الوجه الحقيقي – محسن العمودي

الوجه الحقيقي – محسن العمودي

تابع معظمنا الحفل الذي أقامته جامعتا حضرموت والاحقاف في مقر الأولى، بمناسبة الذكرى السادسة عشرة للعيد الوطني، وتخرج مجموعة من الطلاب والطالبات، وبحضور فخامة رئيس الجمهورية وعدد من كبار المسؤولين ومجموعة من رجال المال والأعمال، ورأينا برامج الحفل واستمعنا إلى كلمات الجامعتين، والاهم رأينا الفارق بين جامعة وأخرى وعقلية وأخرى.
سمعنا “رئيس جامعة” يتحدث بلغة ركيكة وأسلوب خطابي دعائي ممتلئ بنبرات التملق والنفاق الممجوج، حتى أن المرء ليتساءل: هل الكلمات صادرة عن أكاديمي؟ أم مقاول أو رئيس قسم المشاريع بالجامعة أو موظف بوزارة الأشغال والطرقات؟ واستعمنا لقصيدة عصماء من احد كوادر الجامعة وأساتذتها، يصعب تسميتها شعرا أم نثرا أم شعيرا، فالمهم لديه القافية والسجع وإبداء لكل بوادر الولاء والطاعة العمياء وتسويق مبتذل للنفس والشخص، مأساة ألا يحترم الإنسان آدميته أو على الأقل درجته العلمية، وكلمة خريج تكالبت عليه الخطوب وإدارة جامعته فوضعته في موقف لا يحسد عليه، من دعوات انتخابية مبكرة واستجداء لفخامته أن يعود عن قرار عدم الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة، حتى إنني استرجعت إجابة رئيس عربي عندما سئل عن سبب عدم تعيينه لنائب له، فأجاب بكل بلادة واستخفاف بأنه لم يجد الرجل المناسب لشغر المنصب من بين أبناء شعبه.
أشباه الرجال أضاعوا ثروات الوطن والأمة، ودمروا إنسانها وبددوا مستقبل أجيالها. سار الحفل وامتد والكل في حالة قرف وامتعاض وترقب لساعة الخلاص، حتى أن الناظر إلى وجه الرئيس لاحظ الاستياء والتذمر، فمن زج بطفولة بريئة لإلقاء أنشودة لم تكن الكلمات ولا الطفولة مهيأة أو مستوعبة لها، إلا انه تكريس للكولسة وشغل الفهلوة والترويج للإسفاف وتكريسه، والتصفيق بداع أو بدون طالما ذكر اسم فخامته.
إلى هنا وكل شيء يدعو لليأس والإحباط، إلى أن جاءت كلمات لم يعتدها بل لم يتوقعها الحاضرون في مثل هذه المناسبات المرتبة والمعدة سلفا، أخرجت الحفل من رتابته وأيقظت العقول ودعتها للتنبه. تحدث الأستاذ، عبدالله باهارون، ممثلا لجامعة الاحقاف، بلغة راقية،وطرح واقعي متزن، ومتمكن من قواعد اللغة ومخارج ألفاظها التي رمى بها السابقون عرض الحائط، مخاطبا الكل وفي المقدمة منهم فخامته، فوضع النقاط على الحروف وأثلج الصدور، وقام تلميذه وخريج جامعته، شاب يسر الناظرين إليه، ثقة واعتداد بالنفس، ولغة لا تقل جمالية عن لغة أستاذه، فالمدرسة متميزة، والأستاذ البارع والواثق يسعى إلى أن يكون طلابه خيرا منه، فالمشروع كبير وعظيم ولابد أن تتوارث حمله الأجيال وتتحمل أداء الأمانة.
كما قلت في مقال سابق بعنوان “جامعة حضرموت” بأن الأقدار كانت ولا تزال رؤوفة بنا وبأبنائنا بوجود جامعة بحجم “الاحقاف” ورجالها. وعلى فخامته أن يدرك أن آليته الحالية بكل أشكالها وأنواعها لم تعد صالحة لبناء وطن، وان ترشحه لدورة ثانية من عدمه لم يعد شغل الناس ولا محل اهتمامهم، بقدر ما أن من كانوا ولا يزالون محل ثقته، وأدواته التي تترجم آماله وطموحاته وتوجهاته، إن كانت لا تزال لديه تلك الآمال والطموحات لشعبه وأمته، أو حتى لتاريخه الشخصي الطويل ولتضحياته، لم تعد محل ثقة ولا كفاءة ولا أمانة ولا مقدرة أو اقتدار، وهو يدرك جيدا انه لولا تواجده في “المكلا” قبيل وأثناء زيارة ولي العهد السعودي، وتدخله شخصيا في بعض الأمور الجوهرية، التي كان البعض في حضرموت يعد ويهيئ لها لكانت النتائج مأساوية، لا تليق بحضرموت خاصة واليمن واليمانيين عامة، ويبقى لنا نحن أبناء محافظة حضرموت اليمنية أن نحمده عز وجل أن ترفق بنا ورحمنا، واستطاع بعض الشرفاء من أبنائنا ممن نفخر بهم أن يعطوا الانطباع الطيب والوجه الحقيقي لنا ولتاريخ أبائنا وأجدادنا، وسوف تبقى “الاحقاف” الأرض والإنسان والجامعة، خصبة ولادة، وإن حاول السفهاء تهميشها أو إظهارها بغير وجهها الحقيقي، فالحقيقة تبقى مثل الشمس، لا تستطيع أي جهة مهما كانت سطوتها أن تحجب ضوءها أو قوة وهج سطوعها، وآخر دعوانا: اللهم لا نسألك رد القضاء ولكنا نسألك اللطف فيه.
————————-
[email protected]