كعبة للنساء فقط – محمد شمس الدين

كعبة للنساء فقط – محمد شمس الدين

تعكس الفتوى التي أطلقها الداعون لإنشاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضد المرأة، المزاجية في استخدام الدين لإثارة الخلافات والجدل في قضايا هامشية.
 في مؤتمرهم التأسيسي، منتصف الشهر الجاري، أصدروا فتواهم بتحريم نظام الكوتا، وعدم شرعية مشاركة المرأة في الاجتماعات العلنية والعامة التي يشارك فيها الرجال، رغم أن رموز الهيئة كانوا من أبرز المشاركين في المؤتمر العام الرابع للتجمع اليمني للإصلاح الذي عقد مطلع العام الماضي، والذي كانت المرأة الإصلاحية مشاركة فيه بقوة كناخبة ومرشحة. حينها لم يصل هؤلاء إلى مرحلة التحريم والمنع من المشاركة، بعد أن حسمت مشاركتها بقرار سياسي، واستندت المرأة في مشاركتها على الكتاب والسنة، وهو المصدر نفسه الذي اعتمد عليه من يرون عكس ذلك. وكان ذلك الجدل يمثل روح الدين الإسلامي الحنيف، والذي وعدنا الله بحفظه من التغيير والتحريف، وأكد لنا أنه صالح لكل زمان ومكان. كما أكد ذلك الجدل الذي دار في أروقة حزب الإصلاح قوله صلى الله عليه وسلم: “اختلاف أمتي رحمة”.
 ومن المؤتمر العام الرابع للإصلاح، الذي حضره رموز هيئة الأمر بالمعروف، والذي حصدت فيه المرأة عددا كبيرا من مقاعد مجلس شوراه، خرج رموز الأخيرة بفتوى تحرم نظام الكوتا وتحريم مشاركة المرأة في الحياة العامة. من هنا يدرك المرء مزاجية هؤلاء في استخدام الدين والوصاية عليه لإثارة الصراعات الهامشية، التي لا تخدم الدين، بل وتحويل الاختلاف من رحمة إلى فتنة بإصدار فتوى التحريم والتكفير التي اعتادوا عليها.
 كنت أعتقد أن قضية المرأة وحقها في العمل والمشاركة في الحياة العامة تعد مشكلة لدى بعض الأشخاص الذين يُحمّلون الدين الإسلامي مشاكلهم الشخصية ويفرضونها على الآخرين. إلا أن تحويل تلك الأفكار والمشاكل التي يعانون منها إلى فتوى دينية يلزمون الآخرين بها، يدفعنا للرد عليهم ومناقشتهم، كجزء من مسؤوليتنا كمسلمين من جانب، وإدراكا منا لأهمية وضع الدين بعيداً عن أفكار مجموعة من الأشخاص يفسرونه حسب هواهم ووفقاً لمشاكلهم الشخصية، من جانب آخر.
عبد الملك التاج، رئيس قسم التزكية بجامعة الإيمان، يكرس جهده لرصد حالات التحرش الجنسي في العالم والتي تتعرض له المرأة العاملة، ليؤكد بذلك أن المرأة لا يحق لها ممارسة أي نشاط خارج المنزل، ليس هذا فحسب، بل إن الرجل أصبح يرصد كل ما يكتب عن حقوق المرأة، ويدين أي مشاركة لها، أو كتابات تؤكد هذا الحق. مؤخراً وجه “التاج” انتقاداً لملحق الأسرة الصادر عن صحيفة “الثورة” لإبرازها ثلاث نساء يقلن: “أيها الرجال في البرلمان، انتظروا! النساء قادمات”، كما أن الرجل أبدى سخطا غير عادي في الندوة التي نظمها مركز “منارات”، واصفاً الندوة بأنها غير شرعية نظراً لوجود نساء ضمن الحضور.
التشدد الذي يبديه عبد الملك التاج تجاه حضور المرأة في الأماكن العامة، والمشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية، يضعنا أمام متناقضات لا نستطيع التمييز بين ما يريده الرجل وبين ما أورده القران الكريم وكتب السيرة المحمدية، التي أوضحت لنا أن المرأة كانت مشاركة في الحياة العامة والغزوات الإسلامية، إذ برّأ القرآن الكريم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من حادثة الإفك، لكنه لم يمنع مشاركة النساء في المعارك التي خاضها الرسول الكريم ومن بعده الصحابة. كما أكدت لنا كتب السيرة أن أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها كانت تعمل في التجارة، وأن أسماء بنت أبي بكر كانت تحمل الطعام للرسول وصاحبه إلى الغار. كما أكدت لنا كتب السيرة أن المرأة هي من عملت على تطبيب الجرحى وإلقاء الشعر في المعارك لشد أزر المقاتلين. كما أن أداء فريضة الحج والعمرة تتم وسط الزحام بين الرجال والنساء وفي أقدس مكان على وجه الأرض.
 فكيف يأتي هؤلاء ليحرموا دخول المرأة إلى البرلمان أو مزاولة أي عمل خارج المنزل!!؟ ألم يعلموا أن آلاف الأسر يقتاتون من عمل المرأة!؟ ثم هل هم قادرون على الإنفاق على تلك الأسر، قبل أن يصدروا فتاواهم!؟ ثم إني أنصحهم بالنزول إلى الشارع لمعرفة التحرش الذي تتعرض له بعض الفتيات الشحاذات في الجولات، وإنقاذهن من ذلك الذل، ودعمهن مادياً للبقاء في منازلهن، أو توفير فرص عمل تحترم فيه آدميتهن كبشر، قبل أن ينجررن إلى الرذيلة، خير لهم من إصدار الفتوى من البروج العاجية. كما أدعوهم إلى إدانة الحكومة وبعض أعضاء مجلس النواب الذين يتقاضون مرتباتهم من أموال الفقراء دون أن يحضروا جلسات المجلس، ودون أن يقدموا أي إنجاز مقابل ذلك الراتب، كونهم دخلوا السلطة والبرلمان كواجهات دون أن يكونوا مؤهلين لهذه المهام، وهذا ما نأمل ألاّ يتكرر في ترشيح المرأة للبرلمان أو المواقع القيادة في السلطة.
أشفق على الأستاذ عبدالملك التاج، كونه يعيش خارج العصر، وأقول له: إن كان حضور المرأة الندوات ودخولها إلى البرلمان يعد مخالفة شرعية، هل يجوز للمرأة –وكذلك الأستاذ التاج– السفر على رحلات الطيران التي تجمع الجنسين؟ وماذا لو تفاجأ أن كابتن الطائرة امرأة؟
ومن هنا، وفي ظل الفتوى المتلاحقة التي يطلقها البعض، أؤكد للأستاذ عبدالملك التاج أنه سيأتي من يفتي بعدم جواز أداء مناسك الحج والعمرة للجنسين في المكان والزمان نفسيهما، مطالبين بكعبة خاصة للنساء، وحينها سيتمكن الأستاذ التاج من أداء مناسك الحج والعمرة دون أن يرى امرأة أمامه. ولكن في المقابل أجد نفسي مضطرا لتذكيره بالحديث الشريف: “سبعة يظلهم الله في يوم لا ظل إلا ظله” منهم “رجل دعته امرأة ذات حسن ومال فقال: إني أخاف الله”، وهذا هو المعيار الذي يقاس عليه إيمان المرء، وليس معيار من يقول: ابعدوا عني الخمر حتى لا أقع فيه! أو ابعدوا عني النساء حتى لا أفتن بهن.
[email protected]