عن الثورة والحوثيين.. تحولات في قلب جماعة دينية

18-05-2011

ماجد المذحجي
يشكل أداء مجموعة الحوثي نموذجا لافتا حول قدرة إطار عمل ديني محافظ ينهض من قاعدة تمثيل اجتماعية وجغرافية على التكيف السياسي، ببراجماتية عالية، مع الفعل الثوري الحالي في اليمن بتعقيداته المختلفة وبقدرة واضحة على تفهم الحساسية تجاه الجملة المذهبية المعرّفة بها (الزيدية) والموقع التمثيلي القادمين منه (الشمال)، وذلك في علاقتها، أي جماعة الحوثي، مع إرث اجتماعي وسياسي سيئ في الذاكرة الوطنية مع المرحلة الإمامية و”عكفتها” يقرنهم الآن، أي الحوثيين، مع تلك المرحلة، أو يخشى من عملهم على استعادتها، علاوة على تداخل هذه التعريفات الملتصقة بهم في علاقتهم الراهنة مع المكونات الأخرى، في الحدث الثوري الحالي، ذات الغلبة العددية والقادمة من مكونات نقيضة على المستوى المذهبي (شوافع) والجغرافي، أو على المستوى الأيديولوجي والسياسي، كالإصلاح، أو التعبيرات الليبرالية واليسارية الموجودة في الساحات، وأخرى نقيضة حتى على المستوى العسكري، كالفرقة الأولى مدرع واللواء علي محسن، وكلها مكونات وقوى موجودة بفاعلية في التحول العميق الذي يُنجز حاليا في اليمن. 
لقد استطاعت جماعة الحوثي أن تخلق طمأنة نسبية تجاه حضورها الفاعل والكثيف، خصوصا في ساحة صنعاء، بشكل بدد ضمنيا الاحتراس والحذر القائم تجاه هويتها وتجاه الالتباس في أغراضها اللاحقة، باعتبار أنها لم تنتج ملامح واضحة ومحددة لمشروعها ولتصوراتها السياسية يأخذ صيغة معلنة، وهكذا يظل الأمر بخصوص ما تُريد الجماعة وتطمح إليه معلقا إلى باب التحليل والتخمين.
إن استجابتهم الذكية لأول اختبار مهم خضعوا له تفصح عن عدم تورطهم في قالب سياسي وديني جامد، بل إنهم يتبلورون ويتكيفون كجماعة ذكية وبرجماتية للغاية على المستوى السياسي، أفصح عن ذلك نجاتهم من الفخ السياسي الذي صار عليه انضمام اللواء علي محسن للثورة الشعبية بالنسبة لهم، بما يشكله هذا الأخير من نقيض وجودي لهم، حيث صدروا ردود فعل متحفظه تجاه هذا الانضمام، ولكن ضمن سقف يحول دون أن تصبح مواقفهم منه فعلا تفجيريا للحدث الثوري، ولم يستدعوا أسبابا للاعتراض، رغم وفرتها لديهم، ضمن تقدير برجماتي يؤجل صراعهم معه، ومع ما يمثله من تحالفات سياسية ومذهبية واجتماعية مُخاصمة لهم، إلى مرحلة لاحقة أقل حساسية بالنسبة للثورة الحالية.
إضافة إلى ذلك يمكن قراءة إدارتهم للوضع في صعدة بعد الانسحاب الحكومي، المقصود، في صعدة بغرض تفجير الوضع فيها بين عدة فرقاء متخاصمين، ضمن ذات الحساسية الذكية، فلم يستثمروا تفوقهم على الأرض في تعسف السلطة كليا في المحافظة وفرض أنفسهم بشكل كلي عليها، بل رجحوا التوصل إلى حل توافقي مع خصومهم المتعددين لإدارة الوضع بما يضمن مصالحهم وعدم تهديد أسباب تفوقهم، ويحول أيضا دون تصدرهم الواجهة في صعدة بما سيثيره ذلك من مخاوف وحساسيات إذا حدث ذلك، وهي مخاوف ستتغذى على دعاية رسمية ممتدة على طول جولات الصراع بينهم وبين دولة “صالح” بكونهم أصحاب مشاريع “إمامية” ويريدون إقامة “إمارة شيعية” وما إلى ذلك، ولكون اجتنابهم السيطرة على صعدة سيصدر رسالة إيجابية عنهم لمختلف الأطراف الوطنية والإقليمية والدولية.
إن النموذج الذي يقدمه “شباب الصمود” المقربون من جماعة الحوثي في ساحة التغيير في صنعاء يقرب بشكل واضح صورة الأداء البرجماتي الذي تعمل الجماعة من خلاله الآن، حيث استطاع “شباب الصمود” بناء علاقات وتحالفات غير متوقعة مع التمثيلات المدنية وذات النبرة الليبرالية واليسارية في الساحة، وحتى مع المجموعات النسوية الحديثة والمتحررة، بشكل يبدو متناقضا نظريا مع الموقع الديني المحافظ، والمعلن، القادمين منه، وحتى وإن بدا ذلك، في مستوى ما، سلوكا سياسيا “انتهازيا” في مواجهة الجماعات الدينية الأخرى في الساحة، وخصوصا “الإصلاح” الأقوى بين الجميع، إلا أنهم لم يختاروا مثلا بناء تحالفات مع الكتل القبلية في الساحة، وهي كما يفترض أقرب بكل المستويات لهم، بل فضلوا الاختيار الأول ذا الطابع المدني ونسجوا مستوى رفيعا من الثقة والتقديرات الموحدة للتفاعل مع الأحداث سواء على المستوى الضيق في إطار الساحة أو فيما يتعلق بالحدث الثوري برمته وتحولاته.
يثير كل ذلك في تداخلاته وما يخفيه أسئلة متفرقة عما سيُحدثه هذا الحدث الثوري والتكيف الذكي للجماعة الحوثية معه، كجماعة دينية سياسية تقع من الزيدية الآن وضمنا في موقع الرأس من الجسد، من تحولات في قلبها وخصوصا أن أداءها يُفصح، على الأقل في تقديري، عن إدراك واضح لحجمها الفعلي وحساسيتها تجاه ما قد يُنتجه إرث تاريخي ملتبس للحضور الزيدي في الكثير من المناطق اليمنية من تداعيات على حضورها الوطني بأي مستوى كان هذا الحضور لاحقا، وعلاقة كل ذلك مع تاريخ طويل من الفعل الزيدي الرئيسي في صناعة الأحداث في اليمن.
لقد أنتجت الزيدية كمذهب وتمثيل اجتماعي تقاليد ولغة سياسية خاصة بها خلال المدى التاريخي الطويل الذي كانت فيه أحد أهم الفاعلين في صياغة أحداث هذا البلد وتحولاته، مثلها مثل الإسماعيلية في مرحلة ما التي أنتجت الأمر نفسه، لكنها انقرضت لاحقا بعد المرحلة الصليحية، ولم تعد تطمح لأن تكون جماعة مذهبية ذات دور سياسي لتكتفي بالحفاظ على وجودها فقط، ولكن الأمر تغير الآن ولم تعد إحداثيات السياسة والزمن والمجتمع والإقليم هي ذاتها القديمة بالنسبة للزيدية، وكما يبدو فإن جماعة الحوثي الآن هي الفاعل الأساسي الذي يقع عليه عبء إعادة إنتاج لغة سياسية ووجه سياسي جديد للزيدية في واحدة من أكثر اللحظات تداخلاً وعصفاً في تاريخ اليمن.

6857252