العيال كبرت

18-05-2011

الطلاب يطبقون ما تعلموه في الرياضيات لحساب إجمالي فساد المدير في السنة الدراسية.. والطالبات يتساءلن عن سر تحويل غرفة بالمدرسة إلى مخزن لأسطوانات الغاز.. بينما “بلقيس” تتهم “المشترك” بكتابة “ارحل” على قطتها!!
عباس السيد
انتفض مدير المدير المدرسة من مكانه كمن لدغته أفعى. هرول مسرعا صوب المكان الذي تصدر منه الهتافات. دفع باب الفصل بقوة، فجلس الطلاب على مقاعدهم وكأن على رؤوسهم الطير. وتحت الضغط والترهيب  تَعَرف المدير على الطلاب الذين كانوا يهتفون بالشعار، ولكنهم أجمعوا على أن الشعار كان لإسقاط الأستاذ وليس لإسقاط النظام كما يعتقد المدير.
أصر طلاب الفصل التاسع الأساسي على أنهم كانوا يرددون: “الفصل يريد إسقاط الأستاذ”. ومع ذلك ألقى المدير فيهم محاضرة في “الولاء والبراء” وسيلا من التوجيهات والتحذيرات، زاد عليها عقوبة حرمانهم من خروج الراحة ومواصلة الدراسة حتى انتهاء الحصة الخامسة.
عند خروج الطلاب، كان المدير بانتظارهم في ساحة المدرسة، وقد أعد لهم وجبة مجانية من سندويتشات الفاصوليا. بدا المدير ودودا مع الطلاب، على غير العادة، بينما كان الطلاب يتبادلون النظرات الحائرة  ويلتهمون ابتساماتهم مع السندويتشات التي تذوقوا معها حلاوة الشعار وسحر مفعوله. وفي طريق عودتهم من المدرسة كان العديد منهم يضربون مع بعضهم موعدا للتجمع وحضور المسيرة المقرر انطلاقها عصر ذلك اليوم للمطالبة بإسقاط النظام. 
الطلاب الذين لا يتجاوز عمر أكبرهم الرابعة عشرة يعرفون أن مدير المدرسة فاسد هو الآخر. لم يعرفوا ذلك من خلال الإعلام أو الشائعات، بل يعتبرون أنفسهم ضحايا فساده. أثناء فراغهم يقومون بتطبيق ما تعلموه في مادة الرياضيات لحساب ما يكسبه المدير مما يُفرض عليهم كرسوم لأوراق الامتحانات (مع أن المدرسة يتوفر بها أجهزة كمبيوتر وطابعة وآلة تصوير). في كل امتحان يدفع كل طالب عشرة ريالات عن كل مادة، عدد طلاب الفترة الصباحية 2000 طالب، عدد الامتحانات في السنة ثمانية امتحانات (شهرية ونصفية ونهائية)، عدد المواد 6 مواد…
يختلف الطلاب على ناتج الضرب والقسمة؛ ولكنهم يتفقون على فساد المدير الذي أصبح يمتلك سيارتين و”بيت مِلْكْ” كما يقولون.
الطالبات في الفترة المسائية أكثر حذرا من الطلاب في إعلان مواقفهن السياسية داخل المدرسة. ومع ذلك فقد وجدت طالبات الصف الخامس الأساسي اللائي كن يتعلمن “لأول مرة  من الأستاذ المصري” درسا في مادة الرسم التي أدخلتها إدارة المدرسة لملء الفراغ الذي خلفه غياب عدد من المدرسين اليمنيين، وجدت الطالبات في الرئيس المصري المخلوع هدفا سهلا ورددن في حضور الأستاذ المصري: “الشعب يريد إسقاط حسني مبارك”، وفي كل مرة يصرخ فيهن الأستاذ: “اسكتي يا بت مِنك لِيْها! جاكوا القرف”. تضحك الطالبات من غرابة الألفاظ التي يرد بها الأستاذ عليهن فيعاودن الشعار لاستدراجه لتكرار الألفاظ: “اسكتي يا بت…”.
وكزملائهن الطلاب في الفترة الصباحية، تُدرك الطالبات أن إدارة المدرسة فاسدة، ويتساءلن همسا عن سر تحويل غرفة بالمدرسة إلى مخزن لـ”دِبِيب الغاز” بينما تدمع عيون أمهاتهن وهن ينفخن في مواقد الفحم!
بخلاف الكثير من زميلاتها، لا تعاني عائلة “بلقيس” أزمة في الغاز المنزلي. بلقيس، التي يُحْظر في منزلهم مشاهدة قناتي “سهيل” و”الجزيرة”، تعاني مشكلة من نوع آخر؛ مشكلة بلقيس مع شخص مجهول استغل براءة قطتها الأليفة التي تدخل منازل الجيران على اختلاف انتماءاتهم السياسية وكتب عليها “ارحل”. لم تستطع بلقيس إزالة الكلمة -التي تكرهها- من على القطة، رغم مرور ثلاثة أيام وثلاث غسلات بالماء والصابون، وتعتقد أن المادة المستخدمة في الكتابة هي من تلك المستخدمة في طلاء السيارات، لا تستطيع بلقيس أن تتهم شخصا محددا، ولكنها واثقة من أن الجريمة تحمل بصمات “المشترك” وأنصاره في المنازل المجاورة.
وكعقوبة لها عن اتصالاتها المشبوهة بـ”المشترك”، فقدت القطة الرعاية التي كانت تحظى بها في منزل بلقيس، مما دفعها إلى أن تهجر ذلك المنزل والانتقال رسميا للعيش في المنازل المجاورة.
………………………………………………………………..
 
مثل جمهور السبعين والتحرير..
أميركا أيضا: ما لنا إلا علي!
 مواقف الولايات المتحدة من رحيل الرئيس علي عبد الله صالح عن السلطة تتماهى مع مواقف أنصار الرئيس، الذين يحتشدون كل جمعة في ميداني السبعين والتحرير وهم يهتفون: “ما لنا إلا علي”.
فالولايات المتحدة لا تزال ترى في الرئيس صالح شريكا حقيقيا في ما تسميه “الحرب على الإرهاب”، ولا تترد في إعلان قلقها من الفراغ الذي سيخلفه رحيل صالح، وكأنها تردد أيضا شعار جمهور السبعين: “ما لنا إلا علي”، في الوقت الذي يعيش فيه (علي ) الأشهر الأخيرة من عامه الثالث والثلاثين في صراع مع شعبه لتأمين خروجه من السلطة التي نجح خلالها بامتياز في أن تتبوأ اليمن موقعا في مصاف الدول الفاشلة.
فإذا كان الفقر والجهل والتعصب الأعمى هي التي تدفع آلاف اليمنيين للاحتشاد وتجديد البيعة للرئيس في كل جمعة، فما الذي يدفع الولايات المتحدة لترديد “شعار السبعين”؟! ولماذا تربط مصالحها بشخص الرئيس؟! كيف تخلت الإدارة الأميركية عن الرئيس المصري (الحليف الأهم والأكبر في المنطقة) في ثلاثة أسابيع، بينما تتمسك بصالح (رئيس الدولة الأضعف قوة وتأثيرا) رغم مرور ثلاثة أشهر من الاحتجاجات الشعبية العارمة؟!…
مخاوف الإدارة الأميركية من تصاعد حجم “القاعدة” في اليمن وزيادة مخاطره على الولايات المتحدة والعالم باتت في نظر اليمنيين والكثير من المراقبين في العالم مخاوف مبالغا فيها وغير مبررة في أحايين كثيرة. بل إن البعض يذهب حد التشكيك في حقيقة هذه المخاوف، وخصوصا عند حصر التحالف الأميركي مع اليمن في محاربة “القاعدة” بشخص الرئيس صالح! فما الذي يقدمه الرئيس صالح للولايات المتحدة ولا يستطيع أن يقدمه غيره؟!
وعلى الرغم من محاولات المعارضة اليمنية المتكررة لطمأنة الغرب وتبديد مخاوفه من خطر “القاعدة” وحجمه في اليمن، باعتباره مجرد ورقة يستخدمها الرئيس صالح لابتزاز الداخل والخارج، إلا أن التحالف الأميركي مع الرئيس صالح في ما يعرف بـ”محاربة الإرهاب” يتزايد عاما إثر عام.
 أبرز أوجه التحالف يتركز بشكل رئيسي في تأسيس وتأهيل عدد من الوحدات العسكرية والأمنية التي أسندت قيادتها لأقارب الرئيس، حيث تتولى الولايات المتحدة التسليح والتدريب. ويصل هذا التحالف حد التغلغل الأميركي في بنية هذه الأجهزة وتوجيه العقيدة العسكرية لأفرادها، وهذا ما يفسر إعلان مسؤولين أميركيين رغبتهم في استمرار أقارب الرئيس في قيادة هذه الأجهزة حتى بعد رحيل صالح، لارتباطها في تحالف محاربة الإرهاب، كما يقولون، وهو ما يكشف رغبة الإدارة الأميركية في مواصلة السياسات نفسها في علاقاتها مع اليمن، وحصر هذه العلاقات في أشخاص ودوائر أمنية ضيقة، بعيدا عن مؤسسات الدولة الدستورية والقانونية.
خدمات الرئيس صالح للإدارة الأميركية تتجاوز مسألة التعاون الاستخباري إلى التفريط بسيادة الوطن وحقوق المواطنين؛ فالطائرات الأميركية بدون طيار تحلق فوق رؤوسنا ليل نهار، وعلى أرض اليمن نفذت طائرات “براتيدور” بدون طيار أول عملية لها على مستوى العالم، حينما استهدفت أبوعلي الحارثي في مارب، وفقا لصحفيين أميركيين.
العمليات الأمنية التي يقودها فريق من ال”سي آي إيه” وتتبنى السلطة في اليمن القيام بها تكررت باستمرار، مرورا بعملية المعجلة في محافظة أبين، وصولا إلى العملية التي قيل إنها استهدفت اجتماعا لعناصر من تنظيم القاعدة وشملت أمين عام محلي مارب (جابر الشبواني) الذي قضى في ملابسات العملية! ولعل العملية التي قيل إنها فشلت في استهداف أنور العولقي الأسبوع الماضي لن تكون الأخيرة.
ساهمت الولايات المتحدة من خلال هذا التحالف في ترسيخ دعائم نظام الرئيس صالح وتقوية أجهزته العسكرية والأمنية التي تدين بالولاء لشخص الرئيس وأقاربه مما يجعلها أقرب إلى الميليشيا منها إلى المؤسسات الوطنية.
وفي اعتقادي أن الولايات المتحدة تدرك خطورة هذا التحالف على الأمن والاستقرار في اليمن؛ ولكنها لا تهتم لذلك بقدر اهتمامها بأن يبقى اليمن “مصدرا متجددا لإنتاج الإرهاب”، كي يتسنى لها الاستمرار في فرض حالة الطوارئ على العالم بأسره وتنفيذ مخططاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية في ضوء هذه الحالة.
ولذلك فإن الولايات المتحدة لا تلقي بالاً لمحاولات المعارضة اليمنية إقناعها بأن “القاعدة” في اليمن ليس سوى ورقة في يد الرئيس صالح يستخدمها لابتزاز الداخل والخارج؛ لأنها تعلم ذلك، فالتحالف الأميركي مع الرئيس صالح هو في الحقيقة لإنتاج الإرهاب لا لمكافحته، وهو تحالف يحقق مصالح الطرفين؛ فالولايات المتحدة مستمرة في فرض حالة الطوارئ على العالم، والرئيس صالح مستمر في فرض حالة الطوارئ على اليمن وتحويله إلى ملكية عائلية، وهذا هو جوهر التحالف بين الطرفين، وما الاتفاقيات والبروتوكولات الموقعة والمعلنة سوى غطاء لـ”تحالف إنتاج الإرهاب”، وهو تحالف سينتهي بابتعاد الرئيس صالح عن سدة الحكم في اليمن. لذلك، تجد الولايات المتحدة نفسها الآن في أزمة؛ لأنها تدرك استحالة استمرار التحالف نفسه مع أي نظام يخلف النظام الحالي في اليمن، مهما كانت تبعيته أو ظروفه، وهذا ما يستشف من مواقفها الحالية المتماهية مع مواقف أنصار الرئيس في ميدان السبعين (ما لنا إلا علي!). كلا الطرفين (أنصار الرئيس في ميدان السبعين والإدارة الأميركية) لا يستطيع تقديم مبررات مقنعة لتمسكه بهذا الشعار.
لقد تخلت الولايات المتحدة عن الرئيس مبارك في غضون ثلاثة أسابيع، ولم تخش التأثير السلبي لرحيل مبارك على مصالحها ومصالح حلفائها الاستراتيجية في مصر؛ لأن تلك المصالح مرتبطة بالدولة المصرية وليس بشخص الرئيس مبارك. كما أن حضور مصر السياسي والاقتصادي والسياحي في العالم يجعل من الصعب على الإدارة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي التغاضي عما يدور من حراك شعبي داخل مصر، بينما ساعد الغياب الدائم  لبلادنا في الخارج -والتي لا يتذكرها العالم إلا عند حدوث تفجير إرهابي أو اختطاف سياح- على غياب هذه الثورة عن الرأي العام الأوروبي والأميركي. وعلى الرغم من سقوط مئات الضحايا وآلاف الجرحى ومرور ثلاثة أشهر من الاحتجاجات العارمة اكتفت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بإحالة ملف الثورة في اليمن إلى دول مجلس التعاون الخليجي، في محاولة لـ”جبر خاطر” دول الخليج، التي لم يستجب لها الغرب عندما رمت بكل ثقلها لإنقاذ الرئيس مبارك، وفضل الوقوف مع مطالب الشعب المصري.

6857250

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *