بيتهُ أول مدرسة أخرجت للناسْ ولايجدُ سبيلاً لتعليم ابنِهْ .. عبدالله حسنْ… وحيداً تحتَ ظلِ شجرة!! – يحي هائل سلام

بيتهُ أول مدرسة أخرجت للناسْ ولايجدُ سبيلاً لتعليم ابنِهْ .. عبدالله حسنْ… وحيداً تحتَ ظلِ شجرة!! – يحي هائل سلام

(22758) ريالاً، قد يكون راتباً شهرياً، لموظفٍ متقاعدٍ، ويمكنه أن يكون شيئاً آخرَ: طبلُ صفيح ٍ، يُوَتِرُ الروح ويزعجُ الذاكرة، بضجيج الغبن، وسوء الخاتمةْ!!
هذا غير ذي صلةٍ بلمعانٍ البداية، ففي منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، كان عبدالله حسنْ، ما يزال شاباً، ومثله حلمه، يافعٌ بهيٌ، يرى مايريدْ…
أراد لندنَ، بالأصح الدراسة هناك،هدفٌ تستلزمه شهادة “جي. سي. إي” الثقافة العامة. ولتشذيب الهدف من مستلزماته، التحقَ بما تسمى ” سيتي أنجلز” ومقرها آنذاك المعلا بمدينة عدن. إلى حدٍ كبير استغرقه تشذيب الهدف، والى حد كبير، كان حاسماً في قرار التضحية به لصالح فرصةٍ، في وسعها أن تمنحه صكوك رد الجميلْ:
بعد وفاة والده، ثمّة زوجان بلا نسلٍ، ربيّاهُ صغيرا، اتخذاهُ ابناً، حفَّاه ُ بالحب، وطوقّاه بالعواطف الجميلة، مرةً آلمته عيناه، اصطحباه لشراء نظارة ٍ أنيقة، والآنَ، سيمكنه أن يتحمل معهما، وربما عنهما شيئاً من أعباء الحياة. لعل هذا، أو هوهذا ماكان يفكر فيه، وهو يبدي موافقته على الإلتحاق بمدرسة بازرعة الخيرية الاسلامية، ليس طالباً، كما كان حاله في المدرسة، بل مُعلماً هذه المرة، وبراتبٍ شهري: (400) شلن.
يقول:” العمل في ذات المدرسة التي علمني فيها اساتذةٌ كبارٌ، كالأديب علي عبد العزيز نصر، وغيره الكثيرين، مثّل بالنسبة لي امتحاناً، تجاوزته بالمثابرة العالية، والجهد المضاعفْ “.
بعد مرور عام على التحاقه بالوظيفة، تزامناً مع تحوله من تدريس مادة اللغة العربية إلى تدريس الانكليزية، وفيما يشبه المكافأة، أُضيف الى راتبه الشهري (50) شلناً، أكثر من ذلك، كانت للرجُل طريقته الخاصة في المقايضة للكسْبْ: يكتبُ عدداً من الشهادات، وفي المقابل، يحصل على قصيدة، أو جزءٍ من قصيدة للمتنبي أو أبي تمامْ، وغيرهما من الشعراء. بالضبطْ، هذا ماكان يفعله مع زميل له في المدرسة، يكبُره في السن، له ذاكرةٌ شعريةٌ هائلةٌ، ويدرس مادة التربية الاسلامية!!
سنواتٌ سبعٌ سمانٌ، أمضاها في المدرسة، عن جعلها موضوع ذكرى، إذا ما تعثرتْ هنا أو هناكْ، أمكنَ لرجلٍ في السبعين أن يتعلل بالزهايمرْ، داءٌ يهزمه الاحساسْ، الاحساسُ هو الاخرُ ذاكرةٌ، هي لاتسردُ، بلْ ترسمُ، وفي وجه عبدالله حسنْ، اكثر منها في كلامه، الحكاياتُ تُقالُ، فلاتموتْ!!
مأسوفٌ عليه، في 30/1/1963 غادر المدرسة، وفي حوزته البرهانُ: ” وإن إدارة المدرسة لتضطر آسفة لقبول استقالته من عمله في المدرسة “، مقتطفٌ من ردٍ على كتابِ استقالتهْ، في الردِ أيضاً:” كان خلال الفترة التي قضاها في المدرسة مثالا رائعاً للمدرس الكفء المخلص المواظب على عمله والمؤدي لواجباته بكل أمانة وإخلاص “.
لم تكنْ الاستقالة نهايةً لتلك الفترة فحسبْ، لقد أنهتْ سنواتٍ من الحياة في مدينة عدنْ، حملها معهُ عبدالله حسن، وهو يتبعُ متعالياً بوصلة الثورة، في اتجاهِ الشمالْ، هناك قد يجد طريقه للدراسة العليا في الخارج، وعندما يعود سيكون اكثر نفعاً للجمهورية الوليدة، هكذا كان يحلُم. إلى أن بلغ مدينة تعز، التقى هناك أول وزير للتربية والتعليم، قاسم غالبْ، قبل سنوات، كان الوزير مدرساً في مدرسة بازرعة، وكان من بين طلابه عبدالله حسن،علاقةٌ حميمةٌ، وظفها الطرف القدوة في اقناع الحالم بالتضحية بالحلم، ولأجل عيونِ الوطنْ!!
مثْل عبدالله حسن، ما كان ليتردد، وافقَ الوزيرَ البقاءَ للتدريس، ودون أنْ يكون له الخيار، تم ارسالهُ الى مدينة القاعدة. أما لماذا هي بالذات، فيقول:” كانت منطقة تجارية مهمة وربما هذا هوسبب الاهتمام بها! “.
من العائدات المالية للمدينة، تقرردفع راتب المدرس الشهري، 60 ريالا (فرنس)، على أنه، وفي مقابل بناء منزل للمدرس، على أنقاض معْلامةٍ قديمة (خرَابة)، تم خصم مبلغ 10 ريالات من رواتبه الشهرية.
وظيفةُ المنزل لم تقتصرْعلى السكن، أصبحَ هوالمدرسة، أول مدرسة اخرجت للناس في المدينة، في ثلاث غرفٍ يتلقى طلابُ الفصول الابتدائية الستة تعليمهم، أما المدرس والمدير والفراش، فواحدٌ: عبدالله حسنْ!!
هنا يتذكرْ:” كل صفين دراسيين في غرفة، وكنت أُقَسِمْ السبورة الى قسمين، كل قسم لصف، فمثلاً في قسم الصف الثالث من السبورة تكون المادة رياضيات، بينما في قسم الصف الرابع من ذات السبورة تكون المادة لغة عربية، وعلى هذا النحو يتواصل تنقلي بين الصفوف الغرف”!!
مع ذلك، كان مستوى التحصيل عالياً، ولعلها مناسبةٌ للتذكرْ، يقولُ:” أتذكر أن علي الصراري، اللي هو الآن صحفي، أكيد تعرفه، كان من طلابي، وعندما أكمل صف سادس ابتدائي، أراد مواصلة الدراسة في تعز، هناك استغربوا، لم يكونوا يتوقعون أن في القاعدة مدرسة، وأنها تُخرِج هكذا طلابْ “.
لم يقتصرْ في ممارسته الدور، على عناصر الفعل التعليمي داخل غرف الدراسة، كانت منظومته أوسعَ من ذلك، فيها المكوناتُ الضرورية جميعها اللازمة لحراكِ التعليم، والنتيجة: الشروع في بناء أول مدرسة حكومية في المدينة، مشهدٌ حراكيٌ أخرجَهُ عبدالله حسن، ابتداءً بإشهار الحاجة إلى مبنى مدرسي في أوساط المجتمع، وثم الاشراف على جمع التبرعات، مروراً بالمبادرة إلى فعلٍ استباقيٍ، أنقذ مجموع التبرعات، وهو(500)ريال، من احتمالات التآكل بمرور الزمن، إذْ حمله إلى المسؤولين في إب، وأخيراً، عندما أسال ايقاف المقاول البناء في مراحله الأخيرة لعابَ التجار، فأرادوا تحويل المبنى الى سوق مركزي، سارع عبدالله حسن إلى تجفيف لعابهم، وأيضاً إحراج المسؤولين، بوضع الجميع أمام الأمر الواقع ؛ إذْ انتقل مع طلابه من بيته إلى المبنى الجديد، ولايزال سقفه السماء..
في وصف ظروف الانتقال يقول: ” حمَلتُ أنا والطلابُ الحصيرَ، وفي الطريق الى المبنى الجديد، لاأزال أتذكر ذلك الكم الهائل من ” الكُنمْ” والقملْ الذي تساقط من الحصير على الملابس والأجساد “، ويضيف: ” شرعنا في الدراسة رغم عدم جاهزية المبنى، وسرعان ما بادر المسؤولون إلى إكمال مبنى المدرسة، وسميت “الثورة” “!!
أثقل حمل “الثورة” كاهل الرجل، فإلى دوره الكوكتيل، الذي استمر فيه يملأ الفراغ بالعادة، وليس بالقرار الرسمي، أُضيفت مهمة جديدة: إصلاح سقف المبنى بعد هطول الأمطار!
وبقدوم المدرسين الأشقاء، من مصر والسودان، وجد نفسه متمترساً في خندق اللغة، يدفع عن الضاد جبروت الزايْ، وطغيان الهمزة أوالغين عن القافْ، وهما يمارسان قسراً على التلاميذ تشوهات النطق والكتابة.
عبدالله حسن اليوم وحيد، أعزل بلا سواتر، يخاف أن يسقط وهو يسير، هكذا قال، ومع ذلك، هو يسير، الوجهة يعرفها جيداً، في الصباح الباكر من كل يوم، ينتبذ مكاناً في أقاصي الوادي، وتحت ظل شجرة، يبدأ مطالعة الصحف..
ذاك الجانب الأهم في جدوله اليومي، بعد أن خلا من مواعيد الحصص الدراسية، ودقات الجرس المدرسي، وكراريس التعبير، قبل ست سنوات من الآن،وفقا ًلحساب الأزمنة والمواقيت، وتبعاً لحساب من نوع آخر؛ بعد عام الصدمة:
في العام 2000م، اختفى اسم عبدالله حسن من كشف المرتبات، أثناء المراجعة، اكتشف ماهو أسوأ، إذ لا وجود لملفه الوظيفي في الارشيف، بالمختصر المفيد: لا موظف بهذا الاسم وفي المقابل ثمة من كان ماضياً في إجراءات التوظيف عنه بالبدل، أفلح في استعادة وجوديته الوظيفية، لكن الثمن كان باهضاً:عام كامل من اللاطمأنينة والترحال!!
كان فيما يشبه الغيبوبة، غيبوبة الصدمة، أفاق منها، ليجد نفسه على رصيف التقاعد. محكومة حياته ومجموع أسرته براتب شهري (22758ريالاً) أسأله: هل يكفيك؟، يجيب:” إسأل هزاع! “، ولمزيد من الإيضاح، يدس يده في جيب “الكوت”، فتخرج مثقلة بدفتر صغير” أبو جر “،يشير إليه، وكمن يصعد بصخرة أعالي الجبل، يتصاعد صوته قبل أن يتهاوى، فتتلقفه العينان للكلام بالنيابة…
ويعود الصوت:” أنا أقتصد في مصروفاتي كثير: لا أخزن ولا أدخن، وحتى الصحف أشتريها لأصحاب من فلوسهم يقرأوها، وبعدين أأخذها منهم. ومع ذلك الراتب يذهب في تسديد نصف الديون، ونصفها يؤجل، وكذا من شهر إلى شهر “. يتوقف قليلاً قبل أن يواصل الكلام:” ما يقهرني اننا ما استطعتش اعلم ابني هشام في الجامعة، أمنيته يدرس آداب انجليزي، لكن قالوا معدلوا مايسمحش، إلا إذا دفعت مبلغ من المال، هذا اللي يقولوا موازي، وانا ما معيش!!”، ويضيف:” تخَّيل ان اللي علم في الجنوب والشمال،أكثر من 45 عام، مش قادر يعلم ابنه “.
يقول تخَيل، ولامتسع في مخيلتي، تماما ً كما لامتسع في مقاعد الجامعات لهشام، ولامتسع في الوطن لعبدالله حسن!!
[email protected]