نافذة.. في مديح العطالة – منصور هائل

نافذة.. في مديح العطالة – منصور هائل

عشية انطلاقه إلى اسبانيا صرح رئيس الجمهورية أنه سيكرس جهوده لممارسة الضغوط على أوروبا كيما تمارس، هي الأخرى، ضغوطها على إسرائيل لترفع الحصار عن الشعب الفلسطيني في غزة والأراضي المحتلة.
ورغم انشغال فخامته بقضية العرب الكبرى إلا أنه حرص على تهدئه خواطر أبناء شعبه، وأعلن أن موجة الغلاء لن تمتد إلى أكثر من ستة أشهر، وسوف تلفظ أنفاسها في يوليو القادم، وبعدها سترجع الأمور إلى سابق عهدها.
وكأي مستمع فطن وجدتني أحسب المسألة في ضوء الإجهاز على الغلاء منتصف العام، والقضاء على البطالة والفقر في البلاد مع أواخر العام، تنفيذا لبرنامج الرئيس الانتخابي الذي تقوم على تنفيذه كوكبة من الخبراء المهرة في التقاط كل شاردة وواردة.
وطربت لاكتشافي معجزة نفاذ اليمن من عنق زجاجة المحن إلى رياض البحبوحة بإنسيابية ناعمة قيض لها أن تتحرك بهدوء رومانسي مع يوليو لتنطلق مع مطلع 2009، بسرعتها الصاروخية، وذلك ما يمكن أن تعنيه «يمن بلا غلاء ولا بطالة ولا فقر».
وهجست بخاطر عجزي عن المزاوجة بين مطارحة القضايا الكبرى وتفاصيل العيش والمعيش، وكيف أني لم انشغل بالكتابة عن غلاء الاسعار وفساد الغذاء والدواء وألعاب الأطفال الصينية الضارة بموادها الملونة على الأطفال -اعترفت الجهات الصينية بذلك- والصناعة الغذائية الملوثة، المغشوشة، وغير الخاضعة لمواصفات الجودة التي لا تلتزم بها البيوتات التجارية الكبيرة والشهيرة في الداخل، وفيما اذا كان المستهدف بها هوالمستهلك المحلي، بينما تعمل الف حساب وحساب إذا ما كانت الأسواق الخارجية هي المستهدفة بمنتجاتها.
والأنكا أني أرجأت الكتابة غير مرة، عن بقالة تعود ملكيتها لمجموعة تجارية كبيرة، ولا يعبأ المشرف عليها باحتجاج المشتري المصدوم بسلع استنفدت صلاحيتها، أو شارفت على الانتهاء؛ ما يسيئ إلى ذلك البيت التجاري، ويلحق بالغ الضرر بالمستهلكين.
واعترفت أنه ليس بمقدوري إصابة القضية الكبرى والتفاصيل الصغرى بضربة واحدة؛ فليس بميسور كل إنسان امتلاك تلك المقدرة الخارقة، فما بالكم إذا كان من أولئك الذين أزهقوا جل اعمارهم في مديح العطالة، واستغرقتهم كتابة المراوحة في السياسة والقضايا الكبرى وشؤون الايديولوجيا وحقوق الانسان وكبت الحرية.
والحال أنه العضال الذي شل قدرتنا على تطوير مواقف تنطلق من حساسية اخلاقية تجاه اليومي وتفاصيله من استهلاك وبيئة وتجارة وتعليم وصحة وغيره.
وهو عضال حال دون المبادرات الجماعية والفردية الخدمية للمجتمع، وأعطب الخيال الفكري والسياسي المستشرف للتوقعات السوداء ومنها ما يشير إلى تفاقم أزمة الغذاء وتثير مخاوف الدول الراسخة بما تملك من مخزون احتياطي ومن تدابير حمائية للسكان. ولا مجال لمقارنة اليمن بتلك الدول هي لا تملك ما يفي بحاجتها من الطعام لبضعة أيام وليس أشهر.
وهكذا أصبحت البلاد تترنح في دوختها بين نخب معارضة لم يترسخ لديها تقليد الاهتمام بالأوضاع الانسانية والأخلاقية، وحزب حاكم يختزل برئيس يتطح لمقارعة اسرائيل، وينافح عن غزة، ويكافح غلاء الأسعار ويتألق في الاخفاق -فالكمال لله وحده- على النحو الذي يتأكد فيه الاخفاق كعلامة يتوحد بها «الجميع» في لحظة حرجة تضعهم في أتون المحرقة وتجعل من المرور بهذا العام مهمة مستحيلة في ظل غياب القدرة على اجتراح الحياة والاقتراب من فضاءات الأنسنة، والتفاصيل التشكيلية للمعيش.
[email protected]