الراعي وقصة ثورة وثوار (2) – عبدالباري طاهر

الراعي وقصة ثورة وثوار (2) – عبدالباري طاهر

 ولعل الراعي هو الوحيد من تنظيم الضباط الأحرار الذي أنصف جزيلان والمشير السلال. فقد أكد وجود صلات خيطية لهما بالتنظيم، وربما أن روح الإنصاف والخبرة التنظيمية قد هدتاه إلى إدراك طبيعة العلاقة بين تنظيم عسكري سري وبين قيادات عسكرية كبيرة موضوعة تحت عيون بصاصي الإمامة.
ويتوافق مع رفاقه في التنظيم على الربط الجدلي العميق بين نشأة وتطور الحركة الوطنية منذ الثلاثينات والأربعينات وبين نشأة التنظيم كامتداد خلاق ومتطور للحركة في اليمن كلها.
ويرى أن الطبيعة السرية لتنظيم عسكري قد فرضت عليه قطع الصلات الحزبية بكل التنظيمات السياسية «المدنية»: البعث، حركة القوميين العرب والناصريين.
ويأتي على ذكر الإعداد والتحضير للثورة متوافقاً مع كتاب أسرار ووثائق الثورة السبتمبرية، وإن كان الجميع لا يأتي على الاجابة على سؤال كيف استطاع تنظيم عسكري «طري العود» ومكون من عشرات الضباط الصغار تفجير الثورة في بضعة أشهر.. ولعل البقية الصالحة من قيادات الحركة الوطنية بعامة وتنظيم الضباط الأحرار يدركون اليوم مدى أهمية شرح الظروف التي كانت قائمة في الأعوام والأشهر الأخيرة من حكم بيت حميد الدين؛ فالأجيال الجديدة لا تصبغ قصة أن ينشأ تنظيم عسكري من بضع عشرات يستطيع التطويح بنظام حكم ممتد لمئات السنين.
ويشير إلى طبيعة الحساسية والخلاف بين جزيلان والشهيد علي عبدالمغني، ويقدم رؤية واقعية لطبيعة الخلاف والأقرب للمنطق والصدق. وقد ظلم اللواء والمناضل جزيلان رفاقه من الضباط الصغار وبالأخص الشهيد علي عبدالمغني. كما لم يكونوا هم أيضاً منصفين في تقويم دور جزيلان «مدير الكلية الحربية» أو المشير عبدالله السلال.
ويقدم الأستاذ عبدالله الراعي شهادته عن قصة ليلة الثورة، ليلة ال26 من سبتمبر، وهي شهادة يجوز، بل يجب، الخلاف فيها وعنها. لأن كل ضابط من الثوار يتحدث من مكان رؤيته، وموقع المواجهة الذي كان فيه وما صنع هو، وما رأى، ولعل الأهم في شهادته نقد القصور والثغرات، وعدم تنفيذ الكثير من المهام الموكلة لبعض الضباط مما نجمت عنه مخاطر كبيرة تمثلت في قرار البدر وتوترات وارتباك.
قصة فرار البدر بعد ظهر يوم ال26 سبتمبر تؤكدها شهادة الدكتور حسن محمد مكي الذي سجل في مذكراته المعدة للطبع أن البدر قد اتصل به في الساعة العاشرة من ظهر ذلك اليوم، ولكن الجديد في شهادة الاستاذ الراعي تتعلق بطلب البدر السماح له بالخروج إلى مصر وموافقة التنظيم بينما تغلب رأي السلال والضبي، وهي شهادة جديدة ومثيرة.
 ويقوم الراعي أو يلحظ التفاوت بين سيوف الاسلام «الاربعة عشر» والامراء الصغار «الاحفاد الذين لعبوا الدور الاساسي في معارك حرب (السبع سنوات)».
يتناول الراعي قصة الاعدامات وبدون محاكمات ورمي القتلى في حفرة كبيرة.
والراعي وإن كان ينفي الطبيعة الانتقامية لهذه الاعدامات مبرراً بما فعله الامام بالثوار، إلا أن هذه الاعدامات لا يمكن تبريرها، والامام ليس القدوة والمثل، فهذه الاعدامات الفاجعة بدون محاكمات، وبالاسلوب الذي اتبع يعكس روح التوحش والبريرية في المجتمع اليمني حينها، والإمامة مدانة فيه، وهي ليست حجة ولا مبرراً لممارسة مثل هذا القتل العامد والوحشي. بل إن الثورة ضد الامامة كان من أهم أسبابها الاعدام بدون محاكمة عادلة ونزيهة، وقد روى القائم بأعمال السفارة العراقي إبراهيم الولي في كتيبه الذي طبعته الشئون العامة والتوجيه المعنوي، قصة راعبة عن مشاهدته للجثث مرمية في السايلة تنهشها الكلاب. في كل حال وعلى كل حال لابد من الشجاعة في نقد تجاوزات الثورة والثوار بالقدر الذي ننتقد فيه تجاوزات الامامة والامام، ولا يمكن التبرير للقتل بالقتل. أو جعله مبرراً أو متكأً، ويمكن الرجوع إلى كتيب مذكرات دوبلماسي عراقي (62-6٤ لإبراهم الولي).
لا يمكن التبرير للقتل، فالبشرية حتى اليوم تعلن قتل قابيل أخاه هابيل، وتقتيل الضباط الاحرار لأنصار الامامة لا يبرره قتل الإمام يحيى أو أحمد للاحرار، ومناوئ الامامة.
وليس المطلوب نبش الماضي أو فتح الملفات، ولكن الأهم نقد الممارسات الشنيعة والمجرمة أياً يكن مصدرها. ففي هذا النقد تحصين للأجيال القادمة من الاعتذار أو التبرير للقتل. فالقتل الوباء الذي لم يتعاف منه الحكم في اليمن حتى اليوم.
ويشير الاستاذ الراعي إلى التفاف الجماهير اليمنية من حول الثورة وهو ما حولها إلى ثورة حقيقية، وضمن مقدرتها على الصمود في مواجهة حرب مزلزلة استمرت سبعة أعوام.
يتناول بداية المعارك ووصول الجيش المصري، ويشير إلى نقطة لم يسبق أن أشير إليها، وهي وجود خطتين مختلفين لمواجهة التدخل السعودي، فمصر كانت تعطي الأولوية لضرب القبائل في الشرق والشمال في حين تقضي الخطة اليمنية بالتوجه عبر مأرب وحرض إلى نجران وجيزان، والواقع أن كلا الخطتين لا تأخذ بعين الاعتبار الالتزامات الأمريكية بحماية السعودية، والوجود البريطاني في الجنوب، والنفوذ الإمامي في هذه المناطق الشرقية والشمالية حتى القريبة من صنعاء.
ويتعرض للخلافات اليمنية المصرية، والتي أسهمت في إطالة أمد الحرب، وعدم القدرة على تجنب الخسائر الفادحة في صفوف اليمنيين والمصريين على حد سواء.
وهذه الخلافات تجلت في أسلوب إدارة المعركة بدون مراعاة لطبيعة البيئة اليمنية القاسية والشموس، وللتركيبة القبلية القوية والمتماسكة، وخبرتها في الحروب التي تعتبرها جزءاً أساسياً من حياتها ومعاشها.
والحقيقة أن تياراً من الاحرار التقليديين ومن السياسيين الانتهازيين قد نصحوا مصر بالتعامل مع زعماء القبائل المعادين لبيت حميد الدين، وكانت النظرة الطائفية والسلالية تلعب دوراً في كثير من المواقف، فقد تبنى الضباط الكبار- ربما باستثناء السلال الذي كان عديم الثقة بالمشايخ وأكثر خبرة ومعرفة بهم فأن بعضنا من كبار الضباط وتيار حركة الاحرار قد أقنع مصر بدعم المشايخ «مشياخ الضمان- وإعطائهم درجة وزير وتشكيل مجلس الدفاع الاعلى منهم، وكانت هذه الخطوة بداية السير في طريق إطالة أمد الحرب، وإفراغ الثورة من محتواها، وكان كبار الضباط المصريين من أنصار مراكز القوى التي كانت تتطلع للإطاحة بالزعيم القومي جمال عبدالناصر تريد أن تجعل من الحرب في اليمن طريقاً للانقلاب، ويؤكد، ومعه كل الحق، في أن الجندي المصري قاتل إلى جانب أخيه اليمني، وأنه لولا النجدة القومية للثورة المصرية لما أمكن انتصار ثورة سبتمبر62.
كثيراً ما يعتب أو يعيب الراعي على المشير السلال بعض موافقه من الارياني والزبيري، إلا أنه يعود ويسلم بصواب موقف المشير فيما يتعلق بالانحياز لمصر؛ فموقف تيار الأحرار فيه مراهنة كبيرة على المشايخ، وهم أو بعضهم أقرب للسعودية منهم لمصر الناصرية ويتسم موقفهم حينها بقدر كبير من المحافظة وحسن النية.
ويبقى الشيء غير المبرر انقسام قوى الثورة على أنفسهم، وانغماسهم في الصراعات الحزبية الضيقة، والمراهنات على القوى المعادية للثورة أصلاً، وبالأخص المشايخ الذين رغم أميتهم الأبجدية والمعرفية استطاعوا بالحرب وعبرها من الهيمنة على الحياة السياسية، وضرب الاتجاهات الثورية القومية واليسارية أولاً. وثانياً في احتواء تيار حركة الاحرار، وهذا بالضبط ما حدث في 5 نوفمبر وإزاحة القاضي عبدالرحمن الارياني في 13 يونيو 74 وقد أتى صاحب المذكرات المهمة على جوانب مهمة في خلفية حركة نوفمبر وما أعقبها. فهو -أي الراعي- واحد من الاطراف الاساسية كسبتمبري وكبعثي أيضاًً في صنع الاحداث حتى حركة ال13 من يونيو 74 وقراءته لمجريات الصراع يتسم بقدر كبير من الموضوعية والصدق والامانة.
وهو أيضاً لا يجحد أدوار المختلف معهم. وحتى عندما يتحدث عن مآسيه وما تعرض له من ملاحقات وقمع واضطهاد وصولاً إلى الحكم عليه بالاعدام، فإنه يتناول الأمر بدون مبالغت أو توزيع للتهم أو تصفية للحسابات، ويضعه في سياق صراع كالح لا يتحمل مسئوليته طرف واحد. فمن كان بلا خطيئة فليرمها بحجر كقول السيد المسيح.
يفضح، وهو البعثي المؤسس والقيادي، علاقة بعث العراق بالمشايخ: الغادر، الهيال، والزايدي من كبار مشايخ خولان. وتفاصيل مقتلهم على يد الجنوب، مما أدى إلى حرب 72، لكن الراعي يحيل تفجر الحرب إلى تعليق شهير للمذيع محسن محسن الجبري -يرحمه الله- «لحم أحمر طري» في إشارة إلى أبو لحوم والأحمر والمطري، والحقيقة أن الصراع بين الجنوب والشمال كان حاداً وعميقاً ويمتد إلى الرياض وبغداد وموسكو وواشنطن، وتصفية المشايخ المرتبطين بالصراع منذ الثورة وما قبلها والذين لهم صلات قوية بالرياض وبغداد كان الصاعق الذي فجر الحرب أو بالأحرى ضاعف من اشتعالها. فهي دائرة بأساليب واشكال أخف منذ أمد.
وهناك ترابط عميق وقوي بين صراع الشمال والجنوب، فعلى مشجب هذا الصراع جرت انقلابات في الجنوب على ذمة المواجهة مع الشمال بما في ذلك كارثة 13 يناير 86. فالإطاحة بقحطان والحركة التصحيحية عام 70 وترحيل عبدالفتاح اسماعيل إلى موسكو 1980، كلها قد جرت تحت دخان المواجهة مع القوى الرجعية في الشمال، ولم يكن الامر في الشمال مختلفاً عنه في الجنوب، فاحكام المشايخ القبضة على السلطة في الشمال عقب 5 نوفمبر، قد تم تحت يافطة المواجهة مع الجنوب، ولم يكن بالمستطاع الانقلاب على القاضي عبدالرحمن الارياني لولا حرب 72 وهزيمة الجيش في المواجهة مع الجنوب. وهو ما مهد الطريق أمام طموح المقدم إبراهيم محمد الحمدي، صحيح أن لحركة يونيو ابعاداً عميقة في البيئة اليمنية لكن الصراع مع الجنوب قد ساعد كثيراً على تهيئة الاوضاع للانقلاب، ولعل مقتله وهو يتأهب لزيارة الجنوب ما يعطي المؤشر لتلازم الصراع بين الشطرين.
وصاحب المذكرات ممن عايش هذه المراحل، وأدرك كل تفاصيلها بحكم قربه من صناع القرار، وعلائقه الحسنة بالاطراف المختلفة.
ويؤرخ للبدايات الاولى لتغلغل أبناء المشايخ إلى قلب القوات المسلحة بعد تفكيك ضباط الثورة والقوى المدافعة عن صنعاء إبان حصار السبعين يوماً، فأحداث 17،18 اغسطس في صنعاء 68، وترحيل القيادات الشابة المدافعة عن صنعاء إلى الجزائر، وبداية الاعتقالات للاتجاهات القومية التقدمية: بعث، ناصريين، حركة قوميين عرب وماركسيين، فقد بدأ استيلاء أبناء المشايخ على الجيش، ومفاصل الحكم والمحافظات، وبدأت بالتالي موجات دامية من الصراع، وهو ما يرصده صاحب المذكرات بموضوعية وذكاء. كما يذكر البدايات الاولى للعمل السري، والواقع أن كل الاتجاهات الحزبية ظلت سرية منذ التأسيس في المتوكلية اليمنية وبعد الثورة، فدستور 64 قد حظر الحزبية، ورغم النشاط الواسع لهذه الاحزاب، والدور الحي والفاعل في نصرة الثورة ودعمها إلا أن الحظر كان قائماً، وما استجد بعد نوفمبر هو اشتداد الاعتقالات والتصفيات والمحاكمات والقمع حدّ عدام.
ويؤرخ للمؤتمرات التي أعقبت الثورة: عمران، خمر، حرض. وكلها تعكس الصراع بين القوى المختلفة، والكتاب (المجلدين) يضم وثائق مهمة، وبعضها لم ينشر من قبل، والكتاب جدير بالاهتمام والقراءة. فهو يدون ويوثق لمرحلة مهمة في تاريخ حياتنا السياسية التي لاتزال بصماتها وتأثيراتها قوية في واقعنا الراكد الذي وإن شهد تفجرات وانقلابات دامية، إلا أن بيئته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية تبقى عصية على الحداثة والتغيير.