رأي آخر في رواية “حب ليس إلا…” لناديه الكوكباني- جراح الجراح

رأي آخر في رواية “حب ليس إلا…” لناديه الكوكباني- جراح الجراح

بالصدفة البحتة وقعت في يدي رواية الكاتبة العربية ناديه الكوكباني “حب ليس إلا…”، إذ أهدانيها صديق التقيت به صدفة “خير من آلف ميعاد” كما قال حينها. فما إن بدأت بتصفح الرواية بعد أن افترقنا، حتى وجدت نفسي أسيرا لصورها، غير قادرٍ على تركها دون إكمالها، فكنت أقرأ منها في الحافلة والقطار وفيما بينهما في أوقات الانتظار. حتى أكملت قراءتها بمتعة ولذة لا يضاهيهما متعة ولذة.
 لم يخطر ببالي أن أقول رأيا فيها، فقد قرأت قبلها روايات وقصصا كثيرة استمتعت بها جميعا بدرجات متفاوتة.
إلا أنني وبالصدفة أيضا، قرأت تعليقا عليها في إحدى الصحف، كان، إلى درجة ما، مغايرا للصورة التي رأيت فيها رواية “حب ليس إلا…”، مما دفعني ولو بشكل بسيط لأبحث وأرى إن كان هناك من قال شيئا آخر في الرواية، فوجدت مقالا أو مقالين كانا بعيدين أيضا بشكل متفاوت عن جوهر الرواية وروحها، فمنهم من ركّز وأسهب في إلقاء الضوء على جوانب سياسية واجتماعيه في الرواية، ومنهم من أوغل فأسه عمقا ليرى إن كانت الرواية سيره ذاتية أو قصة واقعية عاشتها الكاتبة، وكأن ذلك ينقص من قيمتها الفنية أو روعتها الأدبية شيئا.
إلا أني كنت أتمنى أن أجد من يغوص عمقا في الرواية، يبتلع صورها ويتوحد معها ثم يلقي الضوء على جمالية الصورة فيها، وعلى الوصف الدقيق، بل الهائل في الدقة المتناهية للأحداث والمشاعر… لم أجد من يعيد إضاءة، أو يلقي الضوء على اللوحات الرائعة التي رسمتها الكاتبة خلال حديثها عن فرح العاشقة المخلصة الولهانة الواثقة المستسلمة لقدرها المخدوعة في النهاية بقصد أو بغير قصد، نظرا لاعتبارات ثقافية واجتماعيه وعقائدية راسخة، تقيد الإنسان وتفقده حريته أو جزءا كبيرا منها.
لعل ما أوحى بذلك هو أن الكاتبة وبموهبة عبقرية، استطاعت أن تتقمص شخصيات جميع أبطال روايتها حتى أتقنتها وعاشتها بشكل رائع جعلت الكثيرين يشعرون وكأنها سيره ذاتية أو قصة واقعية في مختلف جوانبها العاطفية والسياسية والاجتماعية. ولكن هذا بحد ذاته يعد عبقرية وموهبة فذة. فالقاص العالمي المبدع خالد الحسيني، عندما كتب عن مريم في رائعته  (A Thousand Splendid Suns)  قال: “عشت شخصية مريم تماما حتى صرت أمشي مشيتها وأحكي بمثل صوتها وأتحرك بمثل حركاتها، حتى أنني أحببت ألعابها ومرحها، وكان لا بد من مرور وقت ليس بقصير بعد انتهاء الرواية حتى أعود لشخصيتي وطبيعتي”. فالكاتب العظيم المبدع هو من يستطيع أن يعيش أشخاص قصته ويحيا حياتهم.
ولست بصدد مخالفة الذين أشاروا إلى جوانب القصة الاجتماعية والسياسية أو الفكرية العقائدية؛ فبدون أدنى شك، هي رواية ناقدة وذات رسالة اجتماعية وفكرية واضحة، ولعلي اتفق -إلى حد ما- مع من قال إنها تعتبر ثورة وتحررا أو بداية تحرر من كثير من القيود والعادات الاجتماعية البالية والمتوارثة على مر الأجيال دون هدف أو معنى.
حيث أنني هنا أتحفظ على كلمة “تحرر”؛ إذ لا أرى انتصارا كاملا أو تحررا كاملا في مسيرة “فرح” (الشخصية الرئيسية في الرواية)، فهي وإن استطاعت التخلص من كثير من القيود والعقبات الاجتماعية، على الأقل في سفرها إلى الخارج وحيدة لإكمال مسيرتها التعليمية، فهي لم تنتصر على نفسها وقيودها الذاتية، بل أني لا أكاد أرى محاولة جادة من طرفها للتحرر من نفسها وقيودها الذاتية، وكأنها استعذبت سيطرة الآخر وحرمانه.
ولعل هذا يدخلنا في صراع المقولة الفلسفية الخالدة: “أمن الأولى أن نثور ونطالب بتغيير المجتمع أم نثور على أنفسنا ونغيرها؟”، إلا أن المجال لا يتسع هنا للتوغل في الحديث عن هذا الجانب الفلسفي العميق، وما قُصد هو الإشارة إلى الجانب الفني وإلى الصوَر الجميلة في دقة وروعة وصفها للأحداث سواء أكانت سعيدة أم حزينة، وكذلك المواقف والانفعالات الإنسانية في المستشفى وفي الشيخ عثمان وفي المدرسة وبيت الأب وبيت الزوج وغيرها… حتى تغمر القارئ بمئات الصور الساحرة التي استطاعت الكاتبة في هذه الرواية، ومن خلال موهبتها الحقيقية، أن تمتلك القارئ من البداية وحتى النهاية.
لقد وفقت الكاتبة في خلق رائعة من روائع الأدب الروائي من منظور جديد، فكانت روايتها ملحمة شعرية مؤثرة، بأسلوب قصصي ليس للأحداث فحسب، بل لصور المشاعر الإنسانية المتدفقة الملتهبة؛ لوحة لصور متلاحقة متناسقة باتجاه واحد وإن بدت ذات أجزاء كثيرة.
إن النقد والتحليل لا يكون سهلا لمثل هذه الملحمة الرائعة، بل إن إسقاطاتها المتعددة هي التي تأخذ البعد والمساحة الأكبر هنا. فالإحساس الذي يتخلق فيك ويمتلكك ويحتويك عندما تقف أمام لوحة تشكيلية ساحرة، أهم بكثير من تحليل تلك اللوحة ونقدها أو محاولة معرفة دوافع وخلفيات المبدع الذي أوجدها.
[email protected]