العناية المركزة أموات بل أحياء

18-05-2011

بعد مائة يوم ثورة، أيقن الثوّار أن الزحف تجاه القصر أصبح ضرورة ملحّة، وأن رئيسا يعتمد مبدأ القتل لإحياء نظامه المتعفن كعلي عبد الله صالح لا يمكن أن يترك السلطة طواعية. “لقد حان موعد الزحف” بعد أن أعلن الثوار بدء العد التنازلي الجمعة الماضية وأطلقوا على هذا الأسبوع “الحسم”.
النظام الذي عمد إلى سفك الدماء محاولاً إسعاف نفسه، كان يقتل نفسه ويرفع من نسبة النقمة عليه. حتى اليوم، ارتكب النظام بحق المعتصمين سلمياً في ساحة التغيير بصنعاء وحدها مجازر عديدة سقط فيها “نحو 80 شهيداً وجرح بالرصاص الحي نحو 550 محتجاً وأصيب بآلات حادة سلاح الأبيض والحجارة والهراوات 800 – 1000 محتج، كما أصيب بالغازات السامة نحو  4500 محتج كانوا يطالبون سلمياً بإسقاط النظام”، طبقاً لإحصاءات أولية من المستشفى الميداني بصنعاء. وقد أدى بعض الإصابات الخطيرة إلى مضاعفات شلّت 4 محتجين شللا جزئيا، فيما ما يزال عدد منهم في العناية المركزة وحالة في موت سريري.
ويتضاعف العدد أضعافا في مجازر أخرى ارتكبت في بقية المحافظات، خاصة القتل الجماعي البشع في محافظة أبين الذي وصف بأنه “حرب إبادة” مارسه النظام ضد مدنيين بينهم نساء وأطفال.
هلال الجمرة
لم تفلح 4 عمليات جراحية معقدة في إخراج الشاب صادق ناصر علي، 23 عاماً، من وضع اللاوعي. فالرصاصة التي أطلقها قناص محترف في 18-03-الماضي، دمرت له الطحال وأدخلته في غيبوبة لم يفق منها إلا قبل يومين. دخل وضع اللا حياة فانتابت أسرته نوبات من الرعب والقلق سيطرت على كل حياتهم وعطلتها.
منذ “جمعة الكرامة”، 18 مارس، استقبلت أقسام العناية المركزة في المستشفيات الخاصة أزيد من 200 حالة حرجة، وكانت تودع خلال ساعات –بل أيام أحياناً– أعداداً من تلك الحالات أحياءً وأموتا. لكن حتى أمس، مازالت تلك الأقسام تحتضن نحو 8 حالات ما بين فاقدي الوعي وأحياء بتنفس اصطناعي.
جروح لن تندمل، يصنعها النظام الآيل للسقوط بآلاته وأسلحته الفتاكة يومياً. هذه الجروح لا تنتهي بمواراة جثامين الشهداء وتضميد جراح المصابين وشفائها، بل تستمر وتؤجج وتسرع من موعد نهاية وخيمة للرئيس ونظامه. قتل المئات وجرح وإصابة الآلاف في فترة وجيزة تؤكد جنون النظام ودمويته وتبشر بالنصر الوشيك.
لمدة شهرين ظلت زوجة صادق ناصر تتردد على قسم العناية المركزة في مستشفى جامعة العلوم بين الساعة والأخرى. كانت تأتي محفوفة بأمل الوصول لرؤيته والتحدث إليه. أرادت أن تسمع صوته ولو كلمة. ورغم طمأنة الأطباء لها وتهدئتها على صحته، إلا أنها كانت تشعر بتأنيب ضمير حيال عجزها عن إنقاذه.
شعر الأطباء بمعاناتها، فنصحوها بالبقاء في البيت حتى يتصلوا بها عندما يفيق أو التردد عليه كل يومين. فهم يرون أن حضورها بلا جدوى، فغرفة العناية المركزة لا يسمح للزوار بالبقاء فيها مدة أكثر؛ لأنها معقمة ويمنع دخولها عدا للأقرباء وفي أوقات محددة؛ لكنها لا ترتاح إلا عندما تزوره أكثر من ثلاث مرات يومياً. أصبحت زيارة زوجها ورؤيته، حتى لو كان شبه ميت، مهمتها التي لا تنتهي وسعادتها التي لا توصف.
وبحسب أطباء العناية المركزة فإنها تأتي لرؤيته والجلوس إلى جواره والسؤال والبكاء عليه، تتكرر هذه الحالة عدة مرات يومياً. تبكي بحرقة. أم لطفلين لم يدركا بعد معنى الحياة: “علي” 4 سنوات، و”رفيقة” سنة ونصف. وعذاب زوجة مخلصة تجسّد شخصية شابة عظيمة ووفية.
مرّ من أمام غرفة صادق عشرات الثوار الجرحى، خلال الشهرين الماضيين. ولم يبق معه سوى 4 آخرين انضم اثنان منهم إلى العناية المركزة بعد شهر ويومين، 20 أبريل الماضي، في اعتداء قوات الأمن المركزي على مسيرة سلمية للثوار أمام وزارة الخارجية، واثنان انضما إلى قائمة الحالات الأشد خطراً الأسبوع الماضي 11 مايو.
هؤلاء الخمسة مازالوا ما بين فاقد للوعي والتنفس اصطناعياً. ثلاثة آخرون يرقدون في العناية المركزة في مستشفى آزال والمستشفى الاستشاري الحديث، وهم ضحايا المجزرة الأخيرة التي نفذتها قوات من الأمن المركزي والحرس الجمهوري ولواء الإذاعة ضد المتظاهرين سلمياً وراح ضحيتها 11 شهيداً و250 جريحاً.
ظهر الجمعة، 18 مارس، كان صادق ناصر يهتف بتسابيح الثورة: “الشعب يريد إسقاط النظام”. في الوقت الذي بدأ فيه البلاطجة إشعال علامة المكر للشروع إلى مضمار مهارة القنص.
في تلك المهمة الإجرامية التي تم التخطيط لها والترتيب بعناية فائقة اصطادت القناصة مجموعة كبيرة من عظماء الثورة ورسمتهم أهدافاً لرصاصها القاتل: صادق ناصر، كان أحد البواسل الذين تصدّوا للقتلة المحترفين وبدؤوا بالتقدم صوبهم لإنقاذ آلاف المصلين من مجزرة بشعة أراد النظام من خلالها أن ينتقم ممن يطالبون سلمياً بإسقاطه.
بين آلاف الشباب الشجعان، كرّ صادق باتجاه الموت، فكان الشباب يتساقطون ما بين “شهيد وجريح”، وبعد وهلة كان أحد الضحايا. لقد تعرض لطلق ناري فجّر طحاله.
أوقفت الرصاصة حياة صادق عملياً وجعلته أسيرا لنوبة فقدان الوعي، فأصبح جسداً بلا حراك. لقد دخل عالم “الأحياء الأموات”. وطبقاً للأطباء المشرفين على حالته فإنه “بدأ يتحسن وفاق من الغيبوبة التي سيطرت عليه شهرين كاملين؛ لكنه ما يزال يتنفس صناعياً”.
وقد أخضع لأربع عمليات جراحية تم خلالها استئصال الطحال.
الشاب الذي عاد من السعودية قبل شهر من انفجار الثورة، رفض أن يسافر للاغتراب مجدداً قبل أن تتحقق أهداف الثورة ويسقط صالح ونظامه. بالرغم من انتهاء  إجازته بداية الثورة إلا أنه حسم أمره وقرر أن يكون له يد في تحرير اليمن من نظام صالح المستبد. وبحسب أحد أقربائه فإن أسرته تعيش ظروفاً صعبة حالياً.
ينحدر صادق من مديرية خولان الطيال، وقد التحق بثورة الشباب منذ انفجارها.
في حادثة الاعتداء التي جرت أمام وزارة الخارجية بحي عصر، سقط عدد من القتلى والجرحى؛ لكن إصابات أحمد المصباحي، 34 عاماً، ومعاذ محمد سعد، 20 عاماً كانت خطيرة جداً.
وقد أصيب الأول في الرأس ضربة في العين بحجر أو صميل، وحدث له نزيف شديد، فيما أصيب الآخر برصاصة في الرأس، ودخلا في حالة من اللاوعي ومازالا في العناية المركزة.
وبحسب الأطباء في العناية فإن المصباحي، الذي تعرض لضربة قوية في العين ونزيف حاد، تأثر وتضاعفت معاناته بخروج السوائل من المخ بشكل مستمر، مما يجعل حالته حرجة. ونتيجة خروج تلك السوائل فقد الشاب نصف جسده وأصبح مشلولا شللا نصفياً.
ويقول الطبيب إنه تعرض لالتهابات كبيرة في الرأس. وهو “شبه واعي لكنه ما يزال تحت التنفس الاصطناعي فيما يواصل السائل الخروج من المخ”.
أما معاذ محمد سعد، فيصف الأطباء حالته بأنها مازالت حرجة، “إذ ما يزال فاقداً للوعي. أخضع معاذ لعدد من العمليات الجراحية لكن حالته لم تتحسن كثيراً. إذ يشير الأطباء إلى أنه يعاني التهابات شديدة في الصدر وكذلك في الرأس. وقد سيطر “الشلل على نصف رأسه”.
وتتردد أسرة معاذ عليه بين الحين والآخر ممسوسة بأمل رؤيته فائقاً.
 
تسكنهم الساحة وهم على أسرّة المشفى، ويمارسون الطقوس التي ألفوها ويهتفون بتسابيح الثورة بعد كل صلاة: الشعب يريد إسقاط النظام
نزلاء الغرفة 223.. ائتلاف الجرحى
تلتئم جراح الثوار على أسرّة المستشفيات كل يوم، ويتعمّق إدراكهم لمعنى الثورة بشكل جماعي. وتتآلف علاقات الثوار حتى وهم جرحى. يهتفون من أسرّتهم: “الشعب يريد إسقاط النظام”، ويمارسون الطقوس اليومية التي اعتادوا عليها داخل الساحة. في المستشفى الميداني ووسط غرف 4 مستشفيات خاصة يرقد عشرات الجرحى. ويقول الذين مازالوا في المستشفيات الخاصة إنهم يعتبرون  الغرف خيام. ويتشكلون في ائتلافات للجرحى والمصابون، أسوة بالتكتلات أو الائتلافات المكونة للساحات الثورية.
في الغرفة 223 في الطابق الثاني من مستشفى جامعة العلوم تتجسد حالة الوئام والتلاحم بين نزلائها. فرغم اختلاف أفكارهم وتوجهاتهم إلا أنهم متعايشون وسعداء ويقضون أوقاتهم في الحديث عن الثورة.
يئن عدد من المستشفيات الخاصة والمستشفى الميداني بساحة التغيير بمئات من الجرحى الذين أصيبوا برصاص وحجارة قوات الأمن والحرس الجمهوري وحليفهما الآخر بلاطجة النظام. يحتضن الدور الثاني بمستشفى جامعة العلوم عشرات من الثوار الجرحى. وتحوي الغرفة 223 ثلاثة جرحى، اثنان منهم أصيبا في موقعة مدينة الثورة الرياضية.
هشام الجبري، 17 سنة، وهاشم الأبارة، وعماد الأكحلي، 19 عاماً، هم نزلاء الغرفة. ولديهم إصابات خطيرة.
كل جريح في الثورة يحمل بطولة عظيمة. مع ذلك فهم يعتبرون ما قدموه ليس أكثر من كونه واجبا، ربما يكون ذلك لإيمانهم بقضيتهم. يقول هاشم الأبارة: “هذا أقل واجب نقدمه للوطن”. وأضاف: “الجميع كانوا مندفعين، والشباب لديهم عزائم تهدّ جبالا وليس إسقاط نظام علي صالح”. أما هشام الجبري فيرى أنه قدم “شيئا بسيطا، ونحن مستعدون لأن نموت في الساحة لو لم يرحل الرئيس ونظامه”.
يرقد هشام مقابل هاشم على سرير ويعتقد أنه يتحسن كل يوم. ويأكل قطعا من “الحبحب”، ومبتسماً يوضح: “هذا غدائي”، ثم يدعوك لمشاركته الأكل. لقد كان أحد ضحايا الأربعاء قبل الماضي أمام ملعب مدينة الثورة.
كان في مقدمة المتظاهرين يقاوم الرصاص الحي بما تيسر من الحجارة. يقول: “خرجنا وشعارنا: سلمية سلمية؛ لكن المجرمين هاجمونا بالأسلحة وضربوا علينا مباشرة”. لقد فوجئوا بالهجوم عندما كانوا في مسارهم المحدد للمسيرة.
سقط هشام غارقاً في دمه على الأرض عندما كان البلاطجة يطلقون رصاص بكثافة. لقد أصيب بطلق ناري دخل من الظهر ومزق بعض الأمعاء، وواصل الطلق عبثه وأصاب يده اليمنى. وقد أجرى له الأطباء عمليتين جراحيتين تم خلالهما استئصال بعض الأمعاء التي أفسدتها الرصاصة. يقول إنه يشعر بتحسن. 
هذا الشاب، الذي يدرس في الصف الثاني الثانوي، أصيب قبل أسبوع من بدء الامتحانات النهائية، ما يعني أنه لن يتمكن من اللحاق بزملائه. لكنه يقول إن الهدف الذي خرج من أجله إلى الساحات في الأيام الأولى للثورة أسمى وأهم من أي امتحان. ويقول إنه يريد أن يسجل نجاحاً من نوع آخر هذا العام: “نجاح الثورة”.
استقبلني نزلاء الغرفة 223 بابتسامات عريضة، ويقولون إنهم يستقبلون زوارا كثر لا يعرفون عنهم شيئا، سوى أنهم من ساحة التغيير. جلسنا معهم بعض الوقت، ولدى كل منهم مرافق، لكنهم أصبحوا أسرة واحدة، وقد لمست انسجاماً رائعاً بينهم.
هشام، الذي ينتمي إلى ائتلاف شباب الصمود، أحد مكونات ساحة التغيير، والمركز الإعلامي للائتلاف، يشتاق جداً لرؤية مخيمه، ويتلهف إلى العودة إلى ساحة التغيير، ويشعر أنه افتقدها ويريد أن ينزل عاجلاً.
خيمة صفر أربعة
من خيمة 04 غادر الشاب عماد عبد الحكيم الأكحلي، 19 عاماً، عند الفجر لشراء صبوح لأصحابه في الخيمة؛ لكنه وقع ضحية رصاصة خطيرة من أحد العسكر، نتيجة سوء فهم وخلاف أدى إلى تطور المشكلة.
وقد أصيب بطلق ناري في الصدر. واستمر فاقداً للوعي 3 أيام. وقد جاء إلى المستشفى جامعة العلوم عدد من الضباط لتقديم الاعتذار والتحكيم؛ لكنه يقول إنه لم يقبل ذلك؛ “لأنها ثورة ونتحمل كل شيء من أجل الثورة”.
عماد هو أحد نزلاء الغرفة ويقول إن حالته الصحية أصبحت جيدة بعد أن أجريت له عملية جراحية. وهو من الشباب الذين تضايقوا من المنصة ودخلوا في خلافات كبيرة مع المسؤولين فيها. “قد الكل يعرفنا في خيمة صفر أربعة من المشاكل والصياح والانتقادات التي نوجهها”.
في الدور الثاني وبين الغرف المتجاورة يقيم النزلاء علاقات تعارف وصداقة. فيأتي من الغرف الأخرى الجرحى الأقل إصابة لزيارة الجرحى الأخطر إصابة. ويتبادلون الحديث ويمضون وقتهم في الحديث عن الثورة وتطوراتها ومناقشة المرحلة الانتقالية والمبادرات التي تجهض الثورة.
وتطل الغرفة على شارع الستين وجامعة صنعاء، فهم يسمعون أصوات الثوار وهتافاتهم: “الشعب يريد إسقاط النظام”، فيعيد لهم الحياة. وقد شهدوا حضور “جمعة الوفاء للجنوب” من نوافذ الغرفة.
……………………………………………………
 
بعد أن أمّن ظهر الثوار استدار للّحاق بالمسيرة لكنه لم يكمل دورته حتى اخترقته جسده 3 طلقات: إحداها في اليد، والثانية اخترقت الكلية اليسرى، والثالثة وهي أخطرها اخترقت الكلى والطحال واستقرت في العمود الفقري
هاشم.. الصوت الذي ألهب حماس الطلاب للثورة
الصوت الذي ألهب حماس الطلاب للثورة من أمام جامعة صنعاء وحافظ على اندفاعه الثوري في الساحة، كاد، الأربعاء قبل الماضي، 27 أبريل، أن يُقتل، أمام مدينة الثورة الرياضية.
هاشم الأبارة، 21 عاماً، أصيب بثلاث طلقات قاتلة، إحداها مازالت تسكن عموده الفقري.
كانت حادثة مفاجئة عاش فيها الثوار لحظات عصيبة في مواجهة الرصاص الحي الذي شنّته عليهم مجاميع من مؤيدي الرئيس علي عبد الله صالح من داخل المدينة الرياضية، في الطرف الشمالي للعاصمة صنعاء، خلال مسيرة سلمية لشباب الثورة. كانت خسائر الثوار باهظة: 13 شهيدا، وإصابة العشرات.
يرقد هاشم على سريره في الغرفة 223 في مستشفى جامعة العلوم والتكنولوجيا منذ 13 يوماً. ظهر أمس كان جالساً على السرير يحتضن كمبيوتر محمولا يتابع من خلاله تطورات أحداث الثورة. قال إنه يشعر بتحسن بعد إخضاعه ل3 عمليات جراحية ناجحة. ويروي تفاصيل “موقعة الملعب” بألم.
في المسيرة التي خرجت من ساحة التغيير بصنعاء صوب شارع الستين كان هاشم الأبارة في منتصف المسيرة عندما بدأ “مؤيدو صالح” إطلاق النار صوبهم من داخل سور ومبنى مدينة الثورة الرياضية. حث خطاه نحو المقدمة لإسعاف المصابين، والرد على المعتدين بالحجارة.
لم يتمكن المسلحون من إفشال المسيرة؛ إذ تولت مجموعات منهم القذف بالحجارة، فيما واصل الباقون السير في الاتجاه المرسوم للمسيرة: حي الحصبة. كان ذلك بمثابة “انسحاب تكتيكي من وابل الرصاص العشوائي الذي يمطرونه علينا”، قال هاشم. خلال ذلك ازداد إطلاق الرصاص، وخرج “البلاطجة من الملعب واستمروا في الهجوم علينا”.
استمر الأبارة وعشرات الشباب في إسعاف الجرحى وتأمين مؤخرة المظاهرة من نيران “البلاطجة والجنود الذين داخل الملعب”. رافق ذلك انسحاب تكتيك والتحاق بالمسيرة. كانت المنطقة ملتهبة. حين كان على عشرات الثوار -وبينهم هاشم- الانسحاب بسرعة، استدار هاشم ورفاقه لإنقاذ أنفسهم بعد أن أمّنوا ظهر رفاقهم…
لم يكمل استدارته. اخترقت جسده 3 طلقات نارية، إحداها استقرت في العمود الفقري.
إصاباته بالغة. نقل إلى المستشفى الميداني بساحة التغيير، ومنه إلى مستشفى جامعة العلوم. أصيبت يده اليسرى، وإحدى كليتيه والطحال (تم استئصاله بعملية جراحية) وعموده الفقري الذي استقرت إحدى الطلقات بين فقرتيه الثانية (تهشمت) والثالثة.
أخضع هاشم لثلاث عمليات جراحية، إلا أن الجراحين لم يتمكنوا حتى اللحظة من إصلاح ما أفسده ثلاثة أعيرة نارية.
هو الآن عملية جراحية رابعة، الثلاثاء القادم، لإزالة العيار الناري.
يشتعل هاشم الأبارة، الهتّاف الأقدم في ساحة التغيير، بروح ثورية استثنائية؛ إذ لا يكترث كثيراً لإصابته، فهو يشعر بأنها قلدته “وسام شرف للثورة السلمية العظيمة”.
هو أحد الشباب الذين بقوا، في 3 فبراير، في ساحة الجامعة إلى فجر اليوم التالي، وتم اعتقالهم من قبل قوات الأمن والتحقيق معهم، ومن الذي دفعهم إلى الاعتصام والمطالبة بإسقاط النظام. وكانت أحزاب اللقاء المشترك يومئذ قد دعت إلى هبة شعبية للمطالبة بإصلاحات والتنديد بالتعديلات الدستورية المقدمة أمام البرلمان؛ لكنها عادت أدراجها سريعاً في الواحدة ظهراً تاركة الساحة لعشرات الشباب الذين صمدوا وأرادوا أن يعتصموا حتى اسقاط النظام.
اعتقل هاشم مع عشرات الشباب. بعد الإفراج عنه عاد للاعتصام والتظاهر أمام الجامعة رفقة مئات الطلاب والشباب المتحمسين. كان أحد المميزين في تلك الاعتصامات، فهو أهم هتّافي الثورة. كان يصرخ يومياً وبأعلى صوته: الشعب يريد إسقاط النظام”.
في 7 فبراير، كان متحاملاً جداً على الأحزاب، وقد انتقد في حديث بيننا يومذاك تخاذلها وعدم خروجها إلى الشارع، فتم تبني شعار “لا حزبية ولا أحزاب، ثورتنا ثورة شباب”.
هتّاف الثورة، شديد الاندفاع والحماس، لم يتخلف -قبل أن يصاب- عن مسيرة، ولم يفارق الساحة يوماً منذ 3 فبراير. كان يشارك في المسيرات وظل ورفاقه أسابيع عدة يتعرضون للقمع الضاري دون غطاء سياسي من أحزاب المشترك التي نزلت متأخرة بعد أن طالتها تهم السلطة الكيدية بأنها المحرك للطلاب حتى تم تثبيت الاعتصامات في 19 فبراير.
كون شباب 3 فبراير لهم ائتلاف داخل ساحة التغيير (هاشم من أبرز أعضائه)، فإنه يقول إن “الشباب يرفضون وصاية الأحزاب وآمل ألا تكون عائقاً أمام ثورة الشباب الشعبية”.
وبشأن المبادرة الخليجية أبدى رفضه الشديد لها وحذر الخليجيين “من استعداء الشعب اليمني”.

6857246

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *