خرج من الدنيا بيدين فارغتين، بلازوجة أو أبناء. مادح الكسل، الساخر من سعادة الناس الحمقى، وعاشق النساء.. وفاة البير قصيري – جمال جبران

خرج من الدنيا بيدين فارغتين، بلازوجة أو أبناء. مادح الكسل، الساخر من سعادة الناس الحمقى، وعاشق النساء.. وفاة البير قصيري – جمال جبران

(1)
وأخيراً، ترك ألبير قصيري قبل يومين غرفته رقم (58) الواقعة في فندق لويزيانا بباريس. وهي الغرفة التي أقام فيها وحيداً منذ العام 1952. وأخيراً ترك الروائي المصري/ الفرنسي (94عاماً) حي السان جيرما، مقهى ” فلور”، و” الديماغو “. ترك باريس. ترك الحياة غير أبه بشيء، أو مكترث بأحد. ومحققاً كل ماكان يبتغيه من الدنيا ؛ أن لايملك شيئاً وأن يموت على سريره. وقد كان. مات ألبير قصيري على سريره في ذات الفندق وخارجا من الدنيا بيدين فارغتين.
“ليس لي سوى الكتابة “، كان قصيري يردد على طول خط حياته. لم يشتغل في أي مهنة غيرها، ويعيش أيامه من هدايا أصدقاء، لوحات وتحف فنية قيمه كان يقوم ببيعها كلما احتاج للمال. لكن بعد أن باعت كتبه ضمن لنفسه دخلاً ثابتاً من مردودها.
مولود في القاهرة العام 1913. لأب ثري لايقرأ غير الصحف ولأم لاتعرف القراءة أو الكتابة مطلقاً. تلقى دراسته الأولية في مدرسة فرنسية. وعندما ذهب إلى فرنسا في المرة الأولى وهو في السابعة عشرة من عمرة، وجد أن لاحياة حقيقية أخرى خارجها. فلم يترك باريس إلا في سفرات قليلة نادرة كان أخرها إلى القاهرة في العام 1995 كيما يتقبل العزاء في وفاة شقيقه الأكبر.
” شحاذون ومتعالون “، كان العمل الذي تحول إلى فيلم سينمائي مصري بديع حمل توقيع المخرجة الشابة حينها أسماء البكري وجاء باسم ” شحاذون ونبلاء “. كان هذا العمل بوابتي الكبرى للدخول إلى عالم ألبير قصيري محمولاً على يديّ دهشة فريدة سببها تلك الشخصيات التي صنعها قصيري، قدرتها على مخاتلة الألم وصنع لحظة فرح من العدم. هي المقاومة بالحيلة هنا وبالنكتة ورمي كل هموم الدنيا في سلة السخرية. شخصيات يقف استاذ للفلسفة على رأسها (قام بالدور الفنان القدير صلاح السعدني)، يترك مهنة التدريس ليمتهن الشحاذة. هو قرار الدخول في عالم المهمشين، الساكنين خارج الحياة. دنيا الليل والمخدرات، الحشيش هنا على وجه الخصوص. ومابين السطور أسئلة مطلقة بلا هوادة على قلب الحياة. جدوى الامتلاك. نهاية العمر القادم لامحالة. القلق الأبدي الذي بلانهاية، مع ضرورة ضربه بالأحذية كوسيلة للنجاة منه.
وعلى هذا المنوال اشتغل ألبير قصيري في غالبية أعماله (ثمان روايات فقط أنجزها طوال عمره). هو البحث هنا في تفاصيل عالم المهمشين، الناس الذين لايذكرهم أحد. ” الناس الذين نسيهم الرب “، قصص (1941). ” بيت الفناء المحتوم “، (1944). ” تنابل الوادي الخصيب “، (1948). وصولاً إلى عمله الأخير ” ألوان النذالة “، (1999). والذي يقول بشخصية سارق فقير معدم، متخصص في سرقة العائلات الثرية. ويقوم بتوزيع ماتحصل عليه على الفقراء. قد تبدو هذه حكاية مكررة، لكن ألبير قصيري كان فيها، عبر لغته الفريدة، ظاهراً كمن قالها للمرة الأولى.
الملاحظ، في مجمل أعماله أن قصيري، المقيم الأبدي في باريس، يبدو كاتباً قاهرياً بامتياز فلم يكتب أبداً مايدل على انه قد غادر القاهرة ذات يوم. فشخصياته مصرية من طراز رفيع، ومواضيعه لاهم لها غير الاشتغال على تفاصيل حياة الناس اليومية هناك. ” أنا كاتب مصري يكتب بالفرنسية “، قال ألبير قصيري، عاشق هذه اللغة. ومع ذلك بقيت أعمالة ناطقة بلسان الهم الإنساني المشترك والكبير. ويكون هذا على خلفية قاهرية بالدرجة الأولى. يقول هذا بسر الافتتان الكوني بأعماله التي تمت ترجمتها إلى نحو 15 لغة عالمية وربما يكون هذا مبرراً لذلك اللقب الذي أطلق عليه، ” فولتير النيل “، هي فلسفة تتخذ من ” هناك ” أساساً لها، فيما تعمل ” هنا “. أو هو النيل يوزع ماءه في كل مكان دونما تمييز لأحد عن أحد.

(2)
وعلى الرغم من عيش ألبير قصيري الأبدي في باريس منذ العام 1945 إلا أنه لم يكن معروفاً على نطاق واسع إذ كان يتحاشى الصحافة والإعلام بشكل عام. (لم يفعل مقابلة تلفزيونية واحدة في حياته). كان حي السا جيرما عالمه. غرفته رقم (58) في فندق ليوزيان. مقهى واحد أو اثنين. وعالم الأدباء الذين كانوا يعرفون قيمته الأدبية حق المعرفة. (سارتر وألبير كامو وصاموييل بيكيت واراغو وجان جينيه وهنري ميلر وغيرهم كثير). لكن كل هذا تغير حال صدور أعماله الكاملة العام 1986 عن دار جويل لوسفيلد. ليصبح ظاهرة في عالم الأدب الفرنسي.وهذا على أساس أنه يصنف ككاتب باريسي مؤبد لم يتجاهل جذره الأصلي ولم يتنازل عنه. انجازه كتابة أدبية تحتقر فكرة الامتلاك والتعلق بالماديات و تعمل على مديح الكسل. مأخوذ بعوالم وبشر بلزاك من غير التورط في السير على خطواتهم. ” شخصياتي هي حياتي، هم سببي لأحكي رؤيتي حول هذا العالم “، قال قصيري. ويفعل هذا بحرية من لم يمتلك شيئاً أبداً. ” مازلت على قيد الحياة، وهذا لأني لم أتزوج، ليس لدي أطفال أو بواب أو سيارة أو حتى كهرباء. يكفي أني على قيد الحياة “. وهي ذاتها الشخصيات التي تقاطع معها خلال إقامته الأولى والأخيرة في القاهرة وحملها معه إلى باريس. الشخصيات القاهرية المطحونة، المحتقرة، المنبوذة، المهددة بفقدان حياتها في أي لحظة. شخصيات غادرها عندما ترك القاهرة لكنها ظلت في قلبه وذهنه.ويتعامل معها مثل كنز لاينضب، يعمل على استحضار عوالمه الكتابية منها كلما قام ممسكاً بالقلم. ولا يحصل هذا كثيرا، بالنظر إلى مجموع أعمال كاتب عاش 94 عاماً ولم ينجز غير ثمان كتب. ” استطيع البقاء لمدة ستة أشهر دونما كتابة، وأظل مفكرا في جملة واحدة، قولوا عن هذا انه كسل، لكنه التفكير بالنسبة لي “.

(3)
انتقد البير قصيري اولئك الذين ينهضون باكراً من فراشهم. هو لم ينهض أبداً قبل انتصاف الظهيرة. وحال ينهض يقوم بالتوجه نحو كرسيه في مقهاه المفضل، يجلس لمراقبة المشاة العابرين. يكتفي بالتأمل ولا يحب الكلام كثيراً. قبل وفاته بعامين أجريت له عملية جراحية في الحنجرة وظل غير قادر على الكلام لفترة طويلة. في مرة نادرة أجرى حواراً مع مجلة ” ماغازين ليتيرير” الفرنسية الشهيرة، قال ان تخيل أمر عدم القدرة على الكلام لهي مسألة عصية على التصور. لكن هذا بالنسبة له أمر غير مزعج بالمرة حيث لايكون مجبراً بالرد على أسئلة الحمقى. ولهذا فهو يعتبر أن لا أهمية لشيء سوى البقاء على قيد الحياة. هو أجمل هبة في الكون.
لم يعتد ألبير قصيري على العمل وهذا لأنه نشأ في عائلة لاتعمل. تكتفي فقط بالعائد المادي الكبير الذي كان يأتي من نتاج محصول أراضيها الزراعية. لم تتح له فرصة التربية على يد والديه ” ولهذا أصبحت ذكياً”، يقول.
وعلى هذا ظل منكراً لفكرة العمل، هو الذي أتى إلى الغرب الأوروبي محملا بفكرة شرقية بامتياز. قدرة العربي على العيش حتى لو لم يكن يملك شيئاً. فلا أحد يموت من الجوع. ” في الغرب يمكن أن ينتهي شخص من الجوع وبرودة الجو. لكن لايحدث هذا في الشرق حيث هناك دائماً من يقدم للناس شيئاً ما وهم في السوق على الرصيف، قطع معدنية صغيرة، أي شئ قابل للأكل، وعلى هذا يبقى الفقراء متمتعين بروح السخرية. في القاهرة التي يسكنها أكثر من ستة عشر مليون نسمة، تظل المدينة رائعة. وهذا لان الناس يبتكرون كل يوم ما يسري عنهم، السخرية من حكومتهم، السخرية من الحياة ذاتها. لكنهم حالما يكتشفون أنهم وقعوا في الخديعة التي يعيشها بعض الناس فإنهم سرعان مايعمدون اللجوء إلى السخرية. لايمكن أن يستمعوا إلى وزير يتكلم دونما الضحك عليه “.
وخرج ألبير قصيري من كل هذا بفكرة الرعب من التملك. أن يكون في يده شئ ذا قيمة. ” عندما كان أصدقائي الفنانون والنحاتون يهدونني بعض أعمالهم. كانوا يعلمون أني سوف أبيعها في اليوم التالي وهذا كيما أقوم بتسديد إيجار غرفتي وشراء سجائري. كما أني أحب النساء. لا استغني عنهن أبدا. يجئن ويذهبن بحيث لا أشعر بالملل أبداً وأنا معهن “.
ولم يكن قصيري عبداً لشئ. ” الملكية هي الشئ الوحيد الذي تجعل من المرء عبداً، ولهذا عشت على نحو دائم في فندق حيث لا أمتلك حتى أثاث غرفتي”.
ظل قصيري بعيدا عن الذين يمتلكون شيئاً قابلا للضياع. ومع هذا لم يطلب شيئاً من أحد. لم يحدث هذا أبدا. الأصدقاء هم من كان يبادر للمنح.وعندما حققت رواياته نجاحاتها، لم يأبه لهذا مطلقاً. ” يلتقط كثير من الناس صوراً لي حيثما ذهبت، لكني لا أعبأ و لا أنشغل بهم “. لايهمه هذا النوع من البشر. هو لايهتم بغير الذين يشبهونه في الطباع. الذين لا يودون امتلاك شيء ولا يتركون أنفسهم أسرى له. ” سعداء مثلي، بلا بطاقة بنكية ولا دفتر شيكات، بعيداً عن مايصنع سعادة الناس الحمقى “.
لكن هذا النوع من البشر لم يعد موجوداً في عالمه. ” غالبية أصدقائي ماتوا “. قال قصيري.

[email protected]

 الاقتباسات والتواريخ الواردة في هذا المقال معتمدة من جملة نصوص مقالات منشورة على التوالي في صحيفة ” اللوموند ” عدد الاثنين 23يونيو الجاري. مجلة ” لير “. مجلة ” مغازين ليتيرير “. مجلة ” اكسبريس “.

***

قصيري: أنا فخور بك يا ألله

– السعادة المثالية بالنسبة لك؟
> أن أكون وحيداً.
– أخر مرة انفجرت فيها من الضحك؟
> لم يحدث هذا مطلقاً.
– ماهي صفتك الرئيسية؟
> التسامح حيال الحياة.
– ماهو عيبك؟
> الرعب من فكرة الكسب.
– من هو بطلك المثالي؟
> لايوجد.
– إلى أين تحب أن تسافر؟
> كل الأماكن بالنسبة لي سواء.
– ماهي الصفة التي تحبها في الرجل؟
> خفة الروح.
– وفي المرأة؟
> أناقتها.
– كتابك المفضل؟
> الإخوة كرومازوف لديسكوفيسكي.
– كتابك المفضلين؟
> كلهم ماتوا.
– لحنك المفضل؟
> لا أحب الموسيقى.
– ماهي الأغنية التي تدندن بها حال اغتسالك؟
> لا أغني أبداً.
– لونك المفضل؟
> الأخضر.
– شرابك المفضل؟
> الشامبانيا.
– ماهو، بحسب اعتقادك، اكبر نجاح حققته في حياتك؟
> حياتي ذاتها.
– على ماذا تأسف في حياتك؟
> على لاشئ.
– ماهي الموهبة التي كنت تود امتلاكها؟
> أنا امتلكها فعلاً.
– ماهو الشئ الذي تكرهه بدرجة مطلقة؟
> كلمة ” الكسب “.
– أكبر إحباط تعرضت له في حياتك؟
> لم أعرف الإحباط في حياتي.
– كيف تود أن تموت؟
> على فراشي.
– إذا قابلت الله، فماذا تود أن تقول له؟
> أنا فخور بك يا ألله.

< من حوار سريع منشور في مجلة ” لير ” عدد مارس 2005. (ترجمة: “النداء”)