غنائية عفوية وتحيز سياسي2-2 .. قراءة في «حب ليس إلا» – محمد ناجي أحمد

غنائية عفوية وتحيز سياسي2-2 .. قراءة في «حب ليس إلا» – محمد ناجي أحمد

لنقرأ هذا الحب العذري المطنب في غنائيته وهي تقول بعد أن دفنت زوجها في عدن وسكنت لدى امرأة تعرفت عليها في المستشفى: «هشام يا حلماً في كل يوم تشرق فيه الشمس ثم تغرب، إلا أنت فشروقك في نفسي لا يعرف كيف يغيب! وشمسك في أعماقي لا تعرف الغروب….ضوؤها ذرات حب يتفجر بأمان كثيرة، أمان لك: أمان معك! أمان تبدأ وتنتهي بقلبي الذي تسكنه وستسكنه حتى الموت». ص101، وتستمر في لغتها الغنائية تجاه هشام مثل قولها: «أعشق التوحد في طقوس استحضاره، محادثته، مناجاته، الهمس الدافئ في أذنيه بوله بكل مشاعري تجاهه». ص112، حب مفرط لهشام يصل الى درجة العبودية والتوحد بل التلاشي فيه وإن غدر: «يذكرني غدر البحر بهشام.. ومع ذلك لا يغادرني طيفه ولو لثواني.
سامحته من كل قلبي! غفرت كل أخطائه عن رضا، كم صرت أعشق التوحد في طقوس استحضاره! محادثته، مناجاته، الهمس الدافئ في أذنيه بوله بكل مشاعري تجاه….»ص112،111، وتكرر «فرح» مفردات الوله والعشق اكثر من مرة، وفي المقابل نجد عواطف هشام تجاه فرح يأتي مقتضباً مثل «حبيبتي فرح» ثم بعد ذلك ينصرف في رسائله للحديث عن عدن ومآسي حرب 1986، واصفاً ما جرى للأطفال والنساء وانتفاخ الجثث في الشوارع وخوف الناس داخل بيوتهم، ورغم ذلك ف«فرح» متيمة بهذه الرسائل وتحفظها عن ظهر قلب، رغم أنها لا تحتوي سوى على تقرير وصفي لبشاعة ما حدث في 1986، وتستمر هذه الرسالة بحدود خمس صفحات من الوصف والتتبع لمآسي تلك الحرب الأهلية بين فرقاء الحزب الاشتراكي، مما يجعلنا ننسى فرح وحبها الغنائي لهشام،.
تتحدث «فرح» عن وضع الأرملة والذي هو أفضل من حال «المطلقة» فنظرة المجتمع للأرملة نظرة قاسية، لكنها أقل قسوة من صورة المطلقة، ولأن فرح ليست متمردة وقوية فقد تحملت ما صنعه سامي بها من إهانات وإذلال، لكنها وهي أرملة» لاتهتم للَّغط الدائر حولها، ما دامت في الطريق الصحيحة!». ص128، إنها كما قلنا من قبل ليست متمردة بل حريصة على أن تكون في الطريق الصحيح غير الناشز، فهي لا تريد الاصطدام بالمجتمع، وأسرتها جزء من هذا المجتمع، ليس لأن المجتمع لا يرحم وإنما لأنها تريد أن تكون كما تريد وكذلك كما يريد الآخرون أن تكون يكفي أنها قادرة علي أن تتحمل اللفظ الذي يدور حول «الأرملة» والحرية لديها مرادفة للأرملة : «ها أنا الآن حرة، أرملة تعني حرةً». ص128، ولهذا يوافق الأب على دراستها في مصر.
يأتي هشام في هذه الرواية كمحفز على استمرار التدفق العاطفي لـ«فرح» ورغبته في أن تبقى مستقبلة، لأن حاضره مرتبط بزوجة وأطفال: «دعيني أكون المستقبل الذي تمضين باتجاهه». ص172، فإضافة إلى رغبته في أن تبقى «فرح» محظيته التي يحلم بها خارج مؤسسة الزوجية التي فرضتها عليها الظروف!! هو يقدم نفسه كنموذج ينبغي أن تسير «فرح» نحو التوحد به، ولأن فرح منقادة فإنها لا تستطيع أن تحدد موقفاً رافضاً لنزوة هشام، الذي يجعل من نفسه ضحية للظروف بل وبطلاً عمل على انقاذ ابنة عمه وتزوجها طاعة لأمه وخوفاً على ابنة عمه اليتيمة من امرأة الأب!!
إن فرح كما تتشكل للقارئ في هذا العمل ليست قادرة على أن تكون الانثى المتحررة من سطوة الأب والحبيب والمجتمع فهي بعد أن أصبحت أرملة تحدث نفسها فتقول: «وحدي لأول مرة في حياتي! كم يحمل هذا الشعور في طياته من تناقض. يشعرك بالمسؤولية ليس تجاه نفسك فقط، بل تجاه كل من يهمك أمرهم! ترغب أن لا تخيب أملك في نفسك، ولا تخيب أملهم فيك! وجل ما تخشاه لحظات ضعف وزلات لا يمكنك مجابهتها لتصمد أمام تحديها لك بمغرياتها»،ص178.
أعتقد أن هذا التوصيف المعتمد على التكرار والإطناب في ثنايا الرواية يرسم لنا رؤية وموقف «فرح» وعلاقتها مع ذاتها ومع أسرتها ومجتمعها.
يأتي «حازم» الطالب النجيب ليكرر علاقة الحب بين التلميذ واستاذته كما هو شأن «فرح» مع استاذها «هشام»، لكنها تتجنب هذا الحب ليس بسبب عدم تكرار التجربة ولو بشكل معاكس حيث تصبح هنا هي المطلوبة والمعشوقة وليس العاشقة، لكن مبررات رفضها لهذه التجربة ذكورية محضة ففارق السن بينها وبين «حازم» هو سبب تشير إليه بطريقة غير مباشرة، اثناء حديثها عن رواية الكاتبة النمساوية الرائعة، «الفريدة يلينك» «عازفة البيانو» فهذه الرواية لم تنل إعجاب «فرح» «لاعتبارات فارق السن» ص182.
فرح في موقفها هذا ذكورية وخاضعة لثقافة المجتمع الذي يرى في زواج الرجل بامرأة تكبره في السن نظرة غير محببه، بل ومرفوضة!!
تدرس «فرح» وتحضر للدكتوراه لتدافع عن نفسها وتثبت ذاتها في مواجهة «هشام» الذي لم يغادر خيالها مرة واحدة، إضافة إلى أنه متابع لتفاصيل حياتها، ومع ذلك يبدو للقارئ أن «فرح» تحضر للدكتوراه وتنالها كي تثبت لهشام أنها جديرة به، لقد سارت في نفس تخصصه، وكيفت نفسها لتكون كما يجب أن تكون.
نستطيع القول إن هذه الرواية وإن تكن تعبيراً عن رغبة انثوية، فإنها تعبير عن صورة الانثى في مجتمعنا العربي، هذه الانثى التي تحصل على أعلى الشهادات في الفلسفة ومع ذلك تظل مشدودة الى ثقافة أمها وحريصة على أن تتوافق مع عادات وتقاليد مجتمعها المحافظ، إنها صورة الانثى المتشظية، لكن حالة التشظي لدى «فرح» يتم الخروج منه عن طريق التماهي مع رغبات أبيها وأمها ومعشوقها، هي حالة من التردد وعدم القدرة على الانحياز الى نفسها.
هناك قدر من اللغة الشعرية الغنائية والتي تجعل العواطف تنساب بعفوية وبساطة متماهية ومتوافقة مع اللغة العاطفية المعتادة.