ثقافة محافظ جديرة بالاهتمام – يحيى سعيد السادة

ثقافة محافظ جديرة بالاهتمام – يحيى سعيد السادة

حين أكد المهندس أحمد الميسري، محافظ محافظة أبين، في منتدى الوحدة اليمنية الذي عقد بزنجبار في 24/6/2008، أن الإصلاح يبدأ بالإدارة التي عشعشت فيها كل مظاهر الفساد والإفساد والمحسوبية، وإهمال الكوادر ذات الكفاءات والتخصصات، فإنه بذلك قد وضع يده على الجرح الذي طالما أدمى الوطن ورنح مواطنيه لعقود من الزمن، فضلاً على عدم توقفه عند هذا التشخيص الدقيق؛ إذ حدد له الوصفة العلاجية الناجعة والمتمثلة بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ليذهب إلى ما هو أبعد من ذلك فيما إذا أرادت السلطة لهذا الوطن أن يتعافى من علله وأوجاعه المزمنة، حين شدد على ضرورة الابتعاد عن الأخذ بأي توجه أو انتماء للكفاءات، سواء السياسية أم الحزبية، كون مقياس المسؤولية ومعيارها من وجهة نظر هذا المحافظ هي الكفاءة والقدرة على العمل. حديث لطالما انتظرناه طويلاً، ولطالما علقنا آمالاً على هذا اليوم الذي نجد فيه مسؤولا ينطق بمثل هكذا حديث. فالبرغم من أن ما أورده الأخ المحافظ يعد من الثوابت الأساسية التي لا يمكن تجاوزها أو القفز عليها إذا ما فكر أو حلم أحد في الخروج من نفقه المظلم، على اعتبار أن ذلك لا يتأتى إلا من خلال القيادات السياسية والإدارية التي إذا ما وضعت في أماكنها الصحيحة والمخصصة لها وفق مؤهلاتها واختصاصاتها فإن هذا الحلم سيتحقق لا محالة، وبالتالي تتحقق معه أحلام الناس في الخروج من أنفاقهم؛ كون هذه الأحلام ستتحول إلى حقيقة وواقع ملموس. إلا أن الجديد في هذا الأمر والجدير بالاهتمام، يكمن في الرؤية الجادة والنظرة البعيدة للأفق الذي يمكن للوطن من خلاله الخروج من هذا المأزق. كما أن من قال هذا الكلام واحد من عشرين محافظاً تمنينا لو نطق بعضهم ولو بجزء من هذا الحديث ولو همساً. بينما الملفت في هذا الطرح شجاعة هذا المحافظ من خلال إطلاقه لهذه الحقيقة التي تعد مرة على السلطة، سيما في هذا الزمن الذي ندر فيه مثل هؤلاء الرجال؛ زمن لا يجيد فيه معظم من يطلق عليهم المسؤولين غير المدح والاسترخاء والتهرب من المسؤولية؛ إذ لو كان هذا التوصيف غير صحيح لكان هؤلاء قد باشروا مسؤولياتهم في ضوء الصلاحيات الممنوحة لهم، والتي تجيز لكل منهم انتشال المتخندقين والفاسدين والعابثين من مواقعهم لإحلال كفاءات وقدرات وأياد نظيفة قادرة على تغيير هذا الواقع المؤلم والمكرس في معيشة الناس اليومية والمتجذر في نفوس الكثير من المحبطين الذين يئسوا من اليوم الذي ستستقر فيه أوضاعهم وتصلح فيه أحوال معيشتهم؛ إذ أصبح هذا اليوم في قناعات الكثير بمثابة معجزة، ربما لن تتحقق من خلال مخلوق بشري؛ نتيجة التراكم الهائل من الاختلالات الذي أفرزه الفساد وعلى مدى السنوات الماضية التي تمثل عمراً لملايين الناس في هذا البلد.
 لا أدري فيما لو كان الأخ الميسري محافظاً لمحافظة إب وأحد أبنائها كما يشترط ليكون محافظاً! إن كان حديثه سيختزل بما أورده. أم أن هنالك لغة أخرى كان سيضطر لاستعمالها، خاصة إذا ما فوجئ بحجم العبث والفوضى والمحسوبية والسطو على أملاك الخاصة، ونهب للأملاك العامة، والاختلال الإداري، الذي لا يضاهيه أي اختلال في المحافظات الأخرى.
حقيقة لا نحمل المحافظ الحالي القاضي احمد الحجري وزر غيره ممن راكموا هذه التركة الثقيلة على أبناء هذه المحافظة، وعليه شخصياً إن هو شمر عن ساعديه محاولة التخفيف من هذا الحمل؛ إذ لا عتب على هذا المحافظ حتى هذه اللحظة إلى حين يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود. فقط عتبنا عليه فيا لو أبقى على هذا الوضع المزري على ما هو عليه. كما أن عتبنا عليه فيما ضعف لياقته؛ إذ لم نجده منذُ توليه مهامه في أي مكتب من مكاتب فروع الوزارات والمؤسسات التي إذا ما أقدم على الاقتراب منها أو التوغل في دهاليزها فسيتبين له كم هو محقٌ محافظ “أبين” في طرحه.
[email protected]