انتصاراً لسمعة القضاء ليس إلاَّ – عبدالله عبدالرحمن الكبسي

انتصاراً لسمعة القضاء ليس إلاَّ – عبدالله عبدالرحمن الكبسي

توطئة وتمهيد
منذ أن استكملت الناحية الحقوقية مقوماتها -التأصيلية والقواعدية- العامة في مسار شريعة الإسلام الحنيف، وتتامَّت أدلتها التشريعية من آيات التنزيل الحكيم وسنة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، كان القضاء بمفهومه الشامل يشكل الأساس المتين والأول على الإطلاق لضمان الحرية والعدل في الإسلام، تماماً بالقدر الذي شكل ويشكل من جهة موقعه الاختصاصي ووظيفته الاجتماعية في إطار منظومة التكاليف الشرعية وأوعيتها البنيوية: الإدارية والتنفيذية، في نطاق الخارطة الموضوعية للدولة بمرتكزاتها -التنظيمية والمؤسسية- الترجمان العملي الصحيح لمعنى الإيمان، والعنوان الأتم والأبرز لعدل الإسلام وكمال شريعته، وبلورة هويته الإنسانية الكاملة.
«إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل» (1).
 “ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون” (2).
 “يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قومٍ على ألاّ تعدلوا أعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون” (3).
ومن هنا ولمّا كان القضاء في الإسلام على هذا النحو من الخطر والأهمية الفائقة، إنْ لجهة وظيفته العدلية المباشرة المتمثلة في صون الحقوق والحرمات كافة، وإن لجهة تعلُّقاته العقيدية- الإيمانية والأخلاقية- بالشؤون الحياتية المختلفة لدولة الإسلام ومجتمعها الفاضل، فقد تواضعت الأمة عبر تاريخها الطويل على احترام سلطان القضاء وإسناد وظائفه المختلفة في شتى مستوياتها- العدلية، والضبطية، والإدارية- إلى العناصر الجامعة لشروط الأهلية والاستحقاق- علماً وورعاً وحزماً، قضاةٍ، وكتبة مساعدين، ورجال ضبط وتنفيذ- على سواء.
فلا يكفي لشغل منصب القضاء أن يكون الشخص المرشح على دراية ما، بل أياً كانت هذه الدراية بعلوم القضاء ومؤهلاته المعرفية وحسب، وإنما لابد أن يكون إلى ذلك من أصحاب الورع والتقوى، وأن تستند معارفه القضائية إلى قاعدة موازية من العلوم العرفانية الخادمة عملياً للأولى، والمعزِّزة- تلازماً وتعضيداً- لحيثياتها الأخلاقية من لوازم الحذر واستشعار الخشية الشديدة من الزَّلل والتَّعَدي عند الممارسة. ونؤكد على هذه -العِنْدِيَةِ- لأنها تمثل نهاية الفسحة وخاتمة المطاف- في مهمة القاضي وأيلولته المصيرية في ميزان الحق ومستوى الالتزام، ولأن لسان القاضي آنذاك، كما يعلمنا صاحب الشريعة صلوات ربي عليه وعلى آله، يكون بين حجرتين من نار حتى يقضي بين الناس، فإمّا إلى الجنة وإما إلى النار.
وإذا كان من شأن هذا التقرير النبوي الجليل أن يستلفت الأنظار إلى خطورة مهمة القاضي وحراجة موقفه بين متطلباتها الدقيقة من يقظة الضمير وسلامة السريرة، فإنه بالمقابل، وأعني بذلك الرسول الأكرم عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتم التسليم، لا يبخس القاضي دوره ولا يألوه- تثبيتاً وتوجيهاً وتكريماً- وإلى الحدِّ الذي يجعله في مَعِيَّةِ الخالق تبارك وتعالى ومحترزاً بكنفه وعنايته فذلك حيث يقول: «الله مع القاضي ما لم يَجُرْ، فإن جار تخلّى عنه ولَزِمه الشيطان».
نعم -الله مع القاضي ما لم يَجُرْ- ولكن: أيّ القضاة ذلك الذي استحق هذا التكريم الكبير وتلكم البشارة الجليلة؟ وبتعبير آخر هل انقضى شوطنا من بيان مهمة القاضي وشروط مؤهلاتها عند حدِّ هذه الإضاءة وحسب؟
وهل استوعب هذا المستخلص الوجيز، على أهميته وعظيم فائدته، كل فيوض الحكمة وموحيات النذير والكرامة في هذا الإرشاد المحمدي المشرق بنور النُّبُوَّةِ ومقاصد الشريعة المطهرة؟
كلاّ والله فما نحسب أن قد بلغ بنا الجهد حدَّ الكفاية من البسط، ولا يقصر بنا الفهم عن إدراك كون «المَعِيَّةِ» المشار إليها في النص النبوي الشريف غير مقصورة السبب -استقلالاً- على متعلقها الغائي (عدم الجور) وبمعزل عن مشروطاتها الأخرى من لوازم الصحة والقبول المتمثلة هنا تحديداً في فهمنا الضروري بكون هذه -العِلِّيَّة الأساسية- مرتكزة حتماً على دعامتين جوهريتين هما: النَّيَّةُ التي يصح بها العمل- قبولاً وإثابة- من ناحية، والمعرفة الشرعية المفضية إلى إصابة الحق والحرص على بلوغه ابتداءً من ناحية ثانية. ما يعني لمزيد التوضيح والإبانة أن يكون المسكوت عنه من معاني هذه- المشروطية- في نص حديث «الله مع القاضي ما لم يجر الخ» محمولاً بداهة على غيره من الأحاديث الشريفة كحديث «القضاة ثلاثة. قاضيان في النار وقاضٍ في الجنة» إلخ.
فاللَّذان في النّار -عياذاً بالله منها- هما اللَّذان تتجلى فيهما حيثيات تلكم المشروطية لأن أحدهما قضى بجهل ولكنه ربما وافق الحق(4)، في حين قضى الثاني بالجور عالماً بوجه الحق متعمداً خلافه. ولذلك نقول: بأن القاضي الذي تصحبه معية الله تعالى هو:
أولاً، القاضي العالم- أي العارف بأحكام الشريعة، الممارس لمستدقات ضوابطها، القادر على استنباط الوجه الصحيح من أصول أدلتها وإعْمَاله في ما غَمُضَ حكمه أو أشكل فهمه من نصوصها المحددة، فلا يحكم بجهل ولا يتقحم في متاهات الظن غير المغني عن يقين.
وثانياً، المتورع عن انتهاك محارم الله تعالى الخائف من حسابه فلا يحمله الهوى على مجانبة الحق والالتواء على مؤدياته الواضحة إيثاراً لهوى النفس وتغليب رأيه الباطل.
وثالثاً، القانع بقسمه من الرزق الحلال -وهو كثير لمن اتقى- الزاهد عما في أيدي الناس، وإنْ شئت قلت عما يبذله الناس -ابتدءً أو اضطراراً- وحتى لا يحمله الطمع فيه على النظر إليه، فيكون ذلك سبباً لِضياع الحقوق وتفشي المظالم وتردِّي سمعة القضاء.
رابعاً وأخيراً، الشجاع في الحقِّ الماضي على ديدنه في الانتصار له والثبات على مقتضاه في مختلف الظروف والأحوال فلا يغرُّهُ وعد ولا يرهبه عن بصيرته وعيد. فذلك هو القاضي الذي يثني عليه الله تعالى ويحمده الناس في الأرض والملائكة في السماء وتصحبه المعِيَّةُ الإلهية، لا نقول عند الحكم فقط وإنما أيضاً قبل الحكم وبعد الحكم وإلى منتهى العمر إن شاء الله.
<<<
قلنا آنفاً إنه وبالنظر إلى أهمية القضاء العادل النزيه في إعلاء سلطان الشريعة وترجمة مقاصدها السامية في منع الظلم، وبسط العدل، واحترام الحقوق والمقدرات في شتى أبعادها وتوخياتها، فقد حرصت الأمة في مختلف أطوارها الزمنية وصيرورتها- السياسية والثقافية- على العناية الشديدة بأمر القضاء وانتخاب الأكفاء لشغل وظائفه المختلفة في شتى مستوياتها التراتبية، ولاسيما قضاة الولايات والحواضر الكبيرة، وحتى ليصح القول بأنه- أي القضاء- قد حافظ على شيء من توازنه وتمتع غالباً بقدر من الثبات والمعقولية وعلى النحو الذي ظل يبرز الأهمية البالغة للقضاء ويعبر عن مكانته المحترمة وخطورة دوره الاجتماعي في الملحوظ العام وعلى شتى المستويات. الأمر الذي من شأنه أن يفسر لنا هنا طبيعة ومغزى ذلك الحرص على اختيار العلماء الأكفاء لمهام القضاء من قبل الولاة والحكام حتى مع قيام المآخذ الموضوعية على البعض منهم وتحفظ المنطق عن نعتهم بالعدل والتسامح في كثير من الاحيان (5) وهذا من جهة. ومن أخرى فإنه إذا كان لنا أن نبصر في هذا المنحى الإيجابي من توجه -الولاة والحكام- حقيقة المكانة الرفيعة التي اكتسبها القضاء في الإسلام، ودوره المفصلي في استقرار الحياة الاجتماعية وتوحيد المفاهيم حول واقع الحكم وتحديد هويته الموضوعية عموماً، فإنه ربما أمكن لنا بالمقابل أن نتلمس عبر هذا الدور نفسه وتلكم المكانة إياها الأسباب الجوهرية الدقيقة لعزوف الكثير من كبار العلماء في كل زمان ومكان عن قبول وظيفة القضاء والانخراط في مضماره مؤثرين حياة الشظف أحياناً على مقاربة نعيم المنصب، ومحتملين أحايين أخرى بعض صنوف العنت وألوان المشقة والابتلاء حفاظاً على نقائهم وسلمهم الروحي وحَذَرَ الوقوع في مزالق القضاء المعثِرة كما قد يحدثنا كُتَّاب السِّير والتراجم وأسفار التاريخ الموثوق في أطواره المتعاقبة منذ صدور الإسلام وحتى يومنا الحاضر تقريباً.
على أنَّ هذا كله ربما اقتضانا التساؤل الآن عن أحوال القضاء وشؤونه المثيرة في بلادنا العزيزة انطلاقاً من موحيات العنوان واتصالاً من بعد هذا التمهيد المستطيل نسبياً بمفروضاته البدهية من تجليات الواقع على هذا الصعيد، فضلاً عما قد يوحيه مسار الحديث بصيغته الاستقرائية وطابعه شبه البحثي من اعتماد أسلوب المقارنة بين الماضي والحاضر بغية استظهار الفروق ورصد المميزات في شتى النواحي والمرتكزات الموضوعية التي تحتمها مثل هذه المقارنة، ووفقاً لما سَلَفَتْ الإشارة إليه، بل للقواعد المتفق عليها من طبيعة مهنة القضاء ومتطلباتها الدقيقة -العلمية والأخلاقية- في شخص المتولِّي ومسلكه العام.
غير أنه لَمّا كان من شأن هذا المنحى العويص أن يطيل شوطنا في مضماره ويتجاوز بنا مفروضات المقام من لزوم الاختصار وتحصيل الغرض المطلوب من أقرب الطرق الموصلة إليه، فسنعمد إلى تلخيص الواقع في نقطتين رئيستين.
… (يتبع)

> هوامش وملاحظات:

(1) النساء – آية رقم 58.
(2) الجاثية – آية رقم 18.
(3) النساء – آية رقم 135.
(4) إذا كان لنا أن نقرأ في هذا التغليظ الشديد على من يتعاطى الحكم، جاهلاً، تأكيداً بالغ الوضوح والصرامة على حرمة القضاء وخطورة شأنه، فإنه ربما جاز لنا كذلك أن نلمح في المسألة وجهاً آخرَ يقتضي مماثلة الجاهل المصيب في حكمه للجائر العارف، ومساواته به في العقوبة، ذلك أن مجرد استعداد الأول للتعاطي في أمر الحكم والقضاء رغم علمه بحقيقة جهله حقيق أن يدلنا بداهة على استهتاره بالأمر بداية وقلة اكتراثه من ثم بالنتائج، فهو والحال هذه قمين ولا شك بأن يقع في المجازفات.
(5) إن التأكيد المستمر على عناية العهود الماضية بالقضاء ورجاله في شتى بقاع دولة الإسلام وممالكه القطرية المختلفة لا يعني بالطبع تبرئتها تماماً من المساوئ، أو خلوها بالمطلق من أشكال الظلم والانتهاكات الصارخة. كلا والله فما إلى هذا قصدنا قط، وإننا لنعلم، كما الكثير الكثير من قرائنا الأكارم، أن تاريخنا العريض ليحفل بالكثير جداً من أنواع الخروق والممارسات الدامية التي ميزت إيقاعاته الصاخبة في بعض الأطوار والمراحل هنا وهناك، إلا أن ما ينبغي ملاحظته هنا بشدة هو أن تلكم الخروق والمآثم إنما كانت تقترف على خلفية الحروب والصراعات السياسية المختلفة حيث القول الفصل هناك للسيف وحده بعيداً عن سلطان القضاء ودوره.