هؤلاء الجيران: «صدمة المستقبل» (2) – منصور هائل

هؤلاء الجيران: «صدمة المستقبل» (2) – منصور هائل

كيف يتحول الجار إلى كمين وفخ وقبر؟
وما الذي حوَّل الجيران إلى قبور تتحرك بطاقة احتراق زيت الشائعات التي يطلقونها اليوم على جارهم الغائب بغرابة باعثة على الذهول والخبول معاً، وسوف يطلقونها غداً على أي جار آخر إن توارى عنهم بشكل مباغت، معتم رمادي، صادم، و«غير طبيعي» لمجرد أن أماراته كضحية غامت عليهم وتلاطمت وتشوشت في النقطة الفاصلة التي حسمت أمر أنتزاعه من محيطهم.
وليس ثمة ما يفرق بين مستوى تلقيهم وانفعالهم وتفاعلهم مع حدث اعتقال جارهم الإيراني، وما يمكن أن يكون عليه مستوى تلقيهم لحدث الاعتقال الفجائي فيما لو طال يمنياً من أبناء جلدتهم.
الراجح أن الفارق لن يمس «الجوهر» ولا النوع وإنما الدرجة التي لا يمكن القياس على مؤشرها أو اعتمادها كمعيار.
ذلك بالضبط ما يستوجب النبش عميقاً في «المقبرة» لاستكناه مكونات هذه المستحاثات الأدمية المتحركة، ويستوجب البحث في سيكولوجيا الانسان المذعور، والتوسل بأدوات الانثروبولوجيا بقصد الاهتداء إلى تفسير لهذه الكائنات المهيأة للتكدس فوق بعضها لكي تكتسب خواص سلالم الصعود، وجسور العبور المتاحة لمرور وامتطاء أي مغامر متعطش للسلطة، ومهووس بكرسي الرئاسة، ومتهور في الاندفاع إلى ارتكابات عنيفة عابرة لتخوم التوقعات والاحتمالات والأخيلة، وغير مقيدة بأية ضوابط تمنعه من استمزاج فكرة دهس «الجماهير» وإخصاعها لغسيل دماغ جمعي وتحويلها إلى قطعان مطوقة بقفص حديدي يلتف عليها ويحشرها في دائرة تسمى «بلاد» ليست فيها علامة جغرافية مائزة تعين على تعريفها غير علامة وحيدة تفيد بأنها، أي هذه البلاد، تقع في تخوم كلمة الحضيض.
 واذا كانت الاحوال المتردية في البلاد تقطع بأننا لم نحرز «التقدم» إلا بالقفز خطوات واسعة إلى الخلف، ونحو مضاعفة ويلات الفقر والجهل والمرض والفساد والاستبداد والفوضى، وتقطع أيضاً بخسوف قمر الحلم بدولة وقانون ومواطنة، وتفاقم مظاهر وعناصر التأكل والانقسام وشيوع مناخات الخرافات المشفوعة بالعنف والجنون والهلوسة والهذيان.
إذا كانت هذه الاحوال تفسر بعض «خيانة» هؤلاء الجيران لوصية الرسول الأعظم محمد (ص) بالجار، وخيانتهم لقيم وأخلاقيات وقواعد الجيرة، فينبغي أن لا تكون -أي هذه الأحوال- شماعة تبريرية لإقناعنا بسهولة أيلولة الجار إلى كمين أو فخ أو قبر أو إلى ذئب بجلد فأر.
وعلى العكس من ذلك ينبغي أن تكون هذه الاحوال محفزة للقراءة اليقظة وللالتفات إلى تجارب الشعوب التي نُخرت وتدمرت بفيروسات الخنوع والذعر إلى أن محقتها الكوارث على نحو ما كان حينما صعد هتلر إلى الرايخ الثالث وما انتهى إليه أمره والمانيا معه، وما كان في حال صدام، وفي الهزيع الاخير لـ«خريف البطريك» سياد بري و…الخ.
ولن نأتي بجديد إذا ما أعدنا التذكير بحقيقة أن دوره الخراب في تلك البلدان لم تنعطف إلى طور الاستذئاب إلا حينما أصبح الجار ينهش جاره، والأبناء يتخابرون على الأباء والعكس.. حينما صار الإنسان يستبطن الريبة في ذاته ويتجسس على نفسه إذا ما اختلجت بمروق على «الزعيم».
وعلى ذلك فإن حالة هؤلاء «الجيران/ الصدمة» تستوجب القراءة المتحررة من ضغط اللحظة الكابوسية السوداء التي كشف عنها اعتقال جارنا الإيراني ليل الجمعة قبل الماضية، وهنالك تفاصيل مازالت خامتها تتراكم، وقد أرجأنا الكتابة عن أصداء وتداعيات ما حدث إلى تناولة أخيرة نأمل إنجازها في العدد القادم.
[email protected]