أين يكمن الخلل؟ – يحيى سعيد السادة

أين يكمن الخلل؟ – يحيى سعيد السادة

ما بين سنوات تكميم الأفواه في حقبة الثمانينيات من القرن العشرين الماضي حين كان المواطن لا يجرؤ على الحديث السياسي في أي مكان عام، في الوقت الذي كان فيه هذا المواطن قادراً على شراء احتياجاته الأساسية وغير الأساسية من مرتبه المتواضع حينها أو من أجر عمله اليومي.. بين تلك الفترة ويومنا هذا الذي بات فيه المواطن عاجزاً تماما عن شراء أهم أساسيات استمرار حياته مقابل تمتعه بهامش حرية طالما حلم بها دون إدراكه باستحالة تلاقيها في هذا البلد ورغيف العيش..
بين هاتين الحقبتين الزمنيتين اللتين يفصل بينهما ثلاثة عقود من الزمن، واللتين لم يتعد طموح المواطن خلالهما سقف لقمة العيش إذا ما خيرنا بين إشباع حاجاتنا الأساسية وغير الأساسية مقابل تكميم أفواهنا بل وإخراصنا إن تطلب الأمر.. فأياً من الحالتين سنختار؟ لا شك أنها معادلة صعبة حين يخير المرء بين حريته وأسباب بقائه. بين إصراره على التمسك بما ميزه الخالق عن سواه من المخلوقات مقابل حرمانه من أبسط حقوقه المعيشية. بين أن ينحدر إلى وضعية الحيوان بحيث لا ينشغل بغير أكله وشربه، أو أن يسمو فوق هذه الوضعية حتى وإن دفع قسطاً كبيراً من استقراره النفسي والمعيشي. هذه التناقضات التي ما زلنا نعيشها اليوم تقودنا نحو ملامسة جوهر هذه الحرية التي تندرج في إطار الممارسة الديمقراطية الفعلية ونقيضها على المقلب الآخر والذي يطلق عليه بالحكم الديكتاتوري، فيما إذا كان اتباع النهج الديمقراطي هو المخرج نحو تقدم الشعوب وازدهارها، أم أنه بالإمكان التقدم في هذا الجانب بمنأى عن أي ممارسة ديمقراطية ولو في ظل حكم ديكتاتوري وفي ظل قبضة حديدية يصعب على أي مواطن الإفلات منها.
إذا ما سلمنا جدلاً بتناغم الوضعين السياسي والاقتصادي في الدول المتقدمة ديمقراطياً، فإن اقترابنا من واقع الدول اللاديمقراطية وعلى وجه التحديد جمهورية الصين التي يُحكم شعبها بقبضة من حديد من قبل الحزب الشيوعي الديكتاتوري الشمولي، والذي يمثل النقيض لتلكم الديمقراطيات الغربية، سنجد هذا الحزب الهرم قد استطاع وبفترة زمنية قصيرة نقل هذا البلد الذي يشكل تعداد سكانه نسبة 22% من إجمالي سكان العالم، إلى مواقع متقدمة جداً وفي مختلف المجالات رغم ما يحتاجه هؤلاء السكان من إمكانيات وموارد لضمان بقائهم على قيد الحياة، ربما تصل إلى نفس النسبة التي يشكلها تعدادهم. هذا المارد الاقتصادي المتمرد على قوانين الطبيعة التي تحاول دوماً إثناءه عن مسيرته الاقتصادية، والمتمثلة بالفيضانات المتتالية وبالزلازل الكارثية التي ربما لم يكن آخرها الزلزال الذي ضرب إقليم “سيشوان”، هو ذاته العملاق المتمرد على منطق الغرب وفلسفته من أن تقدم اقتصاد أي دولة يجب أن يمر عبر طريق الممارسة الديمقراطية. إذ وبزمن قياسي استطاع أن يدحض صحة هذه النظرية من خلال غزو منتجاته لمعظم أسواق العالم ليحقق بذلك فائضاً نقدياً هو الأعلى في العالم بلغ عام 2007م تريليوناً وثلاثمائة مليار دولار أمريكي، مسجلاً بذلك الدولة رقم واحد في تحقيق هذا الفائض وسط توقعات كبار علماء الاقتصاد وكبار رجال المال والأعمال بقرب احتلال هذه الدولة للموقع الاقتصادي الثالث في المدى المنظور والقريب جداً، والذي تحتله ألمانيا حالياً، في ظل توقعات أخرى بإمكانية تتويجها في المركز الاقتصادي الأول بحلول العقد الثالث من هذا القرن.
في ظل هذا التحليل، بين التسليم جدلاً بتناغم الوضع المعيشي في ظل الممارسة الديمقراطية الفعلية وما يقابل ذلك من ديكتاتوريات متقدمة فكرياً من خلال انحيازها لأوطانها وشعوبها والانتصار لأهم قضاياها، يمكننا الوقوف على أهم حقيقة في هذا السياق وهي:
أن تقدم الشعوب وازدهارها وتفوقها في كثير من المجالات مرده أشخاص مهيؤون للقيام بمثل هذا الدور القيادي سواء كان الإطار السياسي الذي يعملون من خلاله إطارا فردياً أم حزبياً في إطاره الديمقراطي أم الشمولي. مثال على ذلك وفي إطار العالم الثالث الدكتور مهاتير محمد “رئيس وزراء ماليزيا الأسبق”، ورئيس دولة الإمارات المرحوم بإذن الله زايد بن سلطان آل نهيان، وسلطان عمان قابوس بن سعيد.
التوقف عند هذا الأمر المتعلق بنهضة بعض الشعوب وتعثرات البعض الآخر سنجده حتماً مرتبطاً بسيكولوجية الحاكم وبمنسوب مخزونه العلمي والثقافي، وانعكاس ذلك على تفكيره وغيرته على وطنه فيما لو تأخر عن ركب الأوطان الأخرى، وبمدى حزنه وقلقه إذا ما جاع شعبه، وبثورة غضبه وثأره إذا ما ظلم أحد من مواطنيه، وبطريقة اقتصاصه إذا ما تعرضت ثروة وطنه للنهب والابتلاع من قبل حفنة من الحيتان الداخلية، وبدرجة زئيره إذا ما اقترب جار من عرينه او حاول التنكيل بأحد من رعاياه.
أسئلة لا تنتهي في ظل مسميات الأطر السياسية التي لا تقدم ولا تؤخر في الاوضاع المعيشية لكثير من الشعوب في شيء، خاصة في العالم الثالث المتخلف الذي لا فرق فيه أن يحكم المرء في إطار ديمقراطي سواء كان شبه فعلي ام كوميدياً، أم في إطار آخر، حتى لو لم تخترع له تسمية حتى هذه اللحظة. المهم كيف تخرج الشعوب من أزماتها، وكيف تتحرر من جوعها، وكيف تقضي على البطالة المتفشية في شوارعها وأزقتها، وكيف تتخلص من لصوصها وحرامييها بغية استعادة الأمل في أن تحيا حياة طبيعية؟ أسئلة هي في رسم المستقبل الذي ربما نجد لها أجوبة من خلاله، ولو في اتجاهين متضادين حول من كان يقف وراء تقدم الشعوب ومن كان يقف وراء تخلفها، إذ عند هذا الفرز سيتضح لكثير من الشعوب سر تعاستها وبؤسها وشقائها، خاصة الشعوب الواقعة في ذيل الكشف المدون فيه أسماء الدول المتقدمة وأسماء الدول الأكثر فقراً وأكثر تخلفاً في العالم.
[email protected]