الحياة حين تمر عبر قائمة الأرقام المطلوبة أو جمعية الأمر بـ«أيش» والنهي عن «أيش» وإلا «أيش»؟ – محمد عثمان

الحياة حين تمر عبر قائمة الأرقام المطلوبة أو جمعية الأمر بـ«أيش» والنهي عن «أيش» وإلا «أيش»؟ – محمد عثمان

لو قيض لأحدنا أن يكون ممن أدركتهم آفة التساؤل والبحث (لسوء الحظ أنني لست مصابا بهذه الآفة بما فيه الكفاية- وذلك بعد أن تمكنه من اجتياز برزخ التقلبات التي عصفت خلال السنوات الماضية بحياتنا عصف إعصار كاترينا، دون أن تتعرض آفته النبيلة للتلف) أن يجري دراسة يتوخى من ورائها معرفة نظام القيم السائد والمتحكم بالتوجهات والاختيارات اليومية لأفراد مجتمع كمجتمعنا، فلا أظنه سيجد مسبارا للقياس بفاعلية القائمة الخاصة بالمكالمات التي لدى كل منا في تلفونه السيار، وبوجه خاص قائمة الأرقام المطلوبة. ألن يكون من شأن دراسة كهذه أن تفضي إلى نتائج تراجيدية حول الموضوع؟! تخطر الفكرة ببالي على خلفية حديث دار قبل أيام بيني وبين زميل من ذوي الدخل المحدود. وأنا ألح على توصيف زميلي على هذا النحو لسبب -سيُعرف لاحقا- شديد الاتصال بموضوع هذه السطور.

 المهم أنه في الحديث إياه أخبرني الزميل أنه خطرت في باله, قبل ذلك بمدة وفي واحدة نادرة من الطلعات التي يجيء فيها على بال الواحد أن يلتفت إلى الخلف لمراجعة آثار خطواته على درب الماضي القريب الذي يمر–في حالة زميلي- عبر قائمة الأرقام المطلوبة في تلفونه السيار. كانت دهشته بالغة حين انتبه إلى أن رقم أمين صندوق الجهة التي يعمل فيها حظي بالعدد الأكبر من المكالمات. يليه أرقام أشخاص اعتاد أو لديه النية للاقتراض منهم واحتل المرتبة الثالثة والأخيرة رقمان لشخصين من أصحاب الوظائف العليا كان الدافع للاتصال بهم تسوية أرضية مناسبة يقيم عليها، فيما بعد، الحاجة لوساطتهم في تعديل وضعه الوظيفي المائل بعض الشيء. ما عدا ذلك فقد خلت القائمة من أرقام أخرى تخص أقارب أو من أصدقاء الماضي.
 وإذ أصغي إليه يحكي ذلك، رحت بدوري أستدعي قائمتي الخاصة للأرقام المطلوبة دون أن أكلف نفسي عناء إخراج هاتفي المحمول من قرابه. استدعيت أيضا القوائم الخاصة ببعض من تربطني بهم صلات وثيقة. ليس بالمعنى الحرفي طبعا، لكن مستدلا عليها من خلال نزوحاتهم اليومية. بدا لي ترتيب الأرقام في كل القوائم يخضع لنفس “الحسابات” لنفس”التكتيكات” و”الاستراتيجيات” التي خضعت لها قائمة زميلي.
 باختصار لنفس “المفاهيم التي بواسطتها تدار الحرب وتُفهم”)مع الاعتذار لميشيل فوكو الذي عالج في كتاب شيق عنوانه “يجب الدفاع عن المجتمع-دار الطليعة 2003” موضوع الحرب الكامنة في السياسة بتوسع, والذي لا تسمح هذه التناولة بأكثر من الاقتباس السابق منه) وكأن الحياة هنا –حياتي وحياتك وحياتها وحياتهم- ليست سوى نسخة من حرب، إلا أنها نسخة منقحة بعض الشيء، منقحة بما يكفي لحذف بعض الرتوش من قبيل دوي الانفجارات أو مشهد النيران المندلعة في هذه الجهة أو تلك من ساحة المعركة أو الكر والفر -لا الكر والفر لم يحذف، للأسف تم الإبقاء عليه- وتفاصيل أخرى سواء حذفت أو تم الإبقاء عليها فلن يغير ذلك من الأمر شيئا. أو أنها –الحياة هنا- ليست سوى نسخة طبق الأصل من المعركة. لعلها المعركة بحذافيرها. وما يجعلها تبدو على غير ذلك، عطل جسيم لحق بجهازنا الحسي عند بدء المعركة أو قبل ذلك بقليل بحيث ما عدنا قادرين على التمييز ولا حتى على الإدراك أننا، في الآن ذاته، أدوات وأهداف هذه الحرب الدائرة، في الحالة، بين نظامين للقيم أحدهما تتضام مكوناته الاجتماعية وحاملوه على أساس حسابات الربح والخسارة، أي على أساس السلطة والمال. والأخر على أساس قيم في تعدادها المحبة والصداقة والتضامن والسعي المشترك. ما من مفر بهذا الخصوص من الاعتراف أن الطرف الأول قد ربح المعركة. واكتسحت مفاهيمه وتصوراته للأشياء النسيج الاجتماعي برمته. فيما يشهد الطرف الثاني تقهقهرا مستمرا لم يشهد له مثيلاً من قبل,يتحول ممثلوه في أعداد غفيرة إلى صف الطرف الأول، بعضهم بدافع الحاجة القاهرة والبعض الآخر بدافع القناعة. وتشهد تمثيلاته صعوبات شديدة في الالتئام. ومؤشرنا على ذلك من الوسط الثقافي حيث تتداعى وتنفرط التجمعات الأدبية بنفس السرعة التي تنبثق فيها. إن هذا الطرف يفقد مواقعه باستمرار حتى داخل تشكيلات اجتماعية وسياسية يفترض أنها الحاضن الأساسي له مثل منظمات المجتمع المدني. فليس من الشطح بمكان ملاحظة أن الأداء اليومي لغالبية هذه المنظمات يكشف عن الافتقار إلى الحساسية المطلوبة لالتقاط أصداء التوقعات التي تتردد بين جوانح منتسبيها. وهي توقعات مدارها الحاجة إلى تقوية أواصر الألفة والتواصل في المقام الأول ومن ثم التضامن والحماية والأمان وباختصار إلى كل ما من شأنه أن يستولد لدى أعضاء هذا المتحد أو ذاك الشعور بالانتماء إلى هوية اكبر، محورها المهنة، يتعرفون على أنفسهم فيها. الشرط الذي لا غنى عنه لإنعاش روح التفاؤل والأمل والثقة بالنفس والقدرة على الفعل. وهو ما لن يتحقق ما بقيت هذه المنظمات تفتقر للفضاء الحديث الحر والجامع الذي يليق بإنسانية أعضائها وعظمة أدوارهم، وأيضا ما بقيت هيئاتها العليا صيدا سهلا لمن لا يجيدون سوى التقوقع في حدود متطلبات خاصة وأنانية ووصولية، أي في حدود “حسابات” و”تكتيكات” و”استراتيجيات” -من تلك التي، على غفلة من الزمن، خضعت لها قائمتي الخاصة بالمكالمات المطلوبة وقائمة زميلي- والناتج تكوينات هي اقرب إلى الهياكل الصماء البكماء المتعالية والعاطلة. وفي أجواء خانقة كهذه، أي في أجواء تكتسح فيها قيم السوق –لست متيقنا تماما من أنها قيم السوق حقا- ميادينا ليست خاصتها، لا يبقى أمام النفوس الحساسة سوى ملاذين. أولهما الموت كمدا. وثانيهما الموت أيضا، إلا أنه في الحالة الثانية موتا بطيئا يتجسد في صورة السعي إلى تعويض الحميمية المفقودة في معتزلات القات المرخصة بإفراط أو، على نطاق أضيق، في العزاء الذي تقدمه المشروبات الروحية المسمومة غالبا والمخدرات والخلوات العاطفية المختلسة أو المشتراة..الخ ولكن على ما يبدو أن الحيز الأخير، وهو حيز ضيق ومخرج بطريقة مشوهة ولا إنسانية ومحاصر فوق ذلك، لم يسلم بدوره من المتفيدين والمتقرصين أي من عشاق “الحسابات” الذين تتوزعهم جهات ضرب وضبط ومراقبة لا يعلم بعددها في هذا البلد إلا “صاحب فوق”. ولم لا إذا كان دور الرقيب والحسيب مربح للغاية، مربح إلى الحد الذي يقول “لا يخلو جيب كل مدور للفهنة من البقش” حتى أنهم ارتأوا مؤخرا أن من المناسب استثمار مدخلات هذا الحيز في امتصاص البطالة في أوساط خريجي جامعة الإيمان. وذلك بحشرهم في إطار جمعية جديدة وظيفتها حراسة الأخلاق العامة. اسم الجمعية على ما أظن “جمعية الأمر.. الأمر بأيش.. بأيش؟ والنهي.. عن أيش.. وِالاَ أيش؟” أرجو ألا تسيئوا الفهم. فهذه ليست أغنية. انه مظهر لإخفاقي عن التذكر. لابد أن للأمر، وفقا للتأويل الفرويدي، علاقة بتجربة مؤلمة للغاية بحيث اقتضت سلامتي النفسية نسيان الاسم. وعودة إلى زميلي– وهو زميلي بداعي التشابه بين قائمتينا للأرقام المطلوبة وربما أيضا لتجاور متكئينا في بعض المقايل، ها قد أدركت أخيرا- هذا الزميل مثقف سابق كما أن لديه تجربة سابقة أيضا في ميدان العمل السياسي. ما يعني انه ينتمي إلى الجيل الذي صهر أزهى سنواته في بوتقة حلم تغيير العالم. مع ذلك، بدا مؤخرا –إذا جاز لي استخدام مؤخرا كمعادل لحفنة من السنوات- شديد الحساسية والنفور تجاه أي حديث يناكش موضوعا سياسيا أو ثقافيا أو سواهما من الموضوعات ذات الطبيعة العامة. وكأنما قطع على نفسه عهدا لا رجعة فيه في أن لا يسمح بتبديد طاقته الذهنية والعصبية في معالجة موضوع آخر سوى الموضوع الجبري والإلزامي –ولا أقول المفضل- المتمثل في أمين الصندوق أو من يأنس فيه استعدادا لإقراضه بعض المال وقت الشدة. لذا، ما أن يندلع نقاش يمت بصلة لموضوع ذي طبيعة عامة، حتى تراه يلوذ بنفسه، يلتحف وجهه التوتر والانقباض فيبدو كما لو انه بصدد منازلة داخلية طاحنة مع أيادٍ غاشمة تنازعه مكانه على متن قارب النجاة –شديد الازدحام بطبيعة الحال- الذي سيقله إلى بر الأمان. وفي هذه النقطة تنفصم عرى زمالتنا قليلا. ذلك أنني -وعلى خلاف زميلي رغم كل شيء- ما أن تتعالى قعقعة النقاش حتى أجدني، بدافع المكابرة أو التشبث بصورتي كصاحب رأي سديد، عاجزا عن كبح جماح رغبتي في المشاركة فأروح أطوح على الفور بوجهة نظري داخل الموضوع أو خارجه –لا يهم- على الأرجح خارجه. والا لماذا، فيما بعد، مسترجعا وجوه مستمعي، يبدون لي كما لو أنهم كانوا، طوال الوقت الذي أتكلم فيه، يحدقون ناحيتي كما في مربوش اقتحم عليهم الجلسة خلسة (اعرف اثنين ستعلو نظراتهما لمعة الظفر لدى قرأتهما هذا وكأنهما انتظرا ذلك بفارغ الصبر. لا يسيئني ذلك على الأقل أكون قد برهنت على أنني أكثر دراية بالتوقعات من منظمات المجتمع المدني) ليس ثمة سبب يدعوني إلى استبعاد الاحتمال. فمع أنني أعد نفسي قارئا نهما وخبيرا في الشؤون السياسية، لم انجح يوما في إستثمار ملكاتي هذه في النقاشات التي أشارك فيها. نظرا لنسياني أولا بأول كل ما أقرأ وما أَخبر. والفضل في ذلك يعود بالطبع إلى قائمتي الخاصة بالمكالمات المطلوبة. ألم أقل من قبل أن لدي أيضا قائمة خاصة؟ قائمة أحرص، منذ أن تكرم زميلي بلفت انتباهي إليها، على أن أشيك عليها متى ما تسنى لي ذلك. وفي كل مرة اكتشف أنها لا تختلف عن قائمته إلا في بعض التفاصيل. وبدقة أكبر في تفصيل واحد يتمثل في أن المرتبة الثالثة في قائمتي، وخلافا لخاصته، محجوزة دوما لزملاء يعملون في مهنة الصحافة ومجال الدفاع عن الحقوق والحريات. هل تعرفون لماذا؟! لأنني من فرط سماعي حكايات عن معتدى عليهم بالضرب ومحكومون بالحبس على ذمة هفوات ضئيلة من قبيل السهو عن إلقاء التحية على عاقل الحارة أو ارتداء بنطال جينز أو حلاقة الشارب أو المجاهرة بالضحك (الم يلق القبض على الصحفي محمد المقالح بسبب ضحكة ما يزال يدفع ثمنها حبسا وراء الجدران حتى الآن؟!) ومن يدري، ربما أقدموا على القبض علي بجريرة النسيان. نسيت للتو اسم “جمعية الأمر بأيش والنهي عن أيش والا ايش؟” فأنا كما أخبرتكم من قبل، ولنفس السبب الذي يدعو زميلي إلى تجاهل الخوض في أي نقاش عام، أنسى ما أقرأ و ما أسمع أولا بأول. إنها حالة تدعو للأسى. لا يعرف ذلك إلا من خبرها. وعموما، ولتدارك نسياني اسم الجمعية قبل أن يسفر عن ذلك ضربي أو ضبطي متلبسا بتهمة الإخلال بالأخلاق العامة عن طريق النسيان، سأمرر لكم على نحو عاجل وصفا لحالتي فيما أقوم بعملية التذكر الحثيثة للاسم. لنقل نوعا من التلميح عساه يلهم أحدكم الاسم فيتكرم بإسعافي به. إليكم الوصف: فيما كنت أتذكر لاحظت أن أصابعي تمر بقلق وتوتر عصابيين في ثنايا خصلات لحية متوهمة على وجهي. هل كانت مصبوغة بالحمرة؟ لستُ متيقنا!! في كل حال ما الجدوى من إضافة جهة ضبط وضرب جديدة إذا كانت، في ظل العدد غير المعلوم، لن تضيف إلى العدد الإجمالي فارقا يعتد أو يتباهى به في وسائل الإعلام الرسمية أو التابعة للجمعية. الأمر برمته زي انضياف مولود جديد لسكان الصين. وعودة إلى موضوع المقارنة بين قائمتي للمكالمات المطلوبة وقائمة زميلي أقول انه في ما عدا الاختلاف الوحيد الذي يمكن أن نسميه من باب الدلع بـ”اختلاف المرتبة الثالثة” وهو اختلاف يمليه لدي، الخوف من السقوط سهوا في حفرة إحدى جهات الضرب والضبط ولديه الخوف من الوقوع من شاهق الوظيفة. ماعدا ذلك تكاد قائمتينا تتطابقان بالتمام والكمال، ففي كلتيهما يحتل المرتبة الأولى والثانية على التوالي رقم أمين الصندوق ومن نَسْهَنْ منهم قرضا وقت اللزوم. كما أن القائمتين تخلوان بنفس القدر تقريبا من أرقام ذوي القربى (يا ترى كيف ستعالج جمعية الأمر بأيش حالة كهذه؟ هل ستطرح على نفسها السؤال عن السبب لتشرع من ثم في الإجابة بتجرد أم أنها ستكور كوارة واحدة كحال “شقيقيتها” ومثلها الأعلى إلى تطبيق أحكام الشريعة عمياني غمضاني وكأنها مش مصدقة أنها حصلت واحد تجلده. بالنسبة لي لا أريد لذا ولا لذاك أن يحدث. ولو قبل القائمون عليها نصيحتي، متغاضين لبعض الوقت عن هفوة نسياني اسم جمعيتهم أولا وعدم كوني “عالما” أو ممن يتنازلون للقب بأي ثمن ثانيا، لنصحتهم بأن أفضل طريقة للتقرب إلى الله هي أن يتركوا الناس في حالهم) وأصدقاء الماضي. أصدقاء الدراسة الثانوية والجامعية بالذات. أصدقاء “الأيام السهلة” حسب قصيدة للشاعر علي المقري. الأصحاب الذين استعصوا إلى أخر لحظة عن أية رابطة فيما بينهم ما عدا “خبز الطاوة” والرصيف والشعر والقصة والأغنية وحلم إعادة عجن العالم من جديد. هؤلاء الذين أصبحوا معدومين الآن مثل عملة قديمة “متسكعي الزمن الغابر، أبطال الأغاني الشعبية الكسالى، هؤلاء المتشردون الذين يتسكعون من طاحونة إلى أخرى وينامون تحت أجمل نجمة؟ هل اختفوا باختفاء الدروب الريفية والحقول والغابات والطبيعة؟ يُعرف احد الأمثال الشعبية التشيكية كسلهم مجازا قائلا: إنهم يتأملون نوافذ الله. ومن يتأمل نوافذ الله لا يسأم ابدأ..” الأشد شبها بمن ورد وصفهم سالفا في الاقتباس-المأخوذ من رواية “البطء” لكونديرا- أينهم الآن؟ وما مصير أحلامهم؟ لا يضع التساؤلان على عاتقهما عبء حمل أي نوع من أنواع الحنين إلى الماضي بالطبع، ولا يتورطان في تمجيد بؤس “خبز الطاوة” فيه. كما أنهما ليسا مهمومين باستدعاء أصحاب بعينهم أو بالرغبة في إحضارهم مربطين –وإلا كيف سنوفق حينئذ بين هذا وواقع أن قائمة صاحبهما خالية من أرقامهم- لكنهما على الأرجح يحاولان استدعاء روح الصحبة التي كانت بصرف النظر عمن يرتديها. كما أنهما لا يراهنان على حلم بعينه أو شكل سبق للحلم أن تجسد فيه بالذات. لكن على روح الحلم بصفة عامة. روح الحلم التي تتمتع بقابلية هائلة على التعدد والتشظي في أشكال من التبادل والحوار –ليست على غرار جمعية الأمر بأيش طبعا ولا الهياكل الصماء لمنظمات المجتمع المدني الحالية- روح الحلم التي تستعصي على القولبة. والتي ما إن يصر الناس على التعرف عليها في قالب معين دون سواه متقاعسين عن إعمال إفهامهم في احتمال هذه القابلية على التنوع والثراء اللامحدودين، حتى يتجمدون معها في نفس القالب أو يرتدون عنها في نفور نحو أشكال من التذرية الاجتماعية المقيتة والتي إذا ما التئمت فحصريا على قاعدة قائمة “شلني اشيلكـ” سالفة الذكر. عن هؤلاء الأصحاب بالذات أتساءل: أين –ومن-هم الآن؟ بل أين –ومن- أنا الآن؟
 
 
***
 
 
المكان والسياسة في اليمن
 

ليس اعتباطا أن يقال عن الديمقراطية الأثينية إنها “ابنة الساحة” أي ابنة فضاء عام بالمطلق وهو من السعة والرحابة بحيث يسمح للأجساد بحرية التنقل والحركة والتشكل وإعادة التشكل وللعقول بالتواصل على نطاق واسع وبلا قيد أو شرط. بتعبير آخر فهو يسمح لعدد اكبر من الإرادات الفردية أن تلتقي وان تتعرف على صورتها في إرادة أعلى وأسمى هي محصلة هذه الإرادات مجتمعة. وعلاقة السياسة والثقافة بالمكان في اليمن من الموضوعات الملحة لكن، في الآن ذاته، الحساسة التي يحاول الجدل السياسي والثقافي الدائر تجاهلها. فليس خافيا على احد أن المقيل يكاد يكون المكان الأوحد لتداول الشأن العام في اليمن. وهذا المكان بما يشترطه من عزل بين الناس على أساس معايير في تعدادها الجنس والمكانة الاجتماعية، ومن تربية للنمطية والطقوسية ومراعاة التقاليد ناهيك عن القيود التي يفرضها على حركة الجسد(حول العلاقة بين الحركة والنشاط الذهني يمكن استشارة مقالة فلسفة السفر لجورج سنتيانا في كتابه “مولد فكر” وأيضا كتاب “…… لزكي نجيب محمود” كما من المفيد بهذا الخصوص التذكير بما قاله عبد الكريم الرازحي في إحدى المقابلات من (انه يدين بكتاباته لقدميه) وفي هذه النقطة بالذات يمكن اعتبار المقيل حلقة من حلقات التدجين الاجتماعي للجسد، هذا التدجين الذي يبدأ بالأسرة ثم بمدرسة معادية لكل أنواع النشاط الحركي ثم بالبيئة التي تخلو من الملعب والحديقة والساحة والنادي وصولا إلى التقاليد. إلى ذلك يُعد المقيل –حسب رسالة ماجستير لعبد الحفيظ النهاري لم اطلع عليها لكنه حدثني عنها- مكانا ملتبسا يتداخل فيه الخاص والعام ويعمل فيه الخاص على تحجيم العام وإعاقته عن التبلور في شكل مستقل. كل هذا وغيره يسوغ الشكوك المثارة حول هذا المكان ونصيبه من المسؤولية عن خنق بوادر ازدهار المجالين السياسي والثقافي في اليمن. إن عجز منظمات المجتمع المدني عن خلق فضاء مديني بديل جذاب يغري على مبارحة الحيز الضيق الذي يمثله المقيل ويسهم في تكسير الحواجز بين أبناء المهنة الواحدة أو الانتماء السياسي الواحد بما يؤدي إلى خلق أرضية ملائمة لتلاقح الأفكار وتبلور الرؤى ونضوج المشاريع وتاليا إلى خلق متحدات اجتماعية قوية قادرة على وضع حد لغطرسة السلطة التنفيذية وإعادة رسم حدود صلاحياتها. إن عجزها عن خلق فضاءات كهذه، حتى لو اتخذت هذه الفضاءات في البدء مظهرا بعيدا عن الحديث الصاخب للسياسة ومشاغلها، لهو حسب هذا الطرح مؤشر ناجز على فشلها.
م. ع