب الرؤية طالما واليمن دولة مستقلة. القضية إما أن تجدّ الدولة اليمنية ورئيسها وأركان حكمه في إنجاز الرؤية، وإما أن نبدأ عهدا مرهقا يتطلب علينا فيه فقدان استقلالنا حتى ينجز لنا الآخرون رؤية ثم يدعمونها.

وللمعارضة عتاب
حين تكتفي المعارضة -أي معارضة- بالفرح أو التندر بأخطاء قيادات دولها خاصة التي تحكم ولو شكليا بآليات محددة المشروعية دستوريا، فإنها تكف عن أن تكون بديلا سياسيا. إذ الخطأ من هذه القيادات لن يسهل إسقاطها دون المواعيد الدستورية، والتندر لن ينقذ النظام السياسي الذي طالما وهو يعطي مشروعية للتعددية فهو إنجاز للجميع.
إن تخبط السلطة في بلادنا في إدارة العلاقات الخارجية، وغياب رؤيتها –على خطورته- يحميه تنازل المعارضة لها عن هذا الملف.
المعارضة السياسية مثلما لم تشر في أي من بياناتها إلى تكرار فشل اليمن في التأهل لدعم صندوق الألفية، فإن لقاءات كقمم دول تجمع صنعاء، أو مؤخرا دورة مجلس التنسيق اليمني السعودي، وغيرها تبدو وكأنها متنازلة برضاها وليس فقط بسبب تجاهل السلطة لها، فمكافحة التجاهل يتحقق ولو ببرقية.
صحيح إن كثير مما حققته اليمن على الصعيد الدولي يعد إنجازات خاصة للرئيس صالح، ولكن ليس من حق من ينجز شيئا أن ينقضه.

———————-

[email protected]