الحاكم وظلُّه

17-05-2011

منصور هائل
سمعت قبل فترة أن قناة “الجزيرة” تهاتفت مع الزميل صلاح الدكاك إلى تعز واتفقت معه على معاودة الاتصال بعد خمس دقائق، وفي الأثناء كان هناك من يسترق السمع من عناصر الأمن القومي المختصين بالسهر على الحدود وما وراءها، والتنصت على مكالمات الناشطين، وقاموا باختطاف المكالمة وتحويلها على الرقم إياه إلى متحدث آخر -من الأمن القومي طبعاً- تحدث باسم صلاح الدكاك الذي كان ينتظر وهاله أن يسمع أحدهم وهو يتحدث باسمه ويصرح بكلام يناقض قناعته ورأيه، ويستفز ضميره ويثير جنونه بتمجيده للنظام وزعامته وتحقيره للشباب والثورة وساحات التغيير وميادين الحرية.
يومها ضحكنا كثيراً وتندرنا بلا حدود من القفزات التي تحرزها السلطة في مجال تقنية الاختطاف وتزوير الأصوات والإرادات، واعتقدنا أن الأمر لن يتكرر قط، فلكل شيء حدود، بما في ذلك الغباء نفسه. وفي الأربعاء الماضي سمعت أن أحد المقربين من رأس النظام يتقمص دور القائد الميداني الثوري وتهاتف مع قناة “الجزيرة” ليحدثها بأنه من طلائع المظاهرة التي كانت متوجهة إلى مقر رئاسة الوزراء، وراح يحدثها أنه من المفرزة التي اقتحمت مقر الرئاسة وشاهد عشرات الجثث وأنهار الدماء، وقال إن “الطاغية” يستعد للهرب إن لم يكن قد هرب و…
انفضح أمر ذلك “الناطق”، لأن الخالق جل وعلا قد حباه بصوت لا نظير له في اليمن ولا في كوكب الأرض قاطبة، رغم أنه يخلق من الشبه أربعين، وتلك حكمته ونعمته على معشر اليمانيين. وإزاء ما حدث كان أن انجرت معظم الكائنات الآدمية المحسوبة على “النخبة” المعارضة في هذه البلاد، كعادتها، إلى مهوى التعجب من إصرار ومثابرة رأس النظام، دائماً وأبدا، على اختيار أسوأ الناس وأرذل البشر وتعيينهم كمدراء ووزراء وناطقين بلسان: الحاكم. وليس ثمة ما يثير العجب في هذا المقام أكثر من هؤلاء الذين يريدون إرغام الحاكم على أن يقفز فوق ظله، ويخون طبعه ومزاجه وطبيعته، ويقولون إنهم: معارضة!! لا شك أن هذا الصنف من المعارضة يقوم بتغذية “الحاكم” بالكثير من الزاد والوقود على النحو الذي يجعل من صعود الفاسدين والأفاكين والمهرجين المبتذلين والسفلة إلى أعلى المناصب والمراتب، س……………. منهجياً وعلامة تعريفية عنيدة للنظام “الحاكم” والمتحكم برقاب وأرزاق ومصائر العباد والبلاد عبر هذه الأدوات القذرة. ويبدو أن هذا النوع من المعارضة هو الذي يخدم تلك الأدوات، بقصد أو بغيره. والشاهد على ذلك أنه كلما ارتفعت أصوات الشكوى والاحتجاج على أي بواق زنيم، بالغ “الحاكم” في تكريمه وتعظيم دوره نكاية بالرافضين، وانحدرت البلاد إلى ما دون الحضيض وما بعد الانحطاط. ويحدث، في الغالب، ألا تلتفت القوى المعنية بصياغة وتشكيل الرأي العام إلى المصيبة الأعظم، الناتجة عن غياب القراءة المطلوبة لفساد النظام حين يختار الأسوأ، دوماً، في كل المواقع والمقاعد، من زاوية أن هذا النهج الكارثي يجسد أخطر وأفدح أشكال الفساد، فهو يهدر مقدرات البلاد ومواردها وطاقاتها البشرية ومواهبها وعبقرياتها لصالح حفنة من الفاسدين والأدعياء وذوي الرغبات الهجامة في انتزاع ما ليس من حقها، واغتصاب كل وأي سلطة، والتطويح بكافة المعايير وتقنين الأخطاء والخطايا، وإفساد الحياة العامة، واستلاب المجتمع وإفراغه من قدرات التدبير والتفكير العقلانية وأدوات إصدار الأحكام الصحيحة وبناء التقديرات المعقولة، وإفقاد البلاد إمكانيات اكتشاف طاقاتها الإنسانية وكفاءاتها البشرية ومعاييرها الأخلاقية. وأخيراً، لا بأس من القول إن هذا الذي يحدث يستدعي إلى الذهن ما كتبه الأستاذ القدير أحمد بهاء الدين -رحمه الله- ذات مرة عن المخابرات الأمريكية حين اصطادت شخصية قيادية كبيرة في المخابرات السوفييتية وكلفتها بمهمة واحد فقط، انحصرت في أن تقوم تلك الشخصية بتصعيد الأسوأ عند الترشيح للمناصب العامة، لأنها كانت تعتقد أن ذلك هو السبيل الأمثل لتقويض الخصم، ويبدو أن ذلك كان من الأسباب الرئيسة في زوال إمبراطورية كان اسمها: الاتحاد السوفييتي العظيم.

6857126

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *