فيما يخص الدفع المنظور أمام الدستورية بعدم شرعية الجزائية.. رئيس هيئة الدفاع عن الخيواني لـ«لنداء»: لا نرى أية إمكانية قانونية للتقرير برفض الدفع، وإذا ما تم الرفض لأسباب لا تتعلق بالقانون فلا يعنينا ذلك

فيما يخص الدفع المنظور أمام الدستورية بعدم شرعية الجزائية.. رئيس هيئة الدفاع عن الخيواني لـ«لنداء»: لا نرى أية إمكانية قانونية للتقرير برفض الدفع، وإذا ما تم الرفض لأسباب لا تتعلق بالقانون فلا يعنينا ذلك

 

* إن أعمال النيابة الجزائية، وبالتبعية أعمال المحكمة، لم تكن أصلاً معلقة بانتظار تثبيت دستوريتها وما يهم هيئة الدفاع هو جدية عملها وجودته ولا شأن لها بأي اعتبارات أخرى خارج القانون
* نثق بالقضاء.. والدولة حين تلتزم بالدستور والقانون تكتسب سلطة أقوى على مواطنيها
* إن ما تعيَّن أساساً للدفع بعدم الدستورية ليس القول بتعدي رئيس الجمهورية على اختصاصات مجلس القضاء، وإنما هو العوار الناجم عن مخالفة القرار لنصوص مواد الدستور
* الدستور هو القانون الأسمى وأي خرق له هو انتهاك للعقد الإجتماعي الناظم لأسس الدولة والمجتمع.. ولا يبقى للحديث عن سيادة القانون معنى
 
 
دخل الدفع بعدم دستورية قرار إنشاء النيابة الجزائية في محطة الانتظار المرهقة قبل الفصل فيه. حتى الآن يبدو الانتظار أمراً مليئاً بالتوقعات والتمنيات بالنسبة للبعض، ولكنه، أيضاً، لا يبدو سوى بيئة ملائمة لتربية الشكوك والمخاوف بالنسبة للبعض الآخر. إن القضية قانونية حتى الآن، ولكنها مفتوحة، سابقاً ولاحقاً وحالياً، على احتمالات السياسة وتعقيداتها الكثيرة. وهي فعلياً تعتبر الأهم على المستوى القانوني والعام، كونها ستقرر مصير النيابة والمحكمة الجزائية المتخصصة التي اعتبرها كثيرون أداة سياسية نشطة بيد السلطة مما دفعهم للاعتراض عليها بصوت عالٍ. المميز في هذه القضية أن هيئة الدفاع عن الصحفي عبدالكريم الخيواني قامت عبرها بتطوير موقف “هجومي” لم يستسلم لنزق “المقاطعة” السائد تجاه “الجزائية”، ولتعقيدات الانقسام الواضح تجاه التعامل معها. لقد تخففت هيئة الدفاع من أي موقف مسبق من المحكمة وتحيزت لطبيعته المهنية القانونية في المسألة. واعتماداً على ذلك؛ قدمت دفعها بعدم الدستورية بمهارة وثقة لا يتوفر عليها عمل المحامين عادة في اليمن، تلك الثقة والمهارة كان يُمكن إدراكهما أكثر في المرافعات التي قام بها المحاميان نبيل المحمدي، وهايل سلام، عضو ورئيس هيئة الدفاع على التوالي، أمام الدائرة الدستورية، والتي سجلت الهيئة فيها انتصاراً “نظيفاً” على وزارة الشؤون القانونية، ردت فيه “الدستورية” دفع الوزارة خائباً على اعقابه.
لم يستسلم أعضاء هيئة الدفاع لانعدام الحماسة تجاه القضية، وضعف الثقة السائد بالقضاء، أو للوهن الشائع في علاقة المجتمع بالقانون. كما أنهم لم يؤسسوا موقفهم القانوني وهم يستحضرون المخاوف من تدخلات السياسة أو تعطلهم تأويلاتها، فهم يستثمرون كل فرصة متاحة لحماية موكلهم من الافتراس القانوني دون الانخراط في أي نضاليات أو بطولة، وبتأكيد غير معلن من قبلهم على كون جوهر عمل المحاماة هو ضمان العدالة وحماية الحقوق والانتصار للدستور والقانون.
 استتباعاً لذلك يثير هذا الحوار مع المحامي هايل سلام رئيس هيئة الدفاع عن عبد الكريم الخيواني، التي تشكلت علاوة عليه من المحامين نبيل المحمدي ومحمد المداني، قضايا متعددة تنفتح كلها على رأي وتقديرات هيئة الدفاع القانونية لمسار دفعهم بعدم دستورية قرار انشاء “الجزائية” المنظور أمام الدستورية، علاوة على تطرقه لجوانب متنوعة من الجدل الذي أثارته القضية عموماً.
 
 ماجد المذحجي

> في 24 فبراير ستصدر الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا قرارها في الدفع المرفوع من قبلكم بعدم دستورية إنشاء النيابة الجزائية المتخصصة، ماذا تتوقعون إستناداً إلى مسار القضية؟ وهل تشعرون بالقلق كون ما قررتم السير فيه قد يؤدي إلى تثبيت دستورية المحكمة وفق بعض ما يثار؟
– سؤال إفتتاحي جيد. على أية حال تتوقع هيئة الدفاع تقريراً قضائياً بقبول الدفع، لسلامته، مبنىً ومعنى، كما يقال. وإذا كنتم قد قرأتم عريضة الدفع، وبالتأكيد فعلتم، فستلاحظون ، ولا شك، متانة مبناه القائم على ما يحمله من أسباب وأسانيد قانونية ودستورية، مسوغة، وموجبة للقضاء بقبوله، وبعدم دستورية القرار الجمهوري موضوع الدفع. ومسار القضية يعزز هذا التوقع، إذ وفر أسباباً إضافية أكدت معقوليته وعمقت الإحساس بالثقة، حد الإمتلاء، حد الشعور بأننا لم نعد نتوقع، بل ننتظر.
 فقرار محكمة الموضوع، الآمر برفع أوراق الدفع إلى الدائرة الدستورية ووقف إجراءات المحاكمة هو شهادة على صحة الدفع وسلامة مبناه، باعتبار أن مصدر هذا القرار وهو رئيس المحكمة الجزائية المتخصصة ذاتها، الجدير بالتقدير والإحترام، قد أعمل النظر ورأى أن الدفع قائم على أساس من الدستور والقانون وأن لا مناص من التقرير بوقف إجراءات المحاكمة والأمر برفع أوراق الدفع إلى الدائرة الدستورية. ولنقف على أهمية هذا القرار لجهة تأكيد سلامة الدفع، افترض معي، لو أن اختصاص الفصل في الدفع منعقد قانوناً لمحكمة الموضوع ذاتها، جدلاً، وهي هنا المحكمة الجزائية المتخصصة، أفلن تكون قد قضت حتماً بقبوله. ولكن لأن الدائرة الدستورية هي الجهة المختصة، دستورياً وقانونياً، بالفصل فيه كان لزاماً على المحكمة الجزائية وقد نظرته وفق نص الفقرة ( 7 ) من المادة (186) من قانون المرافعات، التقرير برفع أوراقه إلى الدائرة الدستورية لتتولى الفصل فيه طبقاً لنصوص المواد (153) من الدستور، (19) من قانون السلطة القضائية. وبديهي لو أن الدفع لم يقم على أساس لكانت المحكمة الجزائية فد التفتت عنه -ببساطة– وسارت في إجراءات نظر الدعوى هذا من جهة، ومن جهة أخرى لم يرد في كل ما أثير في مقام الرد على الدفع أمام الدائرة الدستورية شيئ من شأنه النيل من صحة ما قام عليه من أسباب وأسانيد، وقد تابعت بنفسك الجلسات.
وبالنسبة للشق الثاني من السؤال لا يساورنا أي قدر من القلق لجهة ما أشرت إليه في سؤالك. لم يكن لدينا موقف مسبق تجاه المحكمة. تقدمنا بطلب إفراج، تابعناه إبتدائياً واستئنافياً، حضرنا العديد من الجلسات، إلى أن انتهت النيابة من تلاوة قرار الإتهام، وما أسمي بقائمة أدلة الإثبات، في مواجهة جميع المتهمين الخمسة عشر. ثم ونحن بصدد دراسة أوراق الدعوى الجزائية المقامة في مواجهة موكلنا الأستاذ/ عبد الكريم الخيواني، وإعداد خطة دفاع، وجدنا فضلاً عن عدم صحة وثبوت واقعة الإتهام نفسها، أن الإتهام القائم تجاهه يقوم على مبنى إجرائي مطلق البطلان. وأن هناك عواراً دستورياً حائقاً بالقرار الجمهوري القائم عليه قرار الإتهام. ولأن العوار الدستوري هذا يمثل مانعاً قانونياً من سماع الدعوى الجزائية المحمولة بقرار الاتهام ويغني عن الخوض في موضوع الدعوى، ولاعتبارات تتعلق بأهمية الشرعية الدستورية وضرورة حمايتها من الخرق والانتهاك، رتبت الهيئة أولويات دفاعها، فارتأت أولاً التمسك بهذا العوار الدستوري كدفاع أصيل في مواجهة قرار الاتهام، ودفعت بالتي هي أحسن، حسب تعبير العزيز سامي غالب. لم يكن لدى الهيئة إذاً قرار مسبق، بل تعاملت مع الأمر على نحو مهني، بتلقائية وتجرد، دون حساب لردة فعل هذا أو تحسب لموقف ذاك. متحرية فقط سلامة المبنى ونزاهة المسعى. ولا تحفل بعد ذلك بما أثير أو قد يثار من أقوال، سيارة وطيارة، لا تقوم على سند من القانون، وليس من شأنها إضعاف قوة الحجة في الدفع، أو النيل من سلامة ما قام عليه من أسباب وأسانيد. وعلى العكس من ذلك، الهيئة شديدة الإهتمام بأي جدل قانوني، جدي ومنتج، قد يثار بشأن الدفع، ولكن شيئاً من ذلك لم يحصل. أما القول بأن الدفع قد يؤدي إلى تثبيت دستورية المحكمة فهو قول غائر المعنى، لا يدرك كنهه.. عبثي، لا يقوم على منطق، ولا يمكن حمله على السلامة. ذلك أنه لا يثار لدواع واعتبارات دستورية وقانونية، كأن يقال مثلاً أن الدفع يمكن أن يرفض لوهن في البرهان أو لقصور في البيان. أو لأن فيه ثمة نقصا أو إعتلالاً، أو لأن شيئاً معيناً فيه بحاجة إلى استدارك أو استطراد وما شابه. مع بيان ذلك. بل يقال لمجرد تقديم الدفع بصرف النظر عن سداد الرأي فيه، وسلامة مبناه عموماً، ما يجعل هذا القول مفتقراً لمنطق القانون وحس العدالة. ولك أن تلاحظ أن الدفع، وفق ما أوضحناه، من شأنه فقط أن يؤدي إلى التقرير بعدم دستورية القرار الجمهوري المنشئ للنيابة الجزائية المتخصصة. وأن أعمال هذه النيابة، وبالتبعية أعمال المحكمة، لم تكن أصلاً معلقة بانتظار تثبيت دستوريتها. ما يهم هيئة الدفاع هو جدية عملها وجودته. ولا شأن لها بأي اعتبارات آخرى خارج القانون. فعلى رأي المتنبي مع بعض التحوير: ” عليَّ نحت القوافي من معادنها وما عليَّ إذا لم يفهم (البشر) “.
> مصدر في هيئة الدفاع سبق أن أشار في تصريح سابق إلى أن القضية ليست شخصية ولا تخضع لمنطق غالب ومغلوب.. كيف يمكن استعادة هذا التصريح في هذه المرحلة من التقاضي؟
– بذات المضمون، يمكن أن يستعاد التصريح بنفس مضمونه، أي بإننا إزاء الدفع بعدم الدستورية لسنا بصدد خصومة بين طرفين بحيث تحتمل “غالب ومغلوبـ”، بل بصدد تكريس الشرعية الدستورية وإعلاء شأن سيادة القانون. وما من غالب أو مغلوب هنا سوى هذه المبادئ وتطلعات الناس نحوها. فإما أن ينتصر الجميع للدستور والقانون فتنتعش بذلك الآمال بإمكانية بناء دولة المؤسسات، دولة النظام والقانون. أو لغيرهما فتخيب الآمال وترتكس الأحلام، ويصاب الناس بالخيبة والإحباط. فكرة التصريح تقوم على اعتبار أن العوار الدستوري الحائق بتشريع ما، وهو هنا القرار الجمهوري المدفوع بعدم دستوريته، هو أمر يهم الدولة بسلطاتها الثلاث، والسلطة القضائية خصوصاً والقضاء الدستوري بوجه أخص، والمجتمع المدني بمنظماته وناسه عموماً. لأن الدستور هو القانون الأسمى الناظم لسلطات الدولة وعلاقاتها ببعضها وعلاقة كل منها بافراد المجتمع. هو أسمى من السلطات، وأي خرق له هو انتهاك للعقد الاجتماعي الناظم لأسس الدولة والمجتمع، ولا يبقى للحديث عن سيادة القانون معنى ما لم يصن الدستور برد هذا الإنتهاك. والجميع معني بذلك. وأن دور هيئة الدفاع اقتصر على مجرد تقديم بلاغ بهذا العوار، كتقرير إلى من يهمه الأمر. تنبيه يعني. والقضاء الدستوري وإن كان هو الجهة المعنية، دستورياً بتلقي هذا البلاغ والتحقق منه والعمل بما يكفل حماية الشرعية الدستورية من أي خرق أو انتهاك. إلا أن الجميع، جهات وأفراداً، معنيون بالأمر. والهيئة وإن دخلت في جدل قانوني بعد تقديم البلاغ/ الدفع، فما ذلك إلا لبيان وجهة نظر.. وليس دفاعاً عن مصلحة شخص أو أشخاص معينين بذواتهم، كما هو الحال في القضايا العادية الأخرى. بهذا المعنى لا غالب ولا مغلوب كأشخاص. تلك هي الفكرة ولا جديد بشأنها.
> تمت مخاصمة المحكمة الجزائية المتخصصة من قبل عدد من المحامين والمنظمات الحقوقية ضمن فكرة عدم الاعتراف بشرعيتها رغم حضور البعض أثناء التحقيقات في النيابة الجزائية المتخصصة، كيف تقيمون هذا الشكل من الاعتراض على المحكمة من واقع تجربتكم في المسألة، وماذا يرتب ذلك على صعيد حقوق المتهمين أمام الجزائية؟
– تقصد، مقاطعة المحكمة. على أية حال، لكل وجهة نظره، وعلينا أن نحترم كل وجهات النظر. ولا نعلم، حقيقةً، منطلقات فكرة المقاطعة وتبريراتها للتعليق عليها. ولكننا نعتقد بأن الدفع الذي أثارته الهيئة وفًر أرضية صالحة للعمل على تحقيق الهدف من فكرة المقاطعة، إن كان لها هدف. أما بشأن حقوق المتهمين فالمقاطعة لا تعفي المحكمة من انتداب محامين للدفاع عنهم، كشرط لعدالة المحاكمات وضماناً لحقوق الدفاع فيها وفق أحكام قانون الإجراءات الجزائية.
ذلك أن المقاطعة موقف فردي صادر عن بعض المحامين، وليس عن نقابة المحامين بحيث يتعذر انتداب محامين للدفاع عن المتهمين أمام المحكمة.
> كيف تقيمون استجابة المنظمات الحقوقية والفعاليات السياسية إزاء هذه القضية؟
– التفاعل والاهتمام على مستوى التداول والنشر الصحفي أكثر من جيد. هناك تضامن واسع مع موكلنا، الأستاذ/ عبد الكريم الخيواني، محلياً ودولياً. وهو الأقدر على رصد وتقييم حجم تفاعل وإستجابة الجهات التي ذكرت. من جهتنا، توقعنا، فيما يخص الدفع بعدم الدستورية، موقفاً إيجابياً داعماً من قبل النقابة، نقابة المحامين، بحده الأدنى بيان مؤازرة. وموقفاً مشابهاً من زملاء المهنة كأفراد. أفرطنا في التفاؤل، إذ يبدو أن الجميع يدخرون جهود الإسناد والمؤازرة وبيانات التأييد، ربما لما هو أهم من الشرعية الدستورية، ولكننا، مع ذلك، لا نلوم أحداً.
> في حال رفض الدفع من قبل الدائرة الدستورية، ما الذي سيترتب على ذلك ليس فقط على مستوى القضية ولكن على المستوى العام، بمعنى: هل تعتقدون في هيئة الدفاع أن هذا الشكل من العمل القانون سيرسي تقاليد جديدة يفتقر إليها بغض النظر عن طبيعة الحكم الذي سيصدر؟
– نؤكد أن هيئة الدفاع تفترض قبول الدفع وتتوقعه وتنتظره، لوجاهة ما قام عليه من أسباب. ولأن كل ما أثير في مقام الرد عليه لا يقوى على النيل منه وفق ما أوضحناه. ولكن قبل افتراض الرفض علينا التفكير بما يمكن أن يبنى عليه قرار الرفض من أسباب، لنقرأ كل ما أثير الجدل بشأنه وننظر، هل هناك ثمة إمكانية لتسبيب قانوني، منطقي وعقلاني، للتقرير بالرفض؟! نحن، الآن، وبعد أن أغلق باب الترافع والجدل، لا نرى أية إمكانية قانونية للتقرير بالرفض. وإذا ما تم الرفض لأسباب لا تتعلق بالقانون فلا يعنينا ذلك.
وبالنسبة لموقف الأستاذ/ عبد الكريم الخيواني، فقد سبق التأكيد في عريضة الدفع ذاتها، على عدم سلامة الإتهام القائم تجاهه، سواء من حيث بطلان المبنى الإجرائي له أو من حيث عدم صحة وثبوت واقعة الإتهام المقول بها. والدفع بعدم الدستورية هذا لا يعني عبد الكريم الخيواني وحده. أما فيما يخص الشق الثاني من السؤال فلا نرى في عمل هيئة الدفاع أي بطولة، وإن بدا للبعض كسباحة عكس التيار. هو عمل مدني، مهني. عادي، تعمله ولا تنتظر أن يحتفى بك. ينطوي على كثير من الدقة، ممكن. قائم على مغالبة للخوف، جائز. يتضمن تجاسراً على الخروج على السائد المألوف، ربما. ولكن في جميع الأحوال ليس من شأنه كمبادرة يتيمة إرساء تقاليد جديدة كما ذكرت. لكي ترسي تقاليد جديدة تحتاج إلى تكرار مثل هذه المبادرات من قبل الجميع والناشطين الحقوقيين خاصة. تحتاج عملاً دؤوباً ومتكرراً، ولكن بأناة ووعي وتبصر، وضمن عملية تراكمية تبدأ ولا تنتهي. ذلك من شأنه أن يؤدي ليس إلى توسيع مساحة اللعب الحر فحسب، بل والى زيادة إحتمالات الكسب، فضلاً عن دفع من بيدهم الأمر إلى احترام الكفاءة وأخذها بعين الاعتبار عند تعيين الأعوان، وهؤلاء على تطوير كفاءاتهم، وهذا بحد ذاته مكسب. التغيير المدني، في الميدان الحقوقي نتكلم، يحتاج إلى وعي وكفاءة أكيدين، ولكن أيضاً إلى دأب وصبر، وسخرية، وأحياناً إلى قدر من الشجاعة. وتكمن أهمية عمل الهيئة المتعلق بالدفع، على تواضعه، في كونه خطوة في هذا الإتجاه. صحيح هو أول طعن بعدم الدستورية، بطريق الدفع، لا الدعوى المبتدأة. ولكن الصحيح أيضاً أن ذلك لا يغير من كونه خطوة في الإتجاه الصحيح، وليس قفزة في المجهول، كما قد يتصور البعض ممن أشرت إليهم في سؤال سابق. فعدم وجود طريق سالك سلفاً، لا يبرر تقاعسنا عن المشي وحث الخطى، إذ المشي يصنع الطريق. والمهم الزاد والبوصلة. وإلا فطريق الألف ميل ينتهي أيضاً بخطوة. وقد أثمرت خطانا حتى الآن، سابقة قضائية من أعلى مرجع قضائي، ونعني بذلك الدائرة الدستورية. حيث قررت إختصاصها بالفصل في الدفوع المتعلقة بعدم دستورية القوانين واللوائح والأنظمة والقرارات. وهو ما يجنب الجميع عناء الخوض في أي سجال بشأن هذه المسألة مستقبلاً، وهذا مكسب بصرف النظر عن الحكم الذي سيصدر.
> على حساسية وأهمية القضية المنظورة أمام الدائرة الدستورية إلا أنها تبدو وكأنها شأن يخص عبد الكريم الخيواني وهيئة الدفاع فقط. إلام تعزون ذلك: اليأس من القضاء أم لغياب الوعي بالتراكم؟!
– إلى الأمرين، والى اليأس بصورة أساسية. ولكن اليأس ليس من القضاء فحسب، بل ومن أي إمكانية للتغيير بوجه عام. اليأس ثمرة الإستبداد، هو الحصاد المر له. الإستبداد كثقافة وليس فقط كسلطة. فلكي يتآلف المرء مع وضعية القهر التي يعيشها يؤلف نفسه على أخذ جرعات متزايدة من اليأس، ويعودها على عدم توقع الكثير من الحياة. ما يولد الشعور باللاجدوى، وفقدان الأمل من أي أمكانية للتغيير. ذلك يؤدي إلى تقبل الشروط المنتجة لليأس، وعدم السعي إلى تغييرها. باختصار، صرنا، ولا أتذكر أين قرأت هذا، كشجيرات الصحراء، تقاوم قسوة المحيط، ولكن ذلك هو كل ما تفعله. إذ يستغرق جهد البقاء كل طاقتها، فلا يبقى لها ورداً ولا ثمراً ولا ظلاً. أملنا بالتغيير يشبه الأمل بربح اليانصيب، لا يقوم على منطق. ما يجعلنا نعيش حالة من انعدام اليقين. اللايقين هو نواة اليأس. ولكي نؤمن باليقين علينا أن نبدأ بتصديق الشك. على المرء أن يشك، ليدرك أنه – كإنسان – طاقة للتغيير، وإن بالتي هي أحسن. ويشحذ إرادته قليلاً، فتشاؤم العقل – حسب غرامشي – لا يكافئه إلا تفاؤل الإرادة. وبقليل من الدأب والصبر، والسخرية أيضاً يستطيع الإنسان عمل شيئً ما. السخرية هنا تعين على تحمل المشقة. تجعل المكابدة أخف وطأة، وتضفي على العمل شيئاً من المتعة. السخرية فاكهة الصبر.
> هناك واقع نشأ في ظل المحكمة الجزائية، وهي رتبت الكثير من الأوضاع القانونية وأصدرت قرارات عديدة. هل ترى أن ذلك سيشكل عنصراً مؤثراً على قرار الدائرة الدستورية فيما يخص دفعكم، وبعبارة أخرى بافتراض صدور القرار بقبول الدفع من قبل الدائرة الدستورية، ماذا سيترتب على ذلك فيما يخص الخيواني علاوة على مصير النيابة والمحكمة إجمالاً؟!
– المفترض طبقاً للأصول القضائية المتعارف عليها، أن يتصدى القضاء الدستوري للفصل في الطعون بعدم الدستورية، المرفوعة إليه، قبولاً أو رفضاً. بمعنى إما أن يقضي بقبول الطعن، دفعاً كان أو دعوى مبتدأة، لابتنائه على أسباب موجبة للتقرير بالقبول، وبالتالي بعدم دستورية التشريع المطعون فيه. أو برفض الطعن لعدم صحة ما قام عليه من أسباب. وبحيث لا يمتد قضاؤه إلى إزالة العوار الدستوري المدفوع به. أو تصويب التشريع محل الطعن. التشريع هنا كلفظة مستغرقة للقوانين واللوائح والأنظمة والقرارات. فالقاعدة، كأصل عام، هي أن الدائرة الدستورية، بوصفها الجهة المنوط بها حماية الشرعية الدستورية معنية بحماية الدستور ورد الاعتبار إليه، دونما نظر إلى ما يكون قد ترتب على مخالفة الدستور من آثار، ودونما اعتبار لما يمكن أن يتخلف عن قرارها ذاته من آثار على أية أوضاع ناشئة عن تلك المخالفة.
 مع ذلك، ومع التأكيد بأننا نناقش فكرة ولسنا في موقع من يشير، نقول مع غياب النصوص القانونية المنظمة لهكذا حالات وأوضاع، لا تثريب على الدائرة إن هي أخذت بعين الاعتبار الواقع الذي أشرت إليه وتعرضت لآثاره في حيثيات قرارها بالقبول. بل وليس هناك ما يمنع الدائرة من اعتبار قرارها هذا قراراً منشأً لا كاشفاً. بمعنى أن تتبع قرارها بعدم دستورية القرار الجمهوري المطعون فيه، التقرير بعدم العمل به من تاريخ صدور قرارها هي، لا من تاريخ صدور القرار المطعون فيه. وبهذا يمكن تجاوز ما يستحيل التعامل معه باعتباره غير واقع، كالأحكام القاضية بالحبس والإعدام. أما بالنسبة للقضايا التي هي قيد التحقيق والمحاكمة فلا مشكلة بشأنها إذ ستعاد أوراقها، رفقة أحدهم، إلى فضيلة النائب العام ليتولى إحالتها إلى النيابات المختصة مكانياً – ونوعياً إذا اقتضى الحال – لتقوم بتحقيقها والتصرف فيها طبقاً للقانون.
> الدائرة الدستورية رفضت مؤخراً دفع وزارة الشؤون القانونية. هل تلمسون في هذا القرار إشارة ما على اتجاه الدائرة فيما يخص الفصل النهائي في القضية في 24 فبراير القادم؟
– القرار الذي تشير إليه قرار فاصل في الدفع، المقابل، المثار من قبل وزارة الشؤون القانونية. وهو الدفع بعدم إختصاص الدائرة الدستورية في الفصل في الدفع الأصلي، المرفوع من قبل الهيئة. بمقولة أن القرار الجمهوري المدفوع بعدم دستوريته من قبلنا قرار إداري.
والمفترض أن يقتصر هذا القرار على بحث مسألة الاختصاص دون التطرق إلى الموضوع. فالأصل أن على المحكمة – أية محكمة – وهي بصدد بحث أية مسألة أولية، كالإختصاص مثلاً، ألا تفصح عن أي شيءً من شأنه الإنباء عن عقيدتها أو الكشف عن اتجاه قناعتها بالنسبة للموضوع. وهذا هو الحاصل في القرار الذي أشرت إليه.
ولا ينبغي أن تتوقع أصلاً أن تجد في القرار المذكور، الفاصل في الإختصاص، وهو مسألة أولية كما أسلفنا. إشارة ما، إلى ما وصفته باتجاه الدائرة فيما يخص الفصل النهائي في القضية. فأنت هنا أمام الدائرة الدستورية، أعلى مرجع قضائي في البلد. ولست أمام أية محكمة أخرى، إبتدائية مثلاً، حيث إحتمال وقوع خطأ من هذا النوع أكثر وروداً.
> أنا أقصد ما ورد في القرار، وأسمح لي أن أقرأ بالنص: “من القواعد المستقرة في القضاء الدستوري اعتماد قرينة الدستورية لصالح التشريع الطعين، فالأصل أن التشريعات تصدر مقترنة بقرينة الدستورية وعلى من يدعي خلاف ذلك إقامة الدليل على دفعه أو دعواه بإثبات العكس. ويلزم إعتبار كل قرينة ممكنة مسخرة لصالح التشريع محل الطعن، ما لم تنقض هذه القرينة بإقامة دليل قطعي يذهب كل شك معقول يشهد بدستوريته. كما أنه يفترض ألا يقضي بعدم الدستورية إلا إذا كان العوار الدستوري واضحاً لا يرافقه شك معقول. والأصل أن لا يخرج عن قرينة الدستورية إلا إذا كان التعارض بين الدستور والتشريع الطعين واضحاً وبيناً وصريحاً بحيث يستحيل التوفيق بينهما”. واتجه بسؤالي إلى هذا بالتحديد ما تعليقك؟
– ما ورد في النص، كلام تأصيلي عام، لا يتعلق بالدفع المنظور أمام عدالة الدائرة الدستورية الموقرة. ولا نرى فيه ما ينبىء عن قناعتها أو يفصح عن عقيدتها بالنسبة لموضوع ذلك الدفع تحديداً. وعدا هذا ليس لدينا أي تعليق عليه. ولكن ككلام تأصيلي عام لا يتعلق بالنص المذكور، حصراً. نود التوضيح بأن الطعن بعدم الدستورية يقوم على جدل قانوني محض. العوار الدستوري مسألة قانون لا يخالطها واقع. الواقع يرد عليه الإثبات، أما العوار الدستوري فلا يرد عليه إلا التنبيه. أي يكفي أن ينبه الطاعن القضاء الدستوري بأن ثمة عوار دستوري، يحيق بتشريع ما. ويتعين دستورياً وقانونياً على ذلك القضاء إعمال النظر في الطعن، والتحقق من العوار المدعى/ المدفوع به، بقراءة نص التشريع المطعون فيه في ضوء النص الدستوري الذي خولف. والوقوف على مواطن العوار بالنظر والتحليل، لا أكثر ولا أقل.
وللتوضيح أكثر يقول محي الدين بن عربي: “برهان حلاوة العسل هو العسل نفسه”، وبالقياس على ذلك، وعقلنا العربي لا يفهم – حسب محمد عابد الجابري– إلا بالقياس على مثال سبق، نقول “برهان عدم الدستورية هو العوار الدستوري ذاته”. حلاوة العسل تثبت باستعمال حاسة التذوق وليس بمحرر رسمي. والعوار الدستوري يثبت بإعمال العقل وليس بشهادة الشهود. ولو جئت بسبعة شهود، خبراء عدول، خمسة عن القارات الخمس الكبرى واثنين عن الجزر، لما أمكنك إثبات أن تشريع ما غير دستوري. لنفكر فقط وفق منطق الأمور وطبائع الأشياء. هذا ليس صعب الفهم، لا يجدي الإثبات فيما يقتضي الإدراك.
 ولأن التشريع لفظة مستغرقة للقوانين واللوائح والأنظمة والقرارات فعلينا أن نفرق، للقول بالتوفيق بين التشريع المطعون فيه والدستور. بين حالتي ما إذا كان هذا التشريع نصاً قانونياً أو قراراً. ففي الحالة الأولى يمكن النظر إلى إمكانية التوفيق فيما بين القانون والدستور. في حين ليس الأمر كذلك بالنسبة للقرار. خصوصاً إذا كان هذا القرار قد جاء بالمخالفة لنص دستوري واضح وكان من شأنه تعطيل نصوص قانونية نافذة. إذ ليس هناك من إمكان للنظر في مدى إمكانية التوفيق بين هذا القرار والنص الدستوري المخالف، خصوصاً إذا كانت النصوص التي عطلت بموجب هذا القرار، نصوصاً قانونية، بمعنى أن التوفيق، على فرض إمكانية القيام به جدلاً، لن يكون من شأنه، في هذه الحالة، رفع التعطيل الحاصل للنصوص القانونية تلك. وكمثال على ذلك، نجد أن القرار الجمهوري المدفوع بعدم دستوريته من قبلنا يمثل تعطيلاً لنصوص المواد ( 115 )، ( 234 ) من قانون الإجراءات الجزائية النافذ. فضلاً عن صدوره عن جهة غير مختصة دستورياً بإصداره. وإذا ما افترضنا لأغراض الجدل، إمكانية القول بأن هناك إختصاصاً دستورياً لإصداره، قصد التوفيق والملائمة، وليس الأمر كذلك في الحقيقة قطعاً. فإن هذا التوفيق، كإمكان مفترض، لن يزيل ذلك التعطيل، بل ستظل النصوص القانونية المذكورة، نصوصاً معطلة في ظل استمرار هذا القرار متمتعاً بحجيته. علماً بأن التعطيل الناجم عن هذا القرار يتمثل في كون أنه يقرر ما يمثل تخصيصاً لعموم النصوص المذكورة تلك. بحيث يعطل هذا العموم. والمعلوم قانوناً، أن تخصيص النص العام لا يكون إلا بمقتضى نص مماثل للنص العام الجاري تخصيصه. ولأن النصوص المذكورة هي نصوص قانونية فإن تخصيص عمومها يجب أن يكون بنص قانوني. ولكل ذلك يستحيل التوفيق بين الدستور وهذا القرار.
> لماذا دفعت الوزارة بعدم اختصاص الدائرة الدستورية في نظر الدفع المقدم من قبلكم، ولم تذهب باتجاه استئناف قرار قاضي الموضوع في المحكمة الجزائية لدى محكمة الإستئناف؟
– هذا الأمر صار وراءنا، ولكن ما دمت قد سألت فلنوضح أنها ربما لم تعلن بالقرار إلا بعد رفع الأوراق إلى الدائرة الدستورية، ومن قبل هذه الدائرة نفسها. ويمكن أن يكون إعلانها بذلك القرار وبالدفع المرفوع من قبلنا قد تضمن إلزامها بالرد على الدفع. والدفع بعدم اختصاص الدائرة كان، على أية حال، إجراءً عديم الطائل. ذلك أن اختصاص الدائرة الدستورية بالفصل في الطعون التي ترفع إليها بعدم دستورية القوانين واللوائح والأنظمة والقرارات التي ترفع إليها إما عن طريق الدعوى المبتدأة أو الدفع، مقرر بموجب نص المادة (153) من الدستور، وجرى التأكيد عليه بنص المادتين (12)، (19) من قانون السلطة القضائية. والوزارة نفسها، تقر بهذا في مذكرة دفعها وردها على الدفع، ولا تنكره. غير أن مذكرتها تلك ذهبت بغرض التخلص من الدفع، وبقدر كبير من التشوش والإرباك، إلى تفسير لفظة القانون الواردة بنص الفقرة (7) من المادة ( 186 ) من قانون المرافعات، تفسيراً ضيقاً بما يتفق وهذا الغرض، معتبرة أن ما يمكن الطعن بعدم دستوريته عن طريق الدفع هو فقط القانون بمعناه الحصري، أي النص التشريعي الصادر عن السلطة التشريعية. أما اللوائح والأنظمة والقرارات فلا تقبل الطعن، بعدم الدستورية، حسبها، إلا عن طريق الدعوى المبتدأة. والظاهر، وفقاً لمدونات تلك المذكرة نفسها. أنها أرادت أن تدفع بعدم قبول الدفع بعدم الدستورية لعدم صحة اتصاله بولاية الدائرة الدستورية. وبسبب تشوش الرؤية دفعت بعدم الإختصاص.
> الوزارة قدمت حافظة مستندات مرفقة بدفعها للرد على الدفع المقدم من قبلكم وتردد ضمناً أن ما قدمته في الحافظة يعزز الدفع الخاص بكم ولا يضعفه، هل هذا صحيح؟
– أرجو أن تعفيني من الإجابة عن هذا السؤال. وبإمكانك إعادة قراءة تلك الحافظة وقرار الدائرة الدستورية لتعرف الحاصل بالضبط.
> الوزارة في دفعها بالموضوع أشارت إلى كون الجزائية محكمة اختصاص نوعي لتبرير استغراق إختصاص الجزائية المكاني على عموم الجمهورية. إلى أي مدى ذلك صحيح؟
– هي قالت إن الإختصاص النوعي ما هو إلا انتزاع لبعض الإختصاصات من المحاكم العادية ذات الولاية العامة، واقتصار اختصاص المحكمة النوعية على نوع القضايا المحددة في قرار إنشائها، بغض النظر عن دائرة اختصاصها المكاني. جاء هذا رداً على الوجه الثاني من العوار الدستوري المدفوع به، والمتمثل بدوره بوجهين، تمثل الأول في كون أن القرار الجمهوري المنشىء للنيابة الجزائية المتخصصة – موضوع الدفع – جاء معطلاً للأحكام القانونية الجاري تقريرها في المادتين (115) ، (234) من قانون الإجراءات الجزائية، من حيث أن المشرع، بمقتضى هذين النصين، حدد نطاق الإختصاص المكاني لأعضاء النيابة العامة بالمكان الذي وقعت فيه الجريمة أو الذي يقيم فيه المتهم أو الذي قبض عليه فيه. في حين أن القرار الجمهوري المدفوع بعدم دستوريته يقرر لأعضاء النيابة الجزائية المتخصصة، إختصاصاً مكانياً مطلقاً، مستغرقاً لكامل أقليم الجمهورية، وفي ذلك إهدار للمعايير القانونية الثلاثة المحددة بالنصين المذكورين، وبالتالي تعطيلاً لهما. ويتمثل الثاني فيما قرره القرار الجمهوري ذاته، من انتزاع للوقائع الجرمية المحددة به من الاختصاص النوعي المقرر قانوناً للمحاكم الإبتدائية ذات الولاية العامة، ويما يمثل تعطيلاً للمقرر التشريعي الوارد في المادة (231) إجراءات ونصه “تختص المحاكم الإبتدائية بالفصل في جميع الجرائم التي تقع في دائرة إختصاصها المحلي”. ما يجعل القرار الجمهوري هذا، في الحالتين مخالفاً لنص المادة (120) من الدستور الذي يشترط لتحقق السلامة الدستورية للقرار الجمهوري، عدم تعطيله للأحكام القانونية النافذة. والوزارة في هذه الجزئية التي أشرت إليها خلطت بين الأمرين: الاختصاص النوعي والاختصاص المكاني، بغير إدراك أو تبصر، لتنتهي سريعاً إلى القول إن ذلك لا علاقة له بالعوار الدستوري أو الدعوى الدستورية، إذ يستوجب، حد زعمها، على الطاعنين توجيه دعواهم بعدم المشروعية أمام المحاكم العادية، دعوى إلغاء قرار إدراي. فلكي تهرب من الرد على الوجه الثاني من العوار الدستوري المدفوع به هذا؛ لجأت إلى القول بإدارية القرار ولابأس إن هي أقرت بعدم مشروعيته بدلاً من الإقرار بعدم دستوريته. فمن مشنقة إلى مشنقة فرج، كما يقال.
هذا مع العلم أن الجدل لا يتمحور حول ما إذا كان الإختصاص النوعي لمحكمة ما يمثل انتزاعاً لبعض اختصاصات المحاكم العادية ذات الولاية العامة أم لا. ولا حول الإختصاص النوعي في علاقته بالإختصاص المكاني. بل حول الجهة التي يحق لها دستورياً تقرير مثل هذا الإنتزاع. أي حول الجهة المختصة دستورياً بإنشاء النيابة أو المحكمة لا فرق، وتحديد نطاق اختصاصها النوعي والمكاني. فإذا كان الدستور في المادة (149) يقرر بأن النيابة العامة هي هيئة من هيئات السلطة القضائية. ما يجعلها مشمولة بما جاء في المادة (150) دستور، من تقرير بأن إنشاء وترتيب الجهات القضائية وتحديد إختصاصاتها يتم بمقتضى قانون صادر عن السلطة التشريعية المختصة دستورياً بالتشريع. فإن القرار الجمهوري المدفوع بعدم دستوريته، وقد تصدى لإنشاء النيابة الجزائية المتخصصة، وتحديد نطاق قانوني لإختصاصها نوعياً ومكانياً. يكون قد جاء مخالفاً لمواد الدستور هذه. وهذا ما بينته عريضة الدفع كوجه أول من العوار الدستوري المدفوع به.
> أشارت الوزارة إلى أن الرئيس أصدر القرار الجمهوري الخاص بإنشاء النيابة الجزائية المتخصصة بصفته رئيس مجلس القضاء الأعلى، وليس رئيساً للجهورية، هل يمكن أن تتعامل الدائرة الدستورية مع هذا الأمر بإعتباره جانباً فنياً فقط يمكن تجاوزه، وتهمل الجانب المحدد والواضح في المسألة، والذي يقول بعدم توفر الرئيس على أية صلاحية في هذا الشأن الذي يستوجب صدور قانون وفق النص الدستوري ليحوز على شرعية؟
– كيف ستتعامل الدائرة الدستورية مع ما أشرت إليه، هذه مسألة تخصها. ولا يحق لنا التدخل فيها. علينا احترام القضاء وتبجيله أياً كانت الأحوال وظروف الزمان والمكان. أما بشأن ما قالت به الوزارة فلا بأس من الإيضاح بأن مذكرة الوزارة بالرد على الدفع لا تجادل في أن الصلاحية الدستورية لإنشاء وترتيب الجهات القضائية وتحديد اختصاصاتها، منوطة بالسلطة التشريعية، أي بالقانون، طبقاً لنص المادة ( 150 ) من الدستور، الذي أوردته كاملاً. بل وعلقت عليه بالقول بأن ( الواضح من النص الدستوري السابق الذكر أن الدستور قد أناط بالسلطة التشريعية تنفيذ القاعدة الدستورية السالفة الذكر ). ولكنها تذهب إلى القول بأن القانون أناط ذلك بمجلس القضاء الأعلى، بنصه في المادة ( 8/ ب ) من قانون السلطة القضائية على ما نصه ” يجوز بقرار من مجلس القضاء الأعلى بناءً على اقتراح من وزير العدل إنشاء محاكم قضائية إبتدائية متخصصة في المحافظات متى دعت الحاجة إلى ذلك وفقاً للقوانين النافذة”، وبأن مجلس القضاء قد وافق على إنشاء محكمة جزائية وحدد اختصاصاتها، وبأن القرار الجمهوري المدفوع بعدم دستوريته ليس قراراً مستقلاً بل إجراء كاشفاً – حسب قولها – يعبر عن موافقة مجلس القضاء إستناداً إلى القانون.
والامر هنا ليس فيه أي جانب فني، نحن بصدد جانب دستوري وقانوني فحسب. ولا وجاهة لما قالت به الوزارة في هذا الخصوص. ذلك أن ما تعين أساساً للدفع بعدم الدستورية ليس القول بتعدي رئيس الجمهورية على اختصاصات مجلس القضاء. وإنما هو العوار الناجم عن مخالفة القرار لنصوص المواد 119، 120، 150 من الدستور. وبالتالي فإن موافقة مجلس القضاء ليس من شأنها إزالة هذه المخالفة. وللتوضيح أكثر نقول: إذا كان نص المادة ( 119 ) من الدستور لا يخول رئيس الجمهورية صلاحية إنشاء نيابة أو محكمة، فليس من شأن موافقة مجلس القضاء منحه إختصاصاً لا يقرره الدستور. وإذا كان نص المادة ( 120 ) من الدستور يشترط لتحقق سلامة القرار الجمهوري عدم تعطيله لإحكام قانونية نافذة، وكان القرار المدفوع بعدم دستوريته قد عطل الأحكام القانونية المقرره بنصوص المواد ( 115، 231، 234 ) إجراءات جزائية، فليس من شأن موافقة مجلس القضاء تسويغ هذا التعطيل. هذا فضلاً عن أن النص في المادة 150 دستور، يقرر أن إنشاء الجهات القضائية ومنها النيابة لا يكون إلا بقانون. وهذا يحسم المسألة ويعدم أي إمكانية للجدل بشأنها. وما من جانب فني هنا يمكن القول به. الجانب الفني هو الجانب القانوني ذاته والعكس صحيح. والطريف أن الوزارة تقر بتوافر العوار الدستوري ولكنها ترى أن هذا العوار يحيق بنص المادة (8/ ب) من قانون السلطة القضائية، إذ جاء في مذكرتها ما نصه: “أن الطعن على قرار إداري لمخالفته لنصوص دستورية مباشرة بدون الطعن في النصوص القانونية المستند إليه هذا القرار أمر يتعارض مع أحكام وإجراءات رفع الدعوى بعدم الدستورية ولا ينتج أثره في المجتمع إلا بإزالة المخالفة الدستورية المتمثلة في نص القانون النافذ الذي لم يطعن فيه وبذلك فلا قيمة لإلغاء القرار الإداري أو الحكم بعدم دستوريته مع الإبقاء على النص القانوني الذي صدر القرار بموجبه”.
وبصرف النظر عن صحة القول بإدارية القرار من عدمه، إلا أن ما يقتضي الإيضاح في هذا المقام هو أن قولها هذا يمثل تنبيهاً بعدم دستورية القانون المذكور. والمعلوم أن الدفع بعدم الدستورية من الدفوع المتعلقة بالنظام العام التي يتعين على المحكمة وفق نص المادة (185/ مرافعات) أن تقضي فيها من تلقاء نفسها دون طلب، وحسناً فعلت الوزارة إذ أثارت ذلك أمام الدائرة الدستورية بالذات.
> وماذا لو تم الأخذ بقول الوزارة بأن القرار إداري. هل يغير ذلك من شيء أو هل يرتب نتائج أخرى غير التي تقولون بها؟
– لا. الجدل في هذه النقطة غير منتج إطلاقاً. الاشكال ليس في صفة القرار إداري، غير إداري. بل في الجهة الصادر عنها والنص الذي خولف. بمعنى هل هذه الجهة قانونية أم دستورية المنشأ. وهل النص الذي خولف قانوني أم دستوري. هذا فقط يمكن أن يرتب نتائج قانونية. فمخالفة القرار لنص دستوري تخضعه لرقابة القضاء الدستوري ويطعن فيه بعدم الدستورية. ومخالفته لنص قانوني تخضعه لرقابة القضاء العادي ويطعن فيه بعدم المشروعية. وهكذا الحال بالنسبة للجهة الصادر عنها القرار، فالمعلوم أن الجهة – أية جهة – تستمد صلاحياتها وإختصاصاتها من سند إنشائها. فإذا ما كانت دستورية المنشأ خضعت قراراتها لرقابة القضاء الدستوري. وإذا ما كانت قانونية المنشأ خضعت قراراتها لرقابة القضاء العادي. ولكن في حين يمكن تصور إمكانية مخالفة قرار صادر عن جهة قانونية المنشأ للدستور، وبالتالي إمكانية الطعن في قرارها هذا بعدم الدستورية. إلا أن الأمر ليس كذلك بالنسبة لجهة دستورية المنشأ. ذلك أن مخالفة قرار هذه الجهة للقانون هي في آن مخالفة للدستور. ولا يمكن أن يكون قرارها موافقاً للقانون ومخالفاً للدستور في آن إلا إذا كان القرار والقانون غير دستوريين. وهذا ما قالت به الوزارة، إذ حاولت إخفاء عوار القرار المدفوع بعدم دستوريته بعوار القانون، دون إدراك ما يترتب على قولها هذا من خطورة. فمع أن التذرع بالقانون والتستر به، غير صحيح كما أوضحنا في إجابات سابقة إلا أن العوار الحائق بالقانون، حتى مع إفتراض صحة ما تقول به الوزارة في خصوصه جدلاً. لا يزيل العوار الحائق بالقرار ولا يبرأه من عيب مخالفة الدستور.
> أثير لغط واسع حول أن المحكمة إستثنائية. واللافت أن دفعكم لم يثر هذه النقطة وركز على مضامين قانونية بحته مثل مسألة الإختصاص المكاني وعدم صلاحية إصدار قرار إنشائها من قبل الرئيس وتعارض قرار الإنشاء مع نصوص دستورية قانونية نافذة، كيف تفسرون هذه النقطة؟
– أوضحت في إجابة سابقة أنه لم يكن لدينا موقفاً مسبقاً تجاه النيابة والمحكمة الجزائية. البعض يعتبر أن المحكمة إستثنائية ويقاطعها على هذا الأساس. وإستثنائية بالمعنى المتخيل أو المترسب في الذاكرة، الذي يحيل ذهنياً إلى ما كان يعرف بمحاكم أمن الدولة التي كانت قائمة في عهود سابقة، وخاصة إبان قيام الثورات والإنقلابات العسكرية، وفي ظل بعض الإنظمة الديكتاتورية قديماً وحديثاً. نحن لا نرى أن المحكمة إستثنائية بهذا المعنى. ذلك أن قضاتها معينون من قبل السلطة المختصة بالتعيين وهي مجلس القضاء، ووفق أحكام قانون السلطة القضائية. وتتم المحاكمات أمامها وفقاً لأحكام القوانين، الإجرائية والموضوعية، النافذة في البلد، وتخضع الأحكام الصادرة عنها لذات نظام الطعن في الأحكام، المقرر بموجب هذه القوانين، والمتبع في النظام القضائي القائم عموماً. ولا نرى أن هناك ما يعيبها إذا نشأت بموجب قانون طبقاً لنص المادة ( 150 ) من الدستور.
> هل تعتقدون أن المعطيات المتوفرة لدى الدائرة الدستورية كافية لإصدار قرار ينتصر للدستور والقوانين؟
– نعم ولم لا. نثق بالقضاء. وعلينا أن نثق به على الدوام. وعلى رأسه الدائرة الدستورية الموقرة. علينا أن ندرك أن الدولة حين تلتزم بالدستور والقانون تكتسب سلطة أقوى على مواطنيها، وتضمن إحترامهم، بالمقابل، لقوانينها. ومن جانب آخر، وحتى إذا ما أخذنا ما لدى البعض من هواجس بشأن تأثير السلطة والسياسة على القضاء، بعين الإعتبار. فلا نرى مبرراً للتخوف إزاء ما نحن بصدده. لننظر إلى الجانب الإيجابي من الأمر. أو بالاحرى لنفكر بإيجابية وننظر ما الضرر الذي يمكن أن يترتب إذا ما قضى بقبول الدفع؟ لا أضرار، بل على العكس، ستظهر الدولة إحترامها للقانون وستنال بذلك إحترامها لنفسها وإحترام الآخرين لها في الداخل والخارج. وليس هناك ما يمنعها من إنشاء نيابات ومحاكم، جزائية متخصصة، بالعدد الذي تريد بموجب قانون وفق أحكام الدستور. أين المشكلة في ذلك؟ لماذا نرتاب ونتوجس؟ نحن لا نعاني من ذلك. ولا مشكلة لدينا أياً كان الحكم الذي سيصدر.