فيروس الوحدات يهدد حكومة مجور – محمد شمس الدين

فيروس الوحدات يهدد حكومة مجور – محمد شمس الدين

اعتادت الحكومات المتعاقبة إرجاع فشلها في تحقيق التنمية الاجتماعية، إلى شحه الموارد وارتفاع نسبة الخصوبة، وهي مبررات واهية نظراً للوضع المزري في الجهاز الإداري لدولة.
مع كل تعديل وزاري تدمج وزارت وتشق أخرى، وتتفكك لتلد قطاعات ومؤسسات وهيئات، وصناديق، دون رؤية واضحة أو معايير علمية تبرر الأجراء، لكن الواضح الوحيد وجود علاقة طردية؛ فكل ما تكاثرت الوزارات والمؤسسات والصناديق والوحدات يزداد الوضع سوءا، وتختفي الكفاءات والكوادر المخلصة من الجهاز الإداري، في حين يسيح الفاشلون والفاسدون بين السفارات والهيئات لقدرتهم على التكيف مع المتناقضات وتقديم الخدمات الخاصة، فذاك زمانهم.
 الشهر المنصرم انتقل إلى رحمة الله حسين المقدمي وعلي الاشول. الأول شغل مدير مستشفى العلفي بالحديدة قبل الثورة، ووزيراً لصحة بعدها، وكان رئيس لجنة التصحيح في سبعينيات القرن الماضي. فيما الثاني شغل رئيس اتحاد كرة القدم منذ منتصف الثمانينيات إلى مطلع التسعينيات، ثم وكيلا لوزارة الأشغال للشؤون المالية. وبعد وفاتهما تحدث القائمون على الحكم عن مناقبهما وباستفاضة، وكالعادة لم يسألوا لماذا استبعدوا من السلطة باكراً؟!
الإمام احمد شهد لحسين المقدمي بحسن الإدارة وإخلاصه في العمل. ورغم تخوفه من المقدمي أعاده إلى رأس المستشفى بعد أن ساء وضع المستشفى نتيجة عزل المقدمي، ومن ثم استمر الرجل في موقعه حتى محاولة اغتيال الإمام التي لم يكن المقدمي على معرفه بها.
الرئيس  إبراهيم الحمدي نصب المقدمي رئيسا للجان  التصحيح، كواحدة من أهم اللجان في ذلك الزمان، غير انه اختفى طوال فترة الثمانينيات والتسعينيات إلى أن توفي وحينها منحه رئيس الجمهورية عناية خاصة مذكراً بمناقب الرجل التي يفتقدها الكثير من رجاله المتربعون على مفاصل السلطة. 
تحدث الرئيس الأسبوع المنصرم أمام الآلاف من خريجي الجامعات الحكومية، عن أهمية التعليم ودوره في بناء الأمم، مقارناً بين الوضع التعليمي بعد الثورة، ووضعه اليوم. ومع اعترافنا لفخامته بانتشار التعليم والمدارس والجامعات، وارتفاع عدد الخريجين من حملة الدكتورة والماجستير في السنوات الأخيرة، غير أن الحقيقة تقول إن المؤهلات العلمية والخبرات والنزاهة والكفاءة إلى جانب الولاء للوطن كانت عنوان ذلك الزمن القديم، الذي برز فيه محمد سالم باسندوة، وحسين المقدمي، وعلي قاسم المؤيد، وياسين سعيد نعمان، وحيدر العطاس، وإبراهيم الحمدي وعلي عبد لله صالح وعلي سالم البيض وغيرهم ممن برزوا دون الاستناد على صلة القرابة أو النسب، كما أن من العدل مقارنة وضع الجهاز الإداري للدولة في ذلك الحين، وما نراه اليوم من تدمير تتعرض له أجهزة للدولة وغياب فكرة الدولة لدى المعنيين بالأمر. كما أن من غير المنطقي أن يركز المسؤولون في عقد المقارنات بين عدد المشاريع غير مدركين أن وضع البلد في السبعينيات والثمانينيات كان يتجه نحو الأفضل في حين أننا اليوم نتجه نحو الضياع، والمصير المجهول.
 لا يمكن الخروج من الأزمات الاقتصادية والأمنية في ظل جهاز إداري يخضع للمزاجية وعشوائية اختيار المسؤولين وتقاسم السلطة بين الأنساب والأقارب ونقلها من الآباء إلى الأبناء دون العودة إلي معايير السبعينيات ثمانينيات القرن الماضي.
على الحكومات المتتالية التوقف عن ممارسة لعبة تضليل الشعب، فكيف نفهم أن هناك شحا في الموارد في حين القروض والمساعدات لا يستفاد منها، كيف ينام وزير وبلده تسدد فوائد قروض لم تستخدم!؟ لا أعرف كيف يتحدث المسؤولون عن غياب الكفاءة والخبرات في الجهاز الإداري في حين أنهم وأمثالهم وأتباعهم مفلسون إدارياً بل ويعوقون الخبرات؟! إلى متى سيظل هؤلاء يتشدقون بنجاح برامج الإصلاحات، والمنطق يفرض علينا محاكمتهم على الفيروس الذي ينمونه في وزارة التخطيط ثم لاحقاً تصديره إلى جميع مرافق الدولة باسم وحدات تنفق عليها ملايين الريالات من الخزينة العامة والمنظمات الدولية التي تدعم هذا الفيروس بملايين الدولارات.
 تعلن السفارة البريطانية ومثلها الأمم المتحدة في الصحف عن فتح باب التنافس لوظيفة سائق لديها أو في احد المشاريع التي تمولها، غير أن هذا لا يحدث في الوحدات التي زرعتها في قلب وزارة التخطيط مكتفية بشهادة مخترع فيروس الوحدات الدكتور يحيى المتوكل الذي أدخل اليمن قائمة غينيس للأرقام القياسية بعدد الندوات التي عقدتها وحدة المتوكل من حساب الفقر الذي تزعمها لسنوات. الغريب أن ينجر مجلس الوزراء، وراء الأفكار التدميرية التي تقدمها وزارة التخطيط والتعاون الدولي وتمولها الحكومة البريطانية وغيرها، فمثل هذه الوحدات والصناديق تنشئها بعض الدول عند بداية الإصلاحات لتنتقل بعد ذلك إلى الجهاز الإداري، غير أنها في اليمن تحولت إلى فيروس مثل فيروس الندوات والمؤتمرات.
 ليست تصرفات المسؤولين في بلادنا هي التي تضحك، بل والمانحين كذلك، فقد احتفل البنك الدولي في بلادنا ومعه أصحاب الخبرات الخارقة والكفاءة العالية، في وزارة التخطيط والتعاون الدولي بمناسبة تحقيق الحكومة اليمنية أكبر نسبة سحب من القروض المقدمة من البنك الدولي، تخيلوا أننا أصبحنا نحتفل لمجرد السحب من القروض في حين أننا نرى الشوارع مكسرة ومعظم المشاريع تنفذ دون الالتزام بالمواصفات والمقاييس، وأولوية الاحتياج. نعم، لقد كانت مناسبة عظيمة، مثلها مثل فكرة الوحدات، التي يتطلب كشف فسادها وإيقافها قرارا سياسيا مشابها لقرار إيقاف الحرب في صعدة.
ولتذكير المبدعين في السلطة الذين صرفوا ملايين الدولارات من أجل دراسة نظام الكلفة المشتركة في القطاع الصحي واستقدموا خبراء من الخارج، نقول لهم إن حسين المقدمي طبق ذلك النظام في خمسينيات القرن الماضي.
[email protected]