ذاكرة الجنوب والفعل السياسي!

18-05-2011

شفيع العبد
ليست كل الأحداث تبقى عالقة في ذاكرة البشر. وحدها تلك التي تأتي من وسط الركام، ومن رحم المعاناة، لتعيد أصحابها إلى واجهة المشهد بقوة الفعل، وعدالة ما يؤمنون به، ومدى قدرتهم على الوقوف مجدداً على أقدامهم. فكم هي الأحداث التي مرت بنا ولم نتوقف عندها ولو لبرهة من الزمن، لم نتأملها، ولم نشغل بالنا بها! كما هي ذاكرتنا الجمعية المرهقة.
لا يخفى على عاقل ما لحق بجنوب اليمن من صراعات ومآس، منذ ما قبل الاستقلال، نتيجة حتمية لغياب الديمقراطية وتغييب الآخر، وعدم إتاحة الفرصة أمام الصوت المختلف للبوح، وممارسة كتم الأنفاس على أنغام “لا صوت يعلو فوق صوت الحزب”. لست هنا بصدد تسجيل تقييم لتجربة إنسانية شابتها أخطاء وتباينات، واعترف بها أصحابها، معلنين اعتذارهم في مناسبات مختلفة.
حين ارتفعت عالياً دعوة التصالح والتسامح، سرعان ما ردد الزمان والمكان جنوباً  صداها بقوة، وسار الإنسان في رحابها، مثقلاً بأخطاء وخطايا ارتكبها بنو جلدته في لحظة غرور غاب عنها العقل الواعي، لتفسد الجمال، وتعتدي على حق الإنسان في الحياة، وتسفك الدماء في الطرقات والميادين، دون أن يدري القاتل والمقتول لأي ذنب فعلوا ذلك؟
طوال تاريخ الجنوب المليء بالصراعات السياسية، لم يلتئم شملهم بمختلف فئاتهم وتكويناتهم السياسية والاجتماعية، تحت أي مظلة، حتى وإن كانت مظلة “مراسيم عزاء”، وهي أسمى المواقف التي يتجسد فيها الفعل الإنساني النبيل.
مؤخراً وتحديداً خلال الفترة 9-11 مايو2011، عاد الانتعاش للذاكرة الجنوبية لتستقبل حدثاً جنوبياً، ربما هو الأول في تاريخ الأحداث المتخمة بها، ذلك هو اللقاء التشاوري لأبناء الجنوب الذي عقد خارج الوطن، بمشاركة ممثلي مختلف الفئات الاجتماعية والسياسية وفرقاء الصراعات السابقة من داخل اليمن وخارجه، ليعيد الأمل إلى نفوس كاد أن يقتلها الانتظار وينال منها اليأس، ويتسرب إليها الملل من عدم جدوى ما فعلته على طريق التصالح والتسامح، لكنه القدر كان حاضراً بقوة الإرادة، وصدق النوايا والتطلعات.
اللقاء كان عرضة للنقد والتشكيك من قبل أطراف جنوبية داخل الحراك السلمي الجنوبي وخارجه، منذ اللحظات التي سبقت انعقاده، وحتى اللحظة وستبقى مادامت الرؤية “رؤية جنوبية لحل شامل للأزمة الراهنة في اليمن” التي خرج بها لحل القضية الجنوبية باعتبارها أس وجوهر الأزمة اليمنية، حاضرة بقوة في ساحة الفعل السياسي التي غاب عنها الطرف الجنوبي وتحديداً الحراك.
غياب الحراك الجنوبي عن الفعل السياسي يرجع لحالة الإرهاب الفكري التي فرضوها على الجميع وجعلوهم عاجزين عن البوح بما تختلج به نفوسهم، وما تجود به أفكارهم، وما يحملونها من قناعات ورؤى، لقد تخلوا عن كل ذلك وساروا مع ما يريده “حادي العيس”، ولهذا ساهموا في تأخر الحراك وتراجعه كثيراً، عطلوا عقولهم وأوقفوا الزمن عند مصطلحي “الاحتلال” و”الاستقلال”، فكانت النتيجة تشتتا واضحا للعيان في صفوف الحراك الجنوبي، واختلافا لا تخطئه عين بين قياداته ونشطائه، نتج عنه غياب أفق الرؤية، وعجز عن صياغة مشروع سياسي موحد لأصحاب الهدف الواحد.
لا نحمل اللقاء التشاوري فوق ما يحتمل ونصوره على أنه المنقذ للجميع، والقادر على نقلنا إلى بر الأمان؛ لكننا نتعامل معه من منظور سياسي متفائل، بما أخرجها من رؤية شارك فيها ممثلو مختلف التكوينات الجنوبية، حراكا وسلطة ومعارضة الداخل والخارج وشخصيات اجتماعية واعتبارية، رؤية تحتاج إلى  تضافر الجهد الشعبي والسياسي، والحوار حولها مع كل القوى المؤمنة بالحوار كلغة عصرية وحيدة قادرة على حل الخلافات والتباينات وتقريب وجهات النظر ووصول المتحاورون إلى نقاط التقاء أو حتى نقطة واحدة يتم التأسيس عليها للانطلاق نحو المستقبل الآمن، بعيداً عن لغة التخوين والإسفاف وتوزيع صكوك الوطنية ومنحها للبعض وتجريد البعض الآخر منها لمجرد ممارسة الحق في التعبير عن الرأي كواحد من أهم حقوق الإنسان، أكدت عليه الشرعة الدولية مثلما أكدت على حق تقرير المصير.
لا يختلف اثنان على أن الحراك السلمي الجنوبي صاحب الفضل في كسر حاجز الخوف؛ لكن من المعيب أن نجد بين قياداته ونشطائه من يعيش تحت هاجس الخوف من ردة فعل طائشة إن هو عبر عن قناعاته وآرائه، لذا فإن التحرر من هاجس الخوف، يتطلب تمردا على واقع متخلف داخل الحراك يحاول البعض أن يكرسه ثقافة تتنافى مع القيم الأصيلة التي انطلق الحراك محملاً بها، وفي منتصف الطريق تخلى عن كثير منها.
المرحلة تتطلب فعلا سياسيا حقيقيا وحوارا مدنيا مع الآخر. يكفينا ما أضعناه من وقت، وما أهدرناه من جهد، بعد أن ظللنا ندور حول أنفسنا ونتحاور مع نزواتنا. وأظن أنه باللقاء التشاوري وما خرج به من نتائج فقد وضع الجنوبيون أول خطوة لهم على طريق الفعل السياسي الذي تأخرنا عنه كثيراً، وبالضرورة لن تكون الخطوة الوحيدة ولا الأخيرة، فالقادم ربما سيكون أفضل… وكفى.

6857176