الحرق بنيران شقيقة! – جمال جبران

الحرق بنيران شقيقة! – جمال جبران

هناك جرائم لا تسقط بالتقادم. ينبغي وضعها في خانة التذكر  والتذكير بشكل دائم. الكتابة عنها مرة وثلاثاً وعشراً.
هناك صور الضحايا معلقة على جدران الحدود الشقيقة. حدود المحارق وأعراس الدم والبنزين وآبار النفط.
كما وهناك أصوات أجسادهم المحروقة؛ أصواتهم الصارخة قائلة بعقاب حل عليها مرتين: مرة بنيران أشقاء المملكة والثانية، بتجاهل وصمت مريب مهين، وقع عليهم من قبل حكام البلاد السعيدة.. حكامهم

(1)
وقف العقيد عبدالله بن عائض القرني وهو الناطق الاعلامي باسم وزارة الداخلية السعودية. وقف يوم الاثنين 28 من الشهر الفائت أمام صحفيين ومراسلي وكالات أنباء ومحطات تليفزيونية في مؤتمر صحفي استهدف إعلان نفي سعودي رسمي لما تردد عن «مزاعم قيام رجال من أمن المملكة بإحراق 18 يمنياً من المتسللين عبر الحدود بمادة البنزين داخل وكر لهم في محافظة خميس مشيط، جنوبي المملكة». وأكد الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية السعودية وبلهجة الواثق من دقة كلامه أن «هؤلاء اليمنيين (ولنضع هذه الأخيرة بين قوسين كبيرين كما وأكثر من خط تحتها)، أن هؤلاء اليمنيين مجهولي الهوية (ولهاتين أيضاً قوسان وأكثر من خط) قد أصيبوا بحروق متباينة بسبب حريق شب بموقع لإلقاء النفايات». وتابع الناطق الرسمي إياه قائلاً وبلسان الراوي كليِّ العلم أن «المصابين كانوا يقومون بنبش القمامة عندما شب الحريق، وأنهم ممن تعودوا على التسلل إلى منطقة عسير للسرقة والسلب والنهب»!! (تحتاج إضافته الأخيرة هذه لأكثر من تعليق واستيضاح سيأتي تالياً).
كما أشار العقيد القرني إلى أن «جرائم هذه العناصر (مجهولي الهوية) بلغت في المنطقة في العام الماضي 1428 وحتى تاريخ 30/3/1429 (بالتوقيت السعودي) 2007 وحتى أواخر مارس قبل الماضي (بالتوقيت العالمي)، بلغت 189 قضية بالاضافة إلى اعتراف عصابة منهم (مجهولي الهوية إياهم) بارتكاب 54 قضية منها 10 قضايا قتل تم التصريح عنها مسبقاً». ولم يغفل العقيد القرني أو الناطق الاعلامي السعودي في خاتمة بيانه ومن باب الاتيكيت واحترام روابط الدين المشترك والدم الواحد بين حكومة المملكة وأبناء (مجهولي الهوية). لم يغفل التأكيد على أن «الجالية اليمنية التي تقيم في عسير بطريقة نظامية تحظى برعاية الحكومة السعودية ممثلة في إمارة عسير».
هذا ما كان منه و منهم وجاء. بشكل بيان رسمي عقب خروج خبر المحرقة إلى الواجهة، وهو ذاته البيان السعودي الذي لم يجد طريقاً للنشر سوى في مقدمة صحيفة يمنية يتيمة وهي لسان حال حزب رابطة أبناء اليمن (رأي) عبر مانشيت احتل رأس صفحتها الأولى وقال بـ«الداخلية السعودية تنفي حرق عناصرها لمتسللين يمنيين». أما في الخانة الرسمية اليمنية فلم نقرأ أو نسمع لا قولاً موضحاً ولا تصريحاً شارحاً ولا حتى نفياً له أن يحيل المسألة برمتها إلى معادلة من طرفين وهذا حتى يستقيم الأمر فلا يظل مختلاً. هذا حتى لا يبقى الضحايا في خانة «مجهولي الهوية» إلى الأبد!

(2)
يحتاج الأمر، إذن، لاعادة قراءة ووضع ملاحظات. يحتاج، بلاشك، إلى إخراج جيد. كان الطرف السعودي بحاجة ماسة إليه، حتى يستقيم بيانه الموضح على لسان ناطقه الاعلامي الرسمي. فلا نحتاج نحن إلى أكثر من مجرد خيال واسع كيما تستقيم الحكاية المروية عنهم في عقولنا.
فأولاً، هناك نبرة اللغة الفوقية الصارخة والمتفشية في ثنايا كلام الناطق الرسمي السعودي. هناك حقائق وأرقام يقول بها ومشيراً ومضيفاً ومؤكداً وواضعاً إياها في خانة اليقيني غير القابل للدحض أو التشكيك. وهذا لأن «نزاهة» رجال الأمن السعودي فوق كل شبهة وفوق أي مساءلة.
وعليه يتجه الكلام ويشير باتجاه طرف واحد، هو الضحية والمتهم في آن واحد، مجرد مجهولي هوية غافلتهم النار (لكن من أين جاءت الشرارة الأولى؟) إذ هم منشغلون بنبش «قمامة سعودية» بحثاً عن ما يسد جوعهم! بمعنى أن خشيتهم من الموت جوعاً كان أكبر من أمر موتهم حرقاً وعليه لم يعيروا تلك النار المندلعة حولهم أدنى اهتمام. لكنهم وبعد أن شعروا بوطئة النار على جلودهم خرجوا من وكر النفايات السعودية ذاك مستنجدين برجال أمن المملكة وحماة حدودها، الذين كانوا، بدورهم كالعادة في كامل جاهزيتهم مدعومين برجال الدفاع المدني التي سارعت عرباتهم بإطفاء النيران وانقاذ إخوانهم من «مجهولي الهوية»! وهذا ليس بغريب على حماة الحرمين الشريفين ولا بجديد عليهم!
لكن هناك ما يثير في هذي الرواية. هناك ما يقول بسيناريو مطبوخ بطريقة رديئة تماماً. حيث وفجأة يتطور إيقاع ويتسارع بشكل لا منطقي مشيراً باتجاه ركاكة ما.
إذ يتحول الضحايا إلى متهمين وعصابات قتل وسلب ونهب ما يفتح الباب لفضح هويتهم منتقلين وفجأة من خانة «مجهولي الهوية» إلى خانة «مجهولي هوية يمنيين»!… ولابد تالياً ومن باب رفع الشبهات الاتيان باحصائيات مفصلة لجملة الأعمال الاجرامية التي قاموا بارتكابها في حق مواطني المملكة السعودية. مع عدم إغفال مسألة «اعتراف عصابة منهم بارتكاب 54 قضية منها 10 قضايا قتل تم التصريح عنها مسبقاً»! لكن لماذا والحال هذه تم الافراج عنهم وإطلاقهم إلى خارج الحدود السعودية باتجاه اليمن؟ وفيهم العصابة التي عليها قضايا قتل ونهب وسلب؟ ألم يقل الناطق السعودي أن منهم عصابة اعترفت بارتكابها جرائم قتل! لماذا تم إطلاقهم إذن؟ هل تحركت ماكينة الرحمة في دواخل الجهات الأمنية السعودية فاكتفت بحرقهم وحروقهم كعقاب على ما ارتكبوه من جرائم؟ تحتاج هذه الرواية بلاشك لعملية تجميل كيما تبدو لائقة وممكنة. عملية تجميل كتلك التي تحتاجها الآن أجساد ضحايا المحرقة. وتئن موزعة على مستشفيات العاصمة صنعاء. تحتاج الرواية لاعادة إخراج حتى لاتبدو على النقيض من الرواية التي جاءت على لسان الضحايا المحروقين وهم ذاتهم القتلة واللصوص، ممتهنو السلب والنهب وإقلاق راحة بال أمن المملكة!

(3)
ولدينا هنا أسئلة:
ماذا كان قصد الناطق الرسمي السعودي بقوله «مجهولي الهوية»، وهم ذاتهم من قام بتعريفهم تالياً «بمجهولي هوية يمنيين»؟! لا تستقيم المسألة هنا خصوصاً أنه (أي الناطق) قد قام لاحقاً بذكر إحصائيات لعدد الجرائم التي قاموا بارتكابها. أي أنهم معلومون لا مجهولون عديمي هوية!
كأنه بهذا التدرج قد نجح في تقديم الرواية بشكل غير صادم أو جارح. الحديث أولاً عن حريق التهم أجساد جياع مجهولين. النزول ثانياً لمرتبة التعريف بهؤلاء المجهولين. والتأكيد أخيراً على أن هؤلاء مجموعة من اللصوص والقتلة من ممتهني السلب والنهب ويستحقون فعلاً ما جرى لهم.
يستحقون وعن جدارة تلك المحرقة التي وقعوا فيها وقاموا بحفرها لانفسهم. وهكذا أراح الناطق الرسمي السعودي ضميره ساكتاً عن الكلام المباح!
ولكن أين رواية الضحايا، الطرف الأساس في المحرقة؟
بحسب روايتهم لأكثر من وسيلة إعلامية محلية يمنية جاءت أقوالهم متطابقة إلى حد كبير وخصوصاً في السياق الرئيسي للواقعة. تفاصيل ما بعد المحرقة. وتقول أنه وفي الشهر قبل الفائت قامت مجموعة من جنود أمن المملكة في منطقة خميس مشيط بمطاردة نحو 25 متسللاً يمنياً الذين لاذوا بدورهم بحفرة في مرمى نفايات سعودي. وهي حفرة قاموا بحفرها في وقت سابق حتى تكون ملاذهم من أعين رجال أمن متربصين بهم. وكان الأمر في كل مرة ينتهي بسلام. لكن في هذه المرة الأخيرة، وبحسب رواية الضحايا، (صحيفة الغد عدد 28ابريل 2008)، فطن الجنود للوكر الذي يختبئون فيه فانتظروا دخولهم متلهفين كمن يراقب بشغف دخول مجموعة فئران إلى مصيدة. وبعدها قاموا بصب البنزين على القش الموجود كغطاء على فوهة الوكر أو المخبئ. وعند اندلاع النار ونتيجة للدخان الصادر عنها اضطر البعض منهم للخروج فيما مكث آخرون، وكان الجنود السعوديون وقتها يحيطون بفتحة الحفرة يحتفلون على طريقتهم راقصين وضاحكين ومطلقين الرصاص في الهواء وحول حفلة الصيد الذي اغتنموه! وهي غنيمة معتبرة قوامها 18 ضحية مجهولة/ معلومة، يمنية وقعت في فخ ومحرقة استمدت وقودها من بنزين أشقاء!
وإلى ذلك روى بعض الضحايا المعاملة اللاحقة لحفلة الشواء تلك. قالوا بركلات تم توجيهها إلى أجسادهم المحروقة. استمعوا إلى توجيهات عليا صادرة لرجال الأمن السعوديين تأمرهم بضرورة إحضار هؤلاء المجهولين إما جثثاً أو محروقين أو مشوهين أو مكلبشين! وبعد ذلك قاموا باسعافهم وأثناء هذا أجبروهم على توقيع تعهدات تنازل تقر أن أشخاصاً أخرين هم من قاموا بعملية الحرق وليس رجال أمن المملكة.
وكل الضحايا أقروا بهذه النقطة وأكدوها في تطابق يجعل أكثر من خط أسود على بيان الناطق السعودي الرسمي! وتجعلنا بالتالي نعيد الرواية بشكل يقول بحقيقة ما حدث خصوصاً وان الناطق الرسمي لوزارة الداخلية السعودية قد أكد أن هؤلاء المجهولين من أصحاب القضايا والتي منها جرائم قتل ومثبتة باعترافات لهم. وعليه، يكون من المنطقي هنا أن يصمت هؤلاء مكتفين بالحرائق التي أصابت أجسادهم كعقاب على ما اقترفوه من جرائم لا أن يقوموا بتأجيج المسألة وإثارة الغبار عليهم. هكذا يقول المنطق، هكذا يفعل المجرمون الحقيقيون لكن أن يرفعوا أصوتهم عالياً قائلين بجريمة وحشية تم ارتكابها في حقهم مطالبين بالتحقيق فيها فهذا يجعلنا نعيد النظر في مسألة اعتبارهم مجرد مجرمين ومحترفي سلب ونهب، بحسب رواية الناطق السعودي إياه.

(4)
ومع ذلك ومن خلال بيان الناطق الرسمي نلاحظ أنه لم يقترب مطلقاً من إمكانية فتح تحقيق يبحث في تفاصيل وإشكاليات ما حصل! لم يشر من قريب أو بعيد لامكانية وجود شبهة في الأمر. هو قال ما عنده شارحاً ومفصلاً ومتهماً. وخلاص، لقد تم إغلاق المحضر قبل فتحه وعلى الضحايا حشر أنفسهم في أي حفرة شاؤا من حفر صحراء الربع الخالي!
وكل هذا جاء، كما قلنا، بلغة متعالية منفوشة بغرور فارغ متحامق. لغة بدوية لا تعترف بقوانين أو دستور أو مواثيق. لغة قاطعة لرقاب. لغة مسنونة ومتعفنة تنام باطمئنان على بترولها!
طيب يا أخي، يا أيها الناطق  الرسمي السعودي كان عليك ومن باب احترام قواعد المؤتمرات الصحفية، كان عليك التلويح بمفردات غائمة على سبيل التهوين على الضحايا مثل: وستنظر وزارة الداخلية في الأمر.. ولازالت عناصر المملكة تبحث في الموضوع ولم يتم بعد تحديد هوية المتسببين في المحرقة.. وهذا من باب رفع العتب ومن باب احترام قواسم الدين المشترك لا أقل ولا أكثر! لكن أن يتم الأمر بهذه الصلافة فهو ما لايمكن القبول به أو التماهي معه بأي شكل من الأشكال.
وهو بالتأكيد ما يصب في خانة قتلة ينظرون لأنفسهم، بكونها فوق كل شيء وأي شيء. من أخلاق وقيم وانسانية استقالوا منها ذاهبين إلى الطرف النقيض منها.
ليصبحوا وفي المحصلة ناتج جمع ثروات متعفنة مصدرها براميل وتقول ببراميل على شكل كائنات بشرية متكلسة.

(5)
وفوق كل هذا. هناك ماهو أمّر وأنكى. هناك الموقف الرسمي اليمني من كل ماحصل. من هذه المحرقة التي تسلت بأجساد مواطنين يمنيين!
فحتى الان وعلى الرغم من مرور كل هذه المدة على معرفة تفاصيل المحرقة السعودية لم نسمع أو نقرأ أي تصريح حكومي يؤكد أو حتى ينفي ماحدث.
لا شيء من هذا حصل. وكأن أمر أولئك الضحايا لا يعنيها بتاتاً على الرغم من أن هذه السلطة هي السبب الرئيس الذي دفع بأولئك الضحايا اختيار التسلل إلى أراضي «الشقيقة الكبرى» بحثاً عن رزق وعن خبز عز عليهم في وطنهم. هي السلطة، هنا عندما تستقيل من وظيفة رعاية مواطنيها والدفاع عنهم. هي السلطة التي لم تعد نافعة لشيء. وهي ذاتها السلطة التي تدفع مواطنيها الى التهلكة لتتخذ بعد ذلك موقعاً عالياً منهم كيما تتفرج على ما سوف يكون لهم في غابات المملكة وأحراشها المفتوحة على أوكار وحفر وعشش. هي مكان مناسب دائماً لاشعال نيران محرقة مناسبة, وقودها ضحايا يمنيون واقعين على الدوام بين محرقتين!
محرقة أم، هنا، وأخرى شقيقة هناك!
[email protected]