الدولة والحروب القبلية – غازي عبدربه القاضي

الدولة والحروب القبلية – غازي عبدربه القاضي

ظلت علاقة الدولة بالصراعات القبلية يلفها الكثير من الغموض حيث ينظر إلى بعض الحروب كحروب بالوكالة وكانت مؤسسات الدولة في حالات عدة مسرحاً لعمليات ثأر وغابت الدولة حيث كان المفترض لها أن تحضر.

حروب بالوكالة
 خلال العقود الماضية دارت الكثير من الحروب القبلية الطاحنة سقط فيها آلاف القتلى والجرحى وكانت فيها الدولة الحاضر الغائب، فقد كانت غائبة بمسؤلياتها الأخلاقية والإنسانية وحاضرة بأيديها الخفية وتحالفاتها المؤججة لنيران الحرب.
هذا الدور شكا منه كثير من وجهاء القبائل، فبعض الحروب كان الصراع السياسي ظاهراً فيها، وحروب كانت الأيدي الأمنية ضالعة في تسييرها نحو استهداف شخصيات و رموز قبلية أو قبائل معينة.. هذه الحروب كانت تؤدي إلى غاية رأى الكثيرون أن الدولة كانت تسعى لها وهي إضعاف القبائل بالحروب الداخلية، حروب أوضح بعض أطرافها تلقيهم دعماً مادياً ومعنوياً من قبل الدولة.
 تدخل الدولة كان يأتي أيضاً بتسهيلات للقبائل بصرف أرقام عسكرية لسيارات تستخدم لأهداف الثأر وسماحها باستهداف غرماء في صنعاء ومدن أخرى.

مؤسسات الدولة مسرحاً للثأر:
بخلاف ما يعمل به العرف القبلي بحرمة الأماكن العامة والأسواق، إلا أن الدولة لم تعمل بذلك وتحولت مؤسسات الدولة إلى مكان يسهل فيه رصد أهداف قبلية والتربص بها وقتلها، وهناك أمثلة عدة حيث كانت العاصمة مسرحاً لعمليات قتل وأصبحت خلال التسعينات وحتى يومنا هذا المكان المفضل للأخذ بالثأر وسقط في شوارعها وامام مؤسساتها عشرات من أبناء القبائل المتصارعة في وضح النهار، حيث كان القتلة ينفذون مهمتهم ويغادرون صنعاء أو يمكثون فيها، لا يهم لأن الأمر في نظر الأجهزة المعنية حادث ثأر.
وقد يكون بضوء أخضر من مركز قوة ولا يغادر القتلة صنعاء إلا خوفاً من مطاردة ذوي الضحية لا غير، وقد قتل في صنعاء طلاب جامعيون وموظفون ومراجعون ومشائخ ومغتربون قادمون أو مغادرون عبر مطارها، حيث كان المكان الافضل للنيل منهم، ومعظم أحداث الثأر التي دارات في صنعاء كانت أرقام السيارات التي يستقلها المنفذون أرقاماً عسكرية وحوادث الثأر في المدن كان لها ضحايا من المدنيين لا ذنب لهم سوى التواجد في المكان الخطأ كما أن الطرق الرئيسية بين العاصمة وتلك المناطق استخدمت لنصب الكمائن فيها وكانت مكاناً جيداً لرصد أهداف قبلية للثأر منها ونسبة عالية من ضحايا الثأر كانو سالكن طرقاً رئيسية يفترض أن تكون خاضعة للحماية الأمنية من الدولة وأستخدمت الطرق أيضاً لنصب النقاط القبلية المسلحة وللقطاع القبلي ومنع القبائل المعادية ضد المرور فيها ولا يمكن لقبيلي أن يسلك طريقاً رئيسية بآمان خاصاً إذا كان فيها نقاط عسكرية وأمنية لاحتمال رصده والتعرف عليه عند مروره بنقطة أمنية.
محاسبة القتلة ولو كان ثاراً: القتل بخلفية قبلية في أي مكان أو زمان لا يخضع لأي قوانين جنائية واعتبر الأمر رضا وعدم ممانحة لما يحدث، ومرتكب القتل ثأراً لا يتحمل أية تبعات وكثير من مرتكبي تلك الأعمال ضباط وموظفون وأصحاب نفوذ ومكانة لدى أجهزة الأمن ويتلقون رعاية خاصة.. القاتل ثأراً لا يخشى أن يطارد أمنياً حتى على الأقل لإخلاله بأمن العاصمة أو مؤسسة حكومية مثل بوابة وزارة الداخلية التي كانت موقعاً مميزاً لعمليات ثأر عدة. السلطة لم تجهد نفسها بتجريم قتل الثأر أو على الأقل تحريمه في أماكن يفترض أن تكون حرماً آمناً كالمدارس والجامعات ومؤسسات الدولة والمراكز الخدمية والطرق. لو أن الدولة وضعت نفسها في مكان الحارس الأمين للقانون وحماية الحقوق، فلا أظن أن هناك قبيلياً واحداً سيسعى لأخذ الثأر بيده، وبالتالي يصبح هدفاً في دوامة لا تنتهي.
وهناك من يأخذ بثأره، ولا أظن أن هناك من يتجرأ على أخذ ثأره في العواصم والأماكن العامة لو كان يخشى مطاردة السلطة له.