100 يوم من الثورة

17-05-2011

 فتحي أبو النصر 
“ما حدث ليس بالبسيط، لكنه ليس الأهم”. بهذه الرؤية المكثفة يختزل المناضل العتيق المتجدد الأستاذ أحمد قاسم دماج مآلات الثورة الشبابية الشعبية السلمية بعد مائة يوم من انطلاقتها، كأعظم قدر وطني يختاره اليمنيون لأنفسهم، ثم يناضلون من أجل تحقيقه بصدورهم العارية وبسالة أحلامهم الجمعوية العصية على الهلاك.
غير  أن “التراكم الكمي يؤدي إلى تغير كيفي عند بلوغه المعيار اللازم”، حسب قوانين الجدل وحتمية التطور. 
فبعد مائة يوم على التطور الفكري والثوري للنهوض بالأمة اليمنية، صار المشهد منحصراً بين الناس في الميادين والساحات، بمقابل النظام السياسي واللقاء المشترك، وما بينهما بالطبع مبادرة الخليجيين التي لا تلبي المطامح الثورية، بقدر ما تلبي حاجة صالح الدائمة إلى التغطرس والتسويف وصولاً إلى التنصل وتعزيز  سلطويته بشراء الذمم وسياسات الترغيب والترهيب، وبالتالي: استمرار النفوذ المطلق لمصالح أبنائه وأبناء أخيه وأصهاره وبقية أقاربه المشاركين في الاستيلاء على الحكم، كما لا نستثني في السياق كل أياديه المخلصة في حزبه: المؤتمر.
 الأسوأ أن هذه المبادرة ذات الحسابات السعودية جداً جاءت في كل نسخها مفعمة بمسألة العبث السياسي جراء اعتبارها ما يجري في اليمن مجرد أزمة بين المعارضة ونظام صالح.
وبما أن كل الحلول السياسية قد أثبتت فشلها بمواجهة تصلب نظام مكشوف وبلا مسؤولية كهذا، هناك من يرى أنها أعدمت فرص التصعيد الثوري الذي يليق بطموحات الشعب اليمني كما ينبغي، في حين أنها قادت صالح إلى استعادة مسك زمام لعبته المفضلة في تعبئة الشعب ضد بعضه البعض، مستهزئاً بالفعلين الثوري والسياسي معاً.
ولقد تسببت المبادرة الخليجية في ظهور احتقان كبير وعميق في كافة الفئات الثورية. كما جعلت صالح يظهر متمادياً بحلوله الأمنية التي تفاقم من مآزقه، إلا أنها تضع أحزاب اللقاء المشترك في مأزق وطني فادح، في الوقت الذي تحرج فيه الخليجيين أخلاقياً وتاريخياً.
حسب تعبير الزميل احمد عبد الرحمن، يشبه علي عبد الله صالح الملك الفرنسي لويس السادس عشر كثيراً، لكن لا أحد من حاشية صالح يشبه رسوله ليانكورت، فحين أبلغه الأخير بسقوط الباستيل وتحرير بضعة سجناء منه، وتمرد القوات الملكية قبل وقوع الهجوم الشعبي، صاح الملك قائلاً: “إنه تمرد”، فامتلك الرسول العظيم ليانكورت الشجاعة الكافية وصحح له الأمر: “كلا يا صاحب الجلالة، إنها ثورة”!
طبعاً في خضم السعي المبادراتي المحموم خليجياً – الجولة الثانية من النسخة الرابعة للمبادرة  الخليجية المشؤمة  – بدت الزيارة الثانية لأمين عام مجلس التعاون الخليجي عبد اللطيف الزياني مفتقدة لأفق نظر وضد مصالح الشعب اليمني ، كما انها خالية الوفاض  ،  إلا من تمديد الوقت غير الحاسم حتى تحولت من مبادرة للحل كما يزعمون الى مبادرة لعدم الحل ، بينما تفيد معلومات النداء انها لازالت تخلو من أبسط الجوانب الاستراتيجية التي ربما عول عليها المشترك  ؛ ولعلها دليل ساطع على ان الديبلوماسية الخليجية تتورط في تعليق مصائر الشعوب التائقة للتغيير وانها ديبلوماسية بيروقراطية جداً ،كما لا تخوض فيما يجب الخوض فيه ، وكأن الاستخفاف بحاضر ومستقبل اليمنيين بمثابة بروتوكولها الذي يخضع لكل الضوابط التقليدية التي لاتكترث . 
إزاء ذلك لازال يتكرر السؤال  ذاته بعد مئة يوم على انتشار الثورة كمصير جليل في كل الجهات اليمنية : هل سيحقق اليمنيون الثائرون حلمهم  بالدولة المدنية.. دولة المواطنة والعدالة والكرامة والمساواة لا دولة مراكز القوى التقليدية .. دولة اليمن الحديث لا دولة الفساد والهمجية ووالعنجهية واللا محاسبة واللادولة  ؟
برأي نشطاء مستقلين: تأثرت الثورة بفعل التدخل المفرط للأحزاب في جوهرها الشبابي الشعبي حتى بدت بعيدة عن نبض الشارع الثائر ومزاجه، حيث أعرب هؤلاء عن خيبتهم الكبيرة من مسايرة أحزاب اللقاء المشترك لرغبات النظام فيما يعتبرونه تفريغاً للثورة وانعكاساً سلبياً على مسارها عبر قبول تلك الأحزاب الدخول في معمعة المبادرات القادمة من دار رئاسة السبعين في صنعاء وقصر الدرعية في الرياض، مع أن الالتفاف المدهش الذي ناله الفعل الثوري من مختلف فئات الشعب كان قد تجاوز القوى الحزبية بكثير.
غير أن سياسيين يؤكدون، خلافا لذلك، أن المشترك قد نجح في وضع النظام داخل فخ ادعاءاته التي يكيلها  للثوار وللساسة بدافع حرصه المزعوم على عدم تدهور وضع البلاد إلى أخطر الأوضاع التي يلوح بها بشكل هو مراراً وبصورة مستنفرة ومستفزة.
والأسخف أن علي عبد الله صالح يريد من العالم أن يحل له كل المشاكل التي أنتجها في البلاد، على أن تتم إزالة الاعتصامات فوراً، بل ويمنح مع أعوانه كل الضمانات لعدم الملاحقة القانونية والقضائية في قضايا فساد أو جرائم قتل ضد الثوار السلميين، وبالمقابل  لا مانع من بقائه في السلطة أو إعادة إنتاجه بأكثر من هيئة وأشكال متعددة!
إن الثوار يجددون استئناف أحلامهم كل لحظة، رغم كل مظاهر وأسباب أدت إلى ما يعتبرونه تطويقا للثورة وعدم تصاعد زخمها كما كان متوقعاً، مؤكدين أن الحسم لأحلام الشعب مهما طال الزمن، كما أنهم مع سقوط كل شهيد في كفاح ثورتهم السلمية الخلابة، تبدو  وكأن دماء الشهداء “تسري في أعصابهم جميعاً” طول البلاد وعرضها.
كان محامون ونشطاء وأكاديميون وبرلمانيون وساسة وشباب وناشطون إضافة إلى رجال قبائل مناصرون للثورة أجمعوا في ختام ندوة عقدت مؤخرا في ساحة التغيير بصنعاء على أن الثورة صارت تحتاج إلى ثورة لتعيدها إلى حماسها وألقها الذي تميزت به في بداية انطلاقها عبر حماس طلاب جامعة صنعاء في الخامس عشر من يناير الماضي.
الندوة التي احتضنها المنتدى السياسي بتنظيم من تجمع مستقبل العدالة، بالتعاون مع التحالف المدني للثورة الشبابية، وحملت عنوان ” 100 يوم للثورة.. تقييم قوتها وضعفها وفرصها وتهديداتها”، انتقد المشاركون فيها سيطرة الأحزاب التي حولت الثورة إلى وسيلة ضغط لتعزيز مكانتها في التفاوض مع النظام فأطالت التعاطي بذلك مع المبادرات على حساب الثورة ونجاحها – حسب تعبير البرلماني المعروف أحمد سيف حاشد.
وفي الندوة تحدث المحامي القدير الأستاذ احمد الوادعي عن محيطين محلي وإقليمي لم يساعدا على تنامي الثورة، مشيرا إلى أنه ينبغي الاحتفاظ بمسافة بين الثورة والفرقة الأولى مدرع التي أعلنت انضمامها إليها.
أما القيادي في أحزاب اللقاء المشترك الدكتور محمد عبد الملك المتوكل فقد أكد أن أحزاب المشترك كلفت حزب الإصلاح بتحمل مسؤولية تنظيم ساحة الجامعة باعتباره الحزب الأكثر تنظيما بين أحزاب المشترك، معتبرا أن هناك من أعضاء الإصلاح من لا يزالون يحملون تصورات خاطئة يتعاملون مع الآخر وفقها. لكنه أشار إلى أن الخطأ يحسب على هؤلاء كأفراد ولا يحسب على الإصلاح كتوجه.
من ناحيته انتقد حاشد وبشدة ما وصفه بالخطاب السلفي المتخلف الذي انطلق من منصة ساحة الجامعة، مؤكداً أن الأمن القومي استغل ذلك الخطاب لنقل صورة مخيفة عن مستقبل الثورة محليا وإقليميا ودوليا. وقال: “نبهنا كثيرا لتلك الثغرات؛ ولكن لم نجد استجابة وحرصت القوى المسيطرة على عدم تصحيح مسارها”.
حاشد، الذي قال إنه علق عضويته في اللجنة التنظيمية للثورة الشبابية السلمية بسبب أن هذه اللجنة ليست صاحبة القرار، مشيراً إلى أن الإدارة الفعلية من قوى خارج اللجنة، اعتبر أن علي صالح ليس أقوى من زين العابدين الذي أطاحت به الثورة التونسية، ولا أشد من مبارك الذي أطاحت به ثورة مصر؛ لكن ما حدث برأيه هو سيطرة بعض القوى على مسار الثورة وبالتالي قيادتها بإدارة الساحة.
وكان حاشد أشاد جداً بدور الإخوان المسلمين في ثورة مصر، إذ لم يسعوا إلى السيطرة على الثورة، وتركوا الشباب يتصدرون المشهد؛ لكن ما حصل في اليمن كان مختلفا؛ إذ لم تفلت ثورة الشباب من السيطرة السيئة، مضيفاً أن المبادرة الخليجية هي سبب آخر ساهم في تأخير انتصار الثورة، إذ إن المبادرة هي وصفة سعودية لإنقاذ النظام الذي قال إن السعودية تحرص على بقائه لإخفاء ملفات كثيرة معه من ضمنها قضية الحدود اليمنية السعودية.
فضلا عما سبق، أرجع عديد ثوار سبب التراخي الذي أصاب الثورة إلى سيطرة الأحزاب سياسياً إضافة إلى  الفرقة الأولى مدرع في إطار الساحة، ما وصفوه بالخذلان الذي طرأ على الثورة.
وفي مداخلتها كذلك انتقدت الناشطة بلقيس اللهبي الانضمام العسكري للثورة بعد “جمعة الكرامة”، وقالت إنه تسبب في إبطاء تنامي الثورة، مضيفة أنه بعد أن كان علي صالح يرتعش أمام الميكرفون صار بعد ذلك أكثر إبرازا لمظاهر قوة.
اللهبي، التي رحبت بالمقابل بانضمام قسم من الجيش إلى الثورة وشكرتهم، سرعان ما استدركت: “لكننا نريد أن نقول لهم: لا تتدخلوا في الثورة”، مؤكدة هي الأخرى أن السعودية ساهمت في ضرب الثورة وإبطائها.
وقالت: “السعودية لن تكون يوما مع ثورة؛ فهذه المملكة تعتبر اليمن حديقتها الخلفية لترمي فيها كل زبالتها بما في ذلك لجان الأمر والنهي”.
القيادي الاشتراكي المعروف الكاتب محمد المقالح الذي لطالما استنكر اختلالات المنصة  وخطابها في اطار النقد الشفاف والتقويم للأخطاء وتجاوزها ، كتب البارحة على صفحته في الفيس بوك ما أعتبر من قبل نشطاء رأياً مغايراً جريئاً وثاقباً خلافاً لإرائه السابقة الحادة والقطعية تجاه الموضوع قائلاً :  قد لا تكون نظرية المؤامرة وراء تجميد ساحة التغيير من يدري ؟
ربما يكون غياب او نعدام التجربة الشعبية في الثورة هو السبب
تجربة الاحزاب في العمل مع الناس مباشرة ضعيفة وورتيبة جدا
كم من الزمن يحتاجون لكي يتعلموا ان الثورة مواجهات يومية وعلى مدار الساعة مع السلطة واجهزتها القمعية “
على صعيد آخر يمكن القول أيضا مع مضي مائة يوم من الثورة إن أنبل مشاعر التضامن الوطني يعيشها اليمنيون حالياً بفضل ثورتهم السلمية التي أدهشت العالم بقدرتها على التموضع في إعادة صياغة روح المواطنة على نحو سليم إضافة إلى صمودها المستمر رغم تبنى النظام أقذر سياساته  لتفكيكها.
بمعنى أن المرحلة الثورية العربية تثبت بجدارة -حسب برهان غليون- تجدد عهود الوطنية التي اندثرت تحت حكم الأجهزة الأمنية والاستخدام الموسع للعنف وفساد النخب الحاكمة. وفي ما وراء ذلك وعبر الارتباط به، يكمن إعادة استملاك الشعوب لأوطانها التي انتزعت منها وأصبحت مرتعاً لحكام حولوها إلى إقطاعات خاصة.
من تجليات ذلك الترابط والتعاضد الوطني الفريد خلال الآونة الأخيرة باليمن، مواقف ثورية وطنية خالصة تكاد أن تتحول إلى ظواهر بينما لم يكن يسمع بها المرء من قبل؛ منها: قصف طائرات النظام لقبيلة نهم التي منعت قوات تتبع الحرس الجمهوري  من المرور  في حدودها لقمع مسيرات ثورية بحضرموت.
وكان النظام الأسبوع الماضي أقدم على قصف منطقة الحد في يافع الذين تصدى أفرادها ببسالة لاستفزازت قوات من الحرس مرابطة هناك في موقع استراتيجي.  فيما أقدمت قبائل آل حميقان المجاورة على منع قوات عسكرية معززة من المرور في أراضيها حتى لا تضرب منطقة الحد وهي تقاوم صلف النظام.
كما أقدمت دبابات النظام ومصفحاته منذ أيام على ضرب مناطق في الحيمة رفض أهاليها تحويل موقع عسكري يتبع النجدة إلى لواء للحرس الجمهوري. وكان أبناء الحيمة قبل حوالي شهر قد منعوا قافلة عسكرية تتبع الحرس الجمهوري من التوجه إلى محافظتي الحديدة وحجة لقمع المعتصمين السلميين هناك.
وفي السياق كانت قبيلة أرحب المساندة للثورة منعت لواءين كاملين يعدان على رأس أهم ألوية الحرس الجمهوري من التوجه بالأسلحة الثقيلة والدبابات إلى صنعاء حتى لا يتم ضرب الثوار السلميين بهم.

6857148