عن الامتحانات والتعليم العالي والواطي – عباس عبدالله السيد

عن الامتحانات والتعليم العالي والواطي – عباس عبدالله السيد

يحرص الرئيس في معظم خطاباته على توجيه نصائح لفئة الشباب بشكل خاص لحثهم على الابتعاد عن المناطقية والمذهبية والشللية والقروية, و… و…, نحن مع الرئيس قلبا وقالبا, ولكن ما رأي فخامته في نظام الامتحانات المعمول به منذ عدة سنوات, حيث يتم تقسيم الجمهورية إلى خمس أو ست مناطق لكل منها امتحان يختلف عن الأخرى, وبمستويات متفاوتة (من الأصعب إلى الأسهل).
فهل يحقق هذا النظام (التربوي) مبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب -وذلك بالنظر الى أنهم يخضعون لاحقا لشروط صارمة وموحدة للقبول في الجامعات والكليات أو للابتعاث للخارج-؟ إذ تتسبب درجة أو اثنتان في حرمان الطالب من الالتحاق بالجامعة أو في التحاقه بهذه الكلية أو تلك، ألا يكرس هذا النظام الامتحاني المناطقية التي يخشاها الرئيس ويحذر منها بشكل رسمي؟
الغريب أن وزير التربية يكرر سنويا في مثل هذه المواسم حرص الوزارة على تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص لجميع (أبنائه) الطلاب, مع أنه يدرك بحكم أكاديميته العلمية وخبرته الطويلة في المجال التربوي، أن لا وجود لفرص متكافئة على الإطلاق, وإلا لماذا يتجنب معالي الوزير في أحاديثه وتصريحاته الإشارة إلى تعدد الامتحانات وتعدد مستوياتها أيضا؟ ولماذا تخلو أوراق الامتحانات من أية بيانات تشير إلى ذلك, كرقم النموذج الامتحاني أو منطقته؟
انعدام الشفافية في إدارة موضوعات بهذه الأهمية والحساسية يدفع إلى الشك بأن شيئا ما وراء الأكمة، لأن إعلان الوزارة صراحة عن هذا التنوع أو الإشارة إليه ضمن بيانات ورقة الاختبار قد يؤدي إلى إثارة التساؤلات والشكوك، ومن ثم إلى عقد المقارنات بين النماذج الامتحانية المختلفة، وبالتالي إلى كشف عدم حيادية الوزارة باستهدافها مناطق محددة بامتحانات صعبة وأخرى بامتحانات سهلة.
وهكذا استطاعت الوزارة الاستمرار بهذا النظام الامتحاني المناطقي طيلة السنوات الماضية دون ضجيج أو نقد ولا اعتراض، حتى إن كثيراً من الطلاب والمدرسين وأولياء الأمور لا يزالون يعتقدون أن الامتحانات العامة موحدة.
وفي المرات التي تطرق فيها مسؤولو التربية لهذا الموضوع – وهي نادرة جداً وقد كانت أشبه بزلة لسان لأنها لم تتكرر- كان مسؤولو التربية يسوقون لهذا الأسلوب أو النظام كإنجاز تربوي يحسب للوزارة، وبحسب ما جاء في حديث جميل الخالدي وكيل الوزارة في مقابلة معه نشرت في صحيفة الثورة في مثل هذه الأيام من عام 2005، قال الوكيل: إن الوزارة تراعي عند وضع الامتحانات المناطق التي لم يستكمل فيها تدريس المنهج الدراسي أو بعض مواده، وكذلك المناطق التي غاب عنها مدرسو بعض المواد أو حضروا في وقت متأخر من العام الدراسي، وبحسب التقارير الميدانية التي نتلقاها من الموجهين، وأضاف: كما يراعى عند وضع الأسئلة الفروق الذهنية والمستوى التعليمي والبيئة المحيطة التي تختلف من منطقة لأخرى!
لا ندري كيف توصل خبراء التربية في (نقم) إلى هذا الاكتشاف الذي يفيد بوجود (فوارق ذهنية) بين الطلاب بحسب (المناطق أو المحافظات). فالفوارق الذهنية موجودة بين الطلاب في إطار الأسرة والقرية أو الحي، ويجب مراعاة هذه الفروق لعموم الطلاب في جميع المحافظات على حد سواء. أما القول بوجود فوارق بحسب المحافظات بما يعني أن طلاب المحافظة (س) أذكى من طلاب المحافظة (ص) فهذا تصنيفٌ بليد لابتعاده عن المنطق والعلم، كما أنه يسيء إلى محافظات محددة عندما يصنف أبناءها بالغباء، هذا أولا.
ثانيا: يتضح من كلام الوكيل أن الوزارة تعرف من خلال تقارير ميدانية بوجود قصور في العملية الدراسية في مناطق محددة، وهي موجودة بالفعل، ولكن بدلا من قيامها بمعرفة أسباب القصور ومعالجته أثناء العام الدراسي تعمل الوزارة على معالجة ذلك بوضع امتحانات خاصة لتلك المناطق، بالإضافة إلى عشر درجات مجانية (في كل مادة) وكأن هدف الوزارة هو منح هؤلاء الطلاب شهادات بغض النظر عن تعلمهم.
استراتيجية أبو غانم
ومع أن هذا النظام الامتحاني المتعدد لم يكن معروفا قبل وزارة الدكتور فضل أبو غانم –صاحب الاستراتيجية التربوية الشهيرة “ما بدا بدينا عليه”– إلا أننا نستغرب من سر تمسك الوزير الحالي بهذا النظام الذي يمثل نموذجا صارخا للفساد القائم على الظلم والقهر والتمييز، والذي يزداد ضحاياه بالآلاف عاما إثر عام. وهنا نستعرض نماذج لبعض الضحايا.
في العام الدراسي 2004/2005 لم يقتنع الطالب فكري بعد حصوله على معدل 89% في اختبار القسم العلمي، وقرر إعادة المحاولة من جديد. قدم تنازلا عن النتيجة السابقة وفوقها 2000 ريال (رسوم تنازل)، وفي العام التالي حصد معدل 94%، كان مسرورا بهذه النتيجة وأدرك أن مجهوده لم يذهب سدى، ولكنه سرعان ما شعر بالإحباط والحزن لأن هذه النتيجة لم تمكنه من الحصول على منحة دراسية في الخارج كما كان يحلم، لم يكن ذلك بسبب النفوذ أو الوساطات –فذاك موضوع آخر- لقد كان السبب للأسف يعود للوائح أو الشروط التي تسري فقط على المحافظة التي درس فيها فكري، في حين تسمح نفس اللوائح بابتعاث طلاب من محافظات أخرى بمعدلات أقل مما حصل عليه فكري في المرة الأولى!
نموذج آخر يجسده أنور…, طالب حاد الذكاء يطلق عليه زملاؤه منذ الصفوف الأولى لقب “العالم” (بكسر اللام الثانية)، حصل على 94% وكسور، وتم قبوله كمرشح للدراسة في الخارج.. ولكن كان عليه ألا يسجل الطب البشري ضمن رغباته في استمارة الترشيح على عكس طموحه. سأل عن السبب فكان الجواب واحدا من الشروط الخشبية الصارمة: لأن عدد المنح في الطب البشري المخصصة للمحافظة التي يقيم فيها “العالم” اثنتان فقط!
زمن الأقفال في العام الدراسي قبل الماضي، قرر الطالب “…”، الذي يلقبه زملاؤه بالقفل –كناية عن تدني مستواه– نقل ملفه إلى محافظة أخرى يعتقد بوجود تسهيلات لطلابها سواء في مستوى الامتحان أو أثناء المراقبة أو عند التصحيح أيضا، وفي نهاية العام أثبت “القفلـ” أن قراره كان صائبا، لقد حصل على معدل يتجاوز 80% في القسم العلمي، وكانت هذه النتيجة صفعة لمعلميه وزملائه في قريته، لقد أثبت أنه لا يقل ذكاء عنهم – وإن بطريقته – ألا يقال العبرة بالنتائج، وبلغة أخرى: الكرة أجوال! يقسم زملاؤه -برب الكعبة– إنه لم يكن ليتجاوز عتبة ال50% إن لم يرسب في حال امتحن معهم ولم يقم بمغامرته.
عام 2005 غمرت قرية المحرس فرحة عارمة عقب إعلان أسماء أوائل الجمهورية في القسم العلمي، لأن المركزين السادس والتاسع في ترتيب الأوائل أحرزهما طالبان من أبناء القرية، أحدهما في مدرسة الوحدة في القرية، والآخر في ثانوية عبد الناصر بالأمانة، في تلك الليلة لم ينم الأهالي.. أشعلوا الرماد المعجون بالكيروسين على أسطح المنازل وتلألأت كل دروب القرية.
يسخر الأهالي في قرية المحرس من عدد المنح الدراسية المخصصة لمحافظتهم، يقولون إنها لا تكفي حتى للمتفوقين في مدرسة القرية.
ذات يوم كنت في مكتب الدكتور م. ع. سمعته يتحدث لمسؤول في الصندوق الاجتماعي ويسأله عما إذا كان لدى الصندوق برامج دعم وتشجيع لمدارس يحقق طلابها سنويا مراكز متقدمة على مستوى المحافظة والجمهورية؟ عرفت أنه يقصد مدرسة الوحدة بالمحرس، مع أنه لم يذكرها. يسعى الدكتور لمساعدة أبناء القرية وتحفيزهم للاجتهاد والمثابرة أكثر، ولا يبحث لهم عن تسهيلات أو امتيازات خاصة.. إنه يسأل عما إذا كان لدى الصندوق برامج لمثل هؤلاء؟ لا أدري بما أجاب مسؤول الصندوق، ولكنني أشك في وجود برامج من هذا النوع لدى الصندوق لمثل أولئك الطلاب.

نموذج آخر
سأل الأستاذ فهد مدرس اللغة الإنجليزية في مديرية تبعد نحو 20 كيلومترا شمال العاصمة، أحد الطلاب مستغربا: لماذا حصلت على معدل 85% فقط مع أنك امتحنت في بيتك وبين كتبك و..، فكان الجواب: أن معدل 85% هو السقف الأعلى (المتفق عليه) لمثل هذه الحالات، أي لمن يمتحنون في منازلهم! يشار إلى أن 85% هو الحد الأدنى للالتحاق في كليات الطب الحكومية.
بدت لي رواية الأستاذ فهد من الوهلة الأولى موغلة في المبالغة، ولكن بعد ربطها بما قاله الأستاذ قاسم عبدالله، موجه اللغة العربية، عن تأخر وصول الإجابات في بعض المراكز الريفية إلى عواصم المحافظات لفترة تصل أحيانا إلى يومين وثلاثة أيام! وجدت أن رواية الأستاذ فهد قد لا تكون خيالية.

محافظة خالية من الغش
شروط الابتعاث للدراسة في الخارج وبالتحديد ما يتعلق منها بعدد المنح المخصصة لكل محافظة (ونوعها)، يعد جزءا من منظومة متكاملة خالية من أي معايير علمية وعادلة بدءاً من وضع الامتحانات متفاوتة المستوى، مرورا بطريقة إدارة الامتحانات في المراكز والقاعات إلى التصحيح، حيث يتفاوت أيضا مستوى الحزم والمراقبة أثناء الامتحانات من منطقة إلى أخرى، ولعل أوضح مثال على ذلك يتجلى في قرارات اللجنة الفرعية للامتحانات في إحدى المحافظات، والتي قضت بنقل سبعة مراكز امتحانية من الريف إلى المدينة في الأيام الثلاثة الأولى من اختبارات العام الماضي، بسبب الغش أو التجمهر حول المراكز الامتحانية، دون مراعاة لما ستلحقه هذه الإجراءات من أضرار نفسية ومادية بالطلاب والطالبات الذين سيجبرون على إغلاق كتبهم والبحث عن سيارات بدفع رباعي تنقلهم إلى المراكز الجديدة في المدينة التي يجهل معظمهم أحيائها ومعالمها، وسيحتاج الكثيرون منهم إلى مرافقين وأدلاء ومحارم، ثم البحث عن مأوى قد لا يكون مناسبا من نواح عدة، وقبل كل ذلك موازنة مالية لم تكن في الحسبان.
كان يمكن لأولئك الطلاب أن يكملوا امتحاناتهم بين أهليهم وذويهم لو أن لجنة الامتحانات استدعت عنصرين أو ثلاثة من الشرطة لكل مركز امتحاني، وفي بعض المراكز كان يكفي شد ميري على عصى، كفزاعة، لإبعاد المتجمهرين عن المركز.
المضحك أن لجنة الامتحانات بالمحافظة أعلنت أنها اتخذت تلك الإجراءات في إطار سعيها لجعل محافظة “…” خالية من الغش، شعار حلو ورائع، ولكن لماذا لا يعمم على كل المحافظات؟
نفس الإجراءات ونفس الشعار لايزال مرفوعا في ذات المحافظة هذا العام، حيث تم نقل أربعة مراكز ريفية إلى عاصمة المحافظة، كما وجه المحافظ تحذيرات لكل من يحاول الغش أو تعكير الأجواء الامتحانية وتكفل بزيادة أجور الملاحظين من موازنة المحافظة. أنا هنا لا أعترض على هذه الزيادة لأنهم يستحقون أن يتقاضوا كالعاملين في لجان الانتخابات أو التعداد، ولكن الاعتراض على حصر الزيادة على الملاحظين في محافظة واحدة فقط لأنها ستؤدي إلى مزيد من الاختلالات.

تأبط شراً
في نفس المحافظة أيضا، أصدرت اللجنة الامتحانية عام 2004 قرارا يقضي بحرمان طلبة مدرستي الأنهار والزبير في المرحلة الأساسية من نتيجة إحدى المواد، ما يعني إعادة عام كامل. قرار الحرمان القاسي جاء على إثر خلاف بين أحد الأهالي ورئيس المركز الامتحاني بعد إكمال آخر مادة وخارج المركز. يقول الأهالي: كان بوسع رئيس المركز التقاط مظروف الإجابات الذي كان (يتأبطه) من الأرض وإعادة لصقه بدلا من اتخاذ الحادث كذريعة لقرار الحرمان. وما كان للمظروف أن يقع لو أن حامله تعامل معه كما يتعامل مع حاجاته التي يجلبها من السوق إلى مطبخ بيته، (ولكنه كان يتأبطه شراً)، إذ يفسر الأهالي تصرف رئيس المركز بأنه انتقام منهم لأنهم لم (يكرموه) أثناء فترة الاختبارات.

استراتيجية مسلوقة
– أيهما أولى توحيد الزي المدرسي أم الامتحانات العامة.
– في غياب قانون الامتحانات ستظل العقوبات المتخذة بحق الطلاب واللجان خاضعة لرغبات وأمزجة شخصية.
تعلن الحكومة صراحة أن تخفيف اعداد الملتحقين بالجامعات هو جزء من سياستها، ولتنفيذ ذلك تتخذ عدداً من الإجراءات من بينها رفع معدل القبول في الجامعات الحكومية وتحديد أسقف للإستيعاب في كل جامعة وكلية وقسم، وبغض النظر عن جدوى هذه السياسة وأبعادها، فالمهم أن لا تدفع محافظات محددة ثمن هذه السياسة دون غيرها، فالنظام الإمتحاني الحالي باختلالاته الواضحة يساعد على ذلك.
فمثلاً وضع سؤال معقد في نموذج إمتحاني لمحافظة أو إثنتان ذات كثافة طلابية عالية سيؤدي بالنتيجة إلى زيادة عدد الطلاب الراسبين وزيادة عدد الطلاب الحاصلين على معدلات دون 70٪ «الذين لا يسمح لهم بدخول الجامعات» وكذلك تقليل اعداد الحاصلين على معدلات 85٪ فما فوق، بما يعني إنقاص عدد المتقدمين للكليات العلمية كالطب والهندسة من أبناء هذه المناطق.
ولإثبات عكس هذه الإستنتاجات على الوزارة نشر بيانات نتيجة الامتحانات كاملة بصورة تمكن من تحليل هذه النتائج بحسب «المنطقة الامتحانية» أو المحافظات أو الجنس أو المادة أو السنة، ومثل هذه التحليلات تحتاجها الوزارة قبل غيرها.. لإن نشر النتيجة بالطرق الحالية لا يمكن من اجراء مثل هذه التحليلات.
ترى متى تراجع الوزارة سياستها وتقرر من هو أولى بالتوحيد- الزي المدرسي أم الامتحانات العامة؟