اليمن.. أمام مُفترق الطريق من جديد!

5-04-2011

إلهام مانع
لا مفر من التاريخ، نعود إليه كي نستقرئ وقائع الحاضر! قبل نحو 40عاماً، وقفت اليمن على مفترق طريق، وتحديداً عام 1962 في اليمن الشمالي. حينها، حدث انقلاب عسكري أطاح بنظام إمامي، كان قد أبقى اليمن رهينة في غياهِب القرون الوسطى، وأقام بدلاً منه نظاماً جمهورياً.
ولأن اليمن ظلت، مثلما هو الحال اليوم، مسرحاً لتلاعب القوى الإقليمية ومناوراتها، فقد تحوّلت إلى ساحة لحرب بديلة بين المملكة العربية السعودية ومصر الناصرية.
الرياض، المتحالفة مع الولايات المتحدة، كانت تخشى يومها من انتشار رياح الفِكر الثوري الناصري إلى أراضيها، فدعمت القوى المَلكية بالمال والسلاح. أما القاهرة، التي دأبت على تصدير فكرها القومي العربي، متحالِفة في ذلك مع الاتحاد السوفييتي، فقد سارعت إلى تأييد الانقلاب، الذي تمّ في الواقع بمباركتها.
وكِلاهما، السعودية ومصر، كانا جوهر وجهين لعُملة واحدة. صحيح أن الأولى كانت تدعم فكرة أمة إسلامية، والثانية تروج لفكرة أمة عربية، لكن طبيعة النظام فيهما كانت متشابهة ومستبدة، لا تقوم على أسس ديمقراطية أو على مفاهيم المواطنة المتساوية. ولذا، فإن الدعم الذي قدّماه كان يشبه نظامهما، لا يؤمن بالتعدّدية الحزبية ولا بمفاهيم الديمقراطية.
واليمن، التي استيقظت للتَّو من سُبات طويل، كان عليها أن تبحث عن طريقها، ولم تجده. القوى الجمهورية كانت منقسمة على نفسها، لكنها اتفقت – على اختلاف مشاربها – حينها على الهدف. والهدف يومذاك، كان الإطاحة بالنظام الإمامي: “نقضي عليه ثم نرى ما سيكون”. 
صمدت تلك القوى أمام حصار شرِس للقوى المَلكية عام 1967 ثم تمكّنت من حسْم المعركة لصالحها (رغم توقّف الدعم المصري)، التي انكسر دورها بعد هزيمة 1967 أمام إسرائيل. ولأن الانتصار أدّى إلى غياب الهدف المشترك، برز الانقسام الداخلي بين صفوف القوى الجمهورية واضحاً.
انقسمت القوى الجمهورية إلى تيارين رئيسين:
التيار الأول، تمثل في مشائخ القبائل الزيدية الهمدانية والقوى الإسلامية وقيادات عسكرية، إضافة إلى قوى إصلاحية تقِف متشككة من “المشروع الناصري القومي” ومضمونه الاشتراكي. دعا هذا التيار إلى تسوية مع القوى المَلكية بمباركة الرياض وتأسيس جمهورية عربية يمنية “إسلامية عسكرية قبلية”.
التيار الثاني تمثل في القوى المؤمنة باليسار الاشتراكي أو القومية العربية، لكن المُلفت هو أنه عندما ينزع المرء الغطاء الأيديولوجي عن هذا التيار، يجده ممثلا في الواقع للقوى الاجتماعية والمناطق اليمنية التي هُمِّشت على مَر التاريخ الحديث للبلاد، خاصة أتباع سكان المناطق الوسطى اليمنية، التي يدين أغلبها بالمذهب السُنّي الشافعي. وقد أراد هذا التيار بناءَ دولة حديثة “قومية”، لا طائفية فيها ولا مناطقية. ورغم غياب مفاهيم الديمقراطية عن هذه الرؤية للدولة، إلا أن المؤكد أن مركزية الدولة وقوة مؤسساتها في مواجهة القبائل، كانت محورية فيها.
تحول الانقسام إلى مواجهة عسكرية حاسمة في شهر-03-1968، آلت فيها الغلبة إلى التيار الأول. ومع انتصاره، تبلورت ملامح الجمهورية العربية اليمنية الجديدة – دولة ضعيفة، مؤسساتها هشة – حافظت على الهيمنة السياسية التاريخية للقبائل الزيدية الهمدانية، وتحوّلت مع مرور الوقت إلى استحواذ لفئة قليلة من قبيلة سنحان الحاشدية على مقاليد السلطة، في ظل تهميش لفئات وشرائح المجتمع اليمني الأخرى.
ما أشبه اليوم بالبارحة!
كان من الضروري استحضار هذا المفصل من التاريخ اليمني الحديث، لأن اليمن الموحد، يقف اليوم كما الأمس، أمام مفترق طريق جديد، وخياره كما البارحة يتعلق جوهراً بطبيعة الدولة التي ستتشكل في ما بعد.
نقطة الانطلاق تختلف بالطبع. فاليمن بعد أكثر من 40 عاماً تحوّل إلى دولة فاشلة وضعيفة المؤسسات، نسبة البطالة فيه تصل إلى أكثر من 35%، والفساد فيه وبائي، وموارده النفطية والمائية شحيحة، ويواجه حركة شعبية تطالب بانفصال الجنوب من الشمال وتمرداً مسلحاً في الشمال، ذا طابع مذهبي قبلي.
والقوة المحركة للتغيير، اختلفت هذه المرة. شبان وشابات استنشقوا رياح التغيير والحرية القادمة من تونس ومصر، فقرّروا أن يصنعوا التاريخ في وطنهم. انتفاضة الشباب جاءت مفاجئة لكل القوى السياسية التقليدية اليمنية. مفاجئة بسبب قوتها ثم بسبب تزايد الدعم الشعبي لها، وهو ما سحب البِساط من تحت أقدام تلك القوى العتيقة.
المعارضة الممثلة في أحزاب اللقاء المشترك، تذبذبت مواقفها في البداية، ثم اضطرت في النهاية أن تعلن دعمها لمطالب الشباب. والحراك الجنوبي، تفاجأ هو الآخر بالْتفاف الكثير من الشبان والشابات من المحافظات الجنوبية حول الانتفاضة، فاضطر إلى إعلان دعمه هو الآخر لها، وإن كانت بعض رموزه تظل متحفظة ومصرّة على هدف الانفصال. أما الحركة الحوثية، فقد سارعت إلى إعلان دعمها ومشاركتها في الانتفاضة.
لكن، إذا كانت الانتفاضة مفاجئة، فإن الشيء المؤكد أن هدفها المُعلن، الدّاعي إلى إسقاط نظام علي عبدالله صالح، كان قادِرا على توحيد كل هذه الأطياف المتنافِرة، تماماً كما في الستينيات من القرن الماضي: “يرحل ثم نرى ما يحدث بعد ذلك”، وتحديداً، هذه العبارة “ما يحدث بعد ذلك”، تظل هي الشاغل الحقيقي للمتابعين للشأن اليمني.
فالحادث هو أن هناك قوى عديدة تسعى إلى توجيه مسار الأحداث الجارية والتأثير فيها بصورة تحدِّد مصير وكِيان التغيير القادم في اليمن. وكما كان الصراع في1967، فإن الصراع الذي بدأ يتبلور اليوم في اليمن، يتعلق تحديداً بطبيعة الدولة اليمنية الجديدة.
الخيارات المستقبلية
أيام الرئيس علي عبدالله صالح أصبحت معدودة. ولعل أكثر من يُدرك ذلك، هو الرئيس صالح نفسه، خاصة وأن الطريق أصبح مسدودا. فأية مبادرة يتقدّم بها، تجابه برفض قاطِع من شبابٍ لا يثق بكلمة الرئيس، خاصة وأن الأخير معروف بوعوده التي لا يفي بها. 
لكن انسداد الأفُق، لا يرتبط تحديداً بشبابٍ يؤمن بتغيير سِلمي مدني. الخوْف في الواقع يمتزِج بدوافع مَن بدأوا يقفزون من القارب بعد أن كانوا جزءا من مكنونه، بدءاً بأبناء شيخ مشائخ حاشد الأحمر، مروراً بالشيخ السلفي عبد المجيد الزنداني، وانتهاءً بالجنرال علي محسن الأحمر، الأخ غير الشقيق للرئيس صالح.
دعم هؤلاء “السريع” لانتفاضة الشباب، لا يأتي مفاجئاً لمَن يتابع الشأن اليمني، لأنه يأتي متّسقاً مع التقارير التي أشارت إلى وجود صراع شرس حول السلطة بين أركان النخبة الحاكمة، كان مستعرا خلف الكواليس. انتفاضة الشباب لم تفعل أكثر من أن أخرجتها إلى العلن. وهي وإن أخرجتها إلى العلن، فإنها أظهرت في الوقت ذاته التبايُن في الرؤى بين التيارات التي تحالفت من أجل إسقاط الرئيس، وتصوّراتها المستقبلية لما يجب أن تكون عليه اليمن.
التيار الأول، ممثلاً في الأحمرين والزنداني، عسكري قبلي سلفي، يدعو إلى إسقاط الرئيس، لكنه في الوقت ذاته لا يدعو بالضرورة إلى تغيير النظام نفسه، بما يعني ذلك استمرار هيمنة شرائح قبلية عسكرية دينية على الدولة وغياب دور المؤسسات فيها. أما التيار الثاني ممثلاً في الشباب أنفسهم، الذين أطلقوا شرارة التغيير، والكتلة المدنية التي انضمت إليهم، تدعو كما أشارت في مؤتمرها الصحفي الذي انعقد يوم 24-03-في صنعاء، إلى قيام “دولة مدنية حديثة ديمقراطية، قائمة على مبادئ العدالة والمواطنة المتساوية، تضمن التمثيل الوطني لكافة اليمنيين واليمنيات، مع احترام تعدديتهم الدينية والمذهبية والثقافية والاجتماعية والسياسية، والتأكيد على مبدا الفصل بين السلطات واستقلالية القضاء وسيادة القانون”. وأما التيار الثالث، فيرتبط ببعض القوى المعارضة التي انضمت إلى الانتفاضة، بهدف إسقاط علي عبدالله صالح، وإن كانت تعوِّل في الواقع على شق طريقها المستقل بعد حدوث ذلك.
حالياً يراقب الكثير من اليمنيين الوضع، متسائلين عمّا إذا كانت البلاد ستدخل في حرب أهلية جديدة. لكن الحرب التي يتحدّثون عنها الآن، ليست بين المحافظات الشمالية والجنوبية أو مع الحركة الحوثية. الخوف من حرب تندلِع بين أركان السلطة، يسعى من خلالها الأخ غير الشقيق للرئيس متحالفاً مع التيار السلفي، إلى حسم المعركة لصالحه.
المملكة العربية السعودية في المقابل، تسعى إلى “تسوية” تُحافظ على طبيعة النظام القائم في اليمن، وبالتأكيد لن تشجع تغييراً ديمقراطياً مدنياً فِعلياً يوقظ مواطنيها من سُباتهم. أما الولايات المتحدة، فإن هاجسها هو “تأمين الانتقال السلمي للسلطة”، خوفاً من دخول البلاد إلى حالة عدم استقرار تحوِّلها إلى بؤرة جديدة لتنظيم القاعدة، وهو ما يعني أنها ستقبل بأية “تسوية” تضمَن “استقرار” الأوضاع في اليمن.
أما شبان وشابات اليمن ومن يدعمهم من الكتلة المدنية، فيُصرّون على إمكانية إحداث تغيير سِلمي في اليمن. يحلمون بوطن ديمقراطي مدني، وطن يمنحهم مستقبلاً.
يُعلمنا التاريخ أن الثورات عادة ما تأكل أبناءها. وسيكون من السَّذاجة أن يتوقع المرء مساراً مختلفاً في اليمن، خاصة مع طبيعة تكوينها القبلي المناطقي المذهبي المتنافر. بيد أن التاريخ نفسه يقول لنا إن المعجزات ممكنة، لكنها لا تتحقق بالتمني، بل بالتخطيط المنسَّق لها. وطريق اليمن إلى دولة مدنية ذات مؤسسات، سيكون شاقاً وطويلاً، لكنه يبدو اليوم ممكنا بهذا الجيل الشاب.
لذلك، فإن السؤال المطروح اليوم: هل ستُتاح لهم فرصة التجربة والاختبار في ظل الصراع الشَّرس بين أركان السلطة العسكرية، القبلية والدِّينية؟
– برن- swissinfo.ch

4688873

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *