شركة «دبي» ولوبيات الفساد الرئاسي!! – محمد محمد المقالح

شركة «دبي» ولوبيات الفساد الرئاسي!! – محمد محمد المقالح

في عدن يقرر رئيس الجمهورية إلغاء الاتفاقية مع شركة مواني دبي العالمية، ثم وفي المكلا وبعد يومين فقط يقرر الرئيس الإبقاء عليها وتحسين شروطها وتخفيض مدتها!!
تلك هي العناوين الرئيسة للصحف والمواقع الإخبارية قبل زيارة الأمير سلطان إلى اليمن، وهي عناوين كبيرة فعلا لأنها تجسد -وبأفضل صور التجسيد- الارتجالية والفساد اللذين تدار بهما البلاد ومن خلال رئيس الدولة شخصيا.
قبل أن يقرر الرئيس و”بشخطة قلم” إلغاء الاتفاقية، كانت معروضة على مجلس النواب باعتباره السلطة المعنية بإقرار أو إبطال مثل هذا النوع من الاتفاقيات التي تكون السلطة التنفيذية طرفا فيها وسبق لها أن أقرتها ووقعت عليها. وقد كان على رئيس السلطة التنفيذية إذا لم تعجبه الاتفاقية أو تبين له لاحقا أنها مجحفة وتمس السيادة الوطنية، كما جاء في خبر الإلغاء، أن ينتظر قليلا وان يقوم بدلا من ذلك بتوجيه مجلس النواب أو الإيحاء إلى كتلته البرلمانية الكاسحة بضرورة إبطال الاتفاقية وسيتم له ذلك ويحصل ما يريد بدون إراقة ماء الوجه في كل اتجاه. غير أن الرئيس رأى أن مجلس النواب لا يستحق الاعتبار ولا الاحترام مثله مثل حكومته واتفاقياتها الملزمة مع الشركات الدولية، ورأى بدلا من ذلك أن يقدم الاتفاقية ومن وقع عليها هدية انتخابية لأمين المجلس المحلي في عدن بعد خطبته العصماء ضد المعارضة. وحين سافر إلى المكلا وجد أنها أيضا بحاجة إلى هدية انتخابية مماثلة فتلفت يمنة ويسرة فلم يجد سوى الاتفاقية ذاتها بشرط إعادة شروطها وتخفيض فترتها حتى يحفظ ماء وجه المداحين وحملة المباخر في عدن وغير عدن، ولا ندري ما هي الهدية الارتجالية الأخرى التي سيقدمها الأخ الرئيس للمستثمرين الأجانب حين يطالبونه بضرورة الوفاء بالعهود والعقود التي سبق له أو حكومته توقيعها معهم!!
قبل قرار الرئيس بالاتجاهين المعاكسين تجاه الاتفاقية كانت قد شُنت حملة إعلامية واسعة النطاق ضد المناقصة والاتفاقية وضد شركة مواني دبي العالمية نفسها، شاركت فيها صحف وصحفيون وكتاب في السلطة والمعارضة بعضهم بحسن نية وبعضهم الآخر بدونها، وإذا كان حسنو النية قد اندفعوا في حملتهم بدوافع وطنية ومن باب أن الحكومة الموصومة بالفساد دائما لم تأخذ بعين الاعتبار الميزات الاقتصادية والتجارية التي يتمتع بها ميناء مدينة عدن بما يدفع لتحسين شروط الاتفاقية لصالح اليمن وبالذات تحسين شروط الاتفاقيات الملحقة مع شركة دبي حول قرية الشاحنات وتأمين أوضاع العاملين في الميناء وتحسين أجورهم الخ، فإن الآخرين وهم الأكثر قد شنوا حملتهم -ولا يزالون- ضد الاتفاقية وفقا لأجندات احد طرفي الفساد داخل السلطة والحكومة، مستهدفين بحملتهم رئيس الحكومة ووزير النقل والشركاء المحليين من التجار الحضارم وبهدف إبطال الاتفاقية أو تأخير نفاذها على الأقل، وهو ما تم لهم حتى الآن بغض النظر عن الخسائر الفادحة التي ستتكبدها اليمن على المستويين المادي والمعنوي!!.
تعلمون جيدا ان قوى الفساد في السلطة والحكومة لا يهمها تجميد ميناء عدن والمنطقة الحرة لمدة خمس عشرة سنة أخرى مثلما عملت من قبل، و لا يهمها أن تدفع اليمن ومن عرق أبنائها المعدمين مبالغ مالية طائلة وبالعملة الصعبة كتعويض للشركة جراء عملية (المخالصة) كما حصل مع شركات استثمارية أخرى تم إبطال الاتفاقيات معها!! وبالقدر ذاته لا يهم قوى الفساد أن تخسر اليمن سمعتها وثقة شركات الاستثمار الإقليمية والدولية بها بعد أن تبطل اتفاقيات سبق توقيعها مع شركات دولية كبيرة ومحترمة كما هو الحال مع شركة دبي العالمية، ولا ندري بعد ذلك ما هو نوع الشركات غير المحترمة التي ستأتي للاستثمار في اليمن وميناء الحاويات في عدن.
قوى الفساد في بلادنا تعودت أن تحصل على حق (ابن هادي) في كل مرة يحصل فيها اتفاق جديد مع شركة جديدة مثلما تحصل على حقها في كل مرة يحصل فيها إبطال أو مخالصة مع الشركة السابقة أو في حالة فتح باب المناقصة من جديد. أي أن حق (ابن هادي) مضمون في كل الأحوال ومن خزينة الدولة اليمنية المغلوبة على أمرها، وهي لهذه الأسباب مجتمعة كان لا بد أن تستخدم في حملتها الأكاذيب والمغالطات بما في ذلك القول بان عرض شركة رابطة الكويت والخليج أفضل من عرض شركة مواني دبي العالمية، وهذا غير صحيح البتة، وبما في ذلك القول السخيف بان شركة مواني دبي تعتبر شركة منافسة للاستثمار في ميناء عدن وستعمل إذا ما فازت بالمناقصة على تعطيل العمل في الميناء حتى لا ينافس المواني المجاورة والتي تديرها نفس الشركة، مع العلم أن أي نجاح للشركة في ميناء عدن هو نجاح للشركة الأم وأي فشل لها في عدن هو فشل للشركة ولسمعتها ومكانتها العالمية، وأي عاقل في الدنيا يعرف جيدا ان أي شركة تجارية أو استثمارية مهما كانت غبية لايمكن أن تدفع ملايين الدولارات لاستثمار فاشل أو معطل ولكن الفساد يخلق براهينه وحججه المتداعية!!
لم يكن رئيس الجمهورية في كل هذا خاضعا (لابتزاز)الحملة الإعلامية ضد الشركة والاتفاقية معها كما قد يعتقد البعض، بل هو الابتزاز نفسه وقد كان منذ البداية في قلب الحملة الإعلامية ضد الاتفاقية والشركة بعد أن أوكل إلى احد اقربائه إدارتها من مكتب الرئاسة وعبر رئاسة مجلس النواب ومكتب المناطق الحرة في عدن، وعندما قرر إبطال الاتفاقية في عدن كان يعتقد أن الحملة قد أدت أكلها وحان قطافها لكنه تبين في المكلا أن الناس هناك لهم رأي آخر فقرر التراجع قليلا حتى تنضج الطبخة أكثر وعلى نار هادئة وحتى لا يظهر قراره الارتجالي وكأنه موجه ضد المستثمرين الحضارم والخليجيين عشية انعقاد مؤتمرهم في المكلا وقبل يوم من زيارة الأمير سلطان أو من أطلق عليه البعض بسلطان الخير!!!
شخصيا أثق بشركة مواني دبي العالمية وبغيرها من الشركات الدولية المحترمة في أن تدير ميناء عدن وغيره من مناطق الاستثمار في بلادنا أكثر مما أثق بالحكومة اليمنية أو برئيسها لأنني اعلم ان هذه الشركات ستتعامل وفقا لمعايير دولية ويمكن محاسبتها على أساسها وفقا للقانون الدولي، أما حكومتنا ورئيسها فيديرون البلاد بالفساد والارتجالية وإذا ما أخطأوا – وهي عادتهم – فلن يجدوا من يحاسبهم على الارتجالية والفساد التي يديرون بها البلاد كما هو حالهم الآن.
—————–
[email protected]