عليك، منذ الآن، حساب خطواتك.. في أمر إعادة ترتيب الحياة – جمال جبران

عليك، منذ الآن، حساب خطواتك.. في أمر إعادة ترتيب الحياة – جمال جبران

عودة إلى السينما هنا وكتابة عن جديدها. فيلمان وكلاهما يبحثان عن كيفية إظهار ذات الفكرة. عيش الحياة بحماقة لها أن تؤدي بالكائن إلى هوة عنف لم يكن في الحسبان، أو كان مقيماً في زاوية غير منظورة. عيش الحياة بطريقة تقول أنها، بالتأكيد، لاتحتمل. ما الذي يفعل على كشف عكس هذه الأخيرة؟ ما الذي يمنح الكائن لحظة واحدة تجعله فاعلاً لإعادة حساب وفحص لما سبق وكان , الأيام الفائتة والتي لا تعود؟ ما الذي يجعله فاعلاً لحياة أخرى بديلة، في الفيلم الأول، والخلاص من الحياة بكليتها، في الفيلم الثاني؟

(1)
– لن تكون أنت مرة أخرى. الآن، أنت شخص آخر، غريب.
مرعب هو أمر خوفك من ارتياد الأماكن التي كنت تحب.
الأماكن التي تآلفت معها إذ تتحول، فجأة، إلى كابوس يهدد أمان قلبك. فيما الأشياء الجميلة لا تعود أبداً.
– ما الذي تفعله عندما لا تستطيع النوم؟
 لا شيء، فقد اعتدت الأمر.
– لا عودة للشخص الغريب.
الغريب هو ما أنت عليه لتوك، الغريب هو أنت.
– هل تسمعني ياحبيبي؛ لقد انتهيت الآن!
ما تزال الأميركية جودي فوستر تواصل هوايتها وفعل لذتها في جذب الانتباه. هي لا تفعل العادي، البسيط الذي يمر هادئاً بلا ضجيج إيجابي. يظهر هذا ثانية في جديدها(the Brave one) اخراج نيل جوردان ومشاركة بطولة من طرف الأسمر تيرنس هاورد.
منذ ظهورها قوية في فيلم (taxi driver) مع روبيرتو دينيرو واخراج مارتن سكورسيزي العام1976، ما أدى لترشحها لجائزة أوسكار أفضل ممثلة دور ثاني. مذاك وهي على إصرارها في ممارسة فعل الإبهار وشد البصر باتجاهها. وأيضاً ما فعلته وما يندرج في خانة اللامنسي، الذي لا يكون أمر تجاهله متاحاً، وممكناً، أقصد دورها في (the silence of the lambs) برفقة انتوني هوبكنز واخراج جوناتن ديم العام 1991 وأخذت عن طريقه  جائزة أوسكار أفضل ممثلة دور أول. وبعد هذا الفيلم وقبله عديد أعمال لا يتسع لها حيزنا هنا.
ما يهمنا في الأساس حديثنا عن جديدها (the Brave one) وتلعب فيه دور (إيريكا بان) مقدمة برنامج ليلي في إذاعة محلية في مدينة نيويورك, يمتاز البرنامج بتقديمه مساحة بوح وبث شكوى. وعليه تتواصل وتنتمي إلى مدينة تحبها ببذخ بما لا يدع فسحة بداخلها لشك حول قدرة هذه المدينة على الإيذاء. إلى هذا اعتبارها لذاتها كحاملة أسرار أهلها والصدر الحنون الذي يلجأون إليه.
لكن وذات ليل، تخرج إيريكا مع رفيقها (ديفيد كيرماني) للنزهة بعد الانتهاء من عملها. وفي ظلمة أحد الأنفاق النائية يتعرضان لهجوم مباغت من عصابة شابة لا تنوي السرقة بقدر رغبتها في الأذية. وهم إذ يفعلون يقوم أحدهم بتصوير الاعتداء عبر كاميرا تصوير رقمية. يحدث أن تبقى هي على قيد الحياة في حين ينتهي رفيقها. هنا تبدأ رحلة أخرى.

(2)
– كيف تتحول الأمكنة إلى عدو والناس إلى معتدين محتملين؟
عليك منذ الآن حساب خطواتك. عليك التلفت ألف مرة كيما تستطيع عبور المسافة الفاصلة بين غرفة نومك والغرفة المجاورة لها. تعرف مسبقاً أنك في صدد دخولك عملية إعادة تأهيل لها أمر تمكينك من عنق الحياة ثانية. لقد أعلنت موتك وانفصالك عن حياتك الأولى . أنت الآن آخر.
بعد رحلة علاجية لم تكن متسامحة تعود إيريكا إلى ما يكرفون برنامجها ولكن بلغة أخرى ونبرة مغايرة. لغة أكثر تصادمية وتمعن  في عنفها. أكثر دخولاً في  الشائك وإزالة الغطاء عن المفردات المتروكة بتعمد والتي لم تكن تعلم عنها شيئاً. هي الان تتكلم عن نيويورك أخرى كانت تجهلها. لكن هل يكفي هذا!
تبتاع مسدساً وتتعلم طريقة استخدامه، تبدأ في اصطياد الرجال، المذنبين بشكل مسبق. تضعها الصدفة في مواجهة قتلها لأربعة منهم. في حين يأتي الباقون على طريق سيرها باحثة عن الذين أدخلوها في الألم خاطفين منها الرفيق الذي تفعل لأجله ما تفعله الآن.
(3)
بين ألم الفقد وألم الجروح التي ألمّت بالجسد، أيهما أكثر قدرة على البقاء؟
يندمل الأخير مع الوقت وفي عجلاته. يبقى الأول شاهداً على ما كان.
– أين أنت يا حبيبي؟
هل تسمعني الآن
يحتاج الصوت إلى استعادة ثقته بذاته، أنه لم يكن وهماً. هي كانت على صوتها وتعتمد عليه كبوصلة.
الآن تنزل إلى الشارع والأمكنة والناس. من ينظر إلى وجهها لا يعرف أنه لصاحب الصوت الذي يعشق ويستمع إليه كل ليلة. هي تقيم الان وصوتها في العتمة. كلاهما يسير مستعيناً بإخراج عنفه. وفي كل مرة كانت تقتل فيها رجلاً، كانت تشعر بتقلص المسافة بينها وبين الفقد الذي حصل معها، يزداد يقينها اقتراباً منه. هي الآن شخص آخر.
لا يمكن إغفالنا هنا الجهة الأخرى من القصة, ضابط المباحث الجنائية تيرنس هاورد وتقاطعه مع إيريكا.
هو مستمع جيد لبرنامجها وسيتعرف عليها لاحقاً بعد حادثة الاعتداء عليها. تأتي لعمل ريبورتاج جنائي عن جريمة هي فاعلتها. مع الوقت يدركان أنهما يسيران في ذات الرغبة، هي تود عثورها على خصوها وهي يرغب في الإمساك بمجرم ينجح دائماً، عن طريق حصانته، الإفلات من قبضة العدالة. من هذه النقطة تبدأ علاقتهما في التعمق إذ تتكفل هي بتنفيذ وإتمام عدالة ناقصة، تقوم بقتل هذا المجرم المحصن.
وهكذا يتكثف الكلام حول ما يمكن فعله لتنفيذ وإكمال ذاك الجزء الناقص من العدالة، ولأي سبب كان. العدالة الحائرة بين قانون بلا ذراعين، وبين ذراعين بلا قانون وهذا ما تقوم نهاية الفيلم بالإفصاح عنه.
 

إعادة الاعتبار للكاوبوي الأميركي

(1)
هي خطوة أولى ونهائية في طريق الخلاص و التطهر. اللحظة التي تقف فيها قبالة ذاتك عارياً من كل شيء . أن تحترمها إلى الأبد أو أن تنسى قيامك لأي عمل، مهما كان نظيفاً، فلن تستطيع النوم بعد الآن.
أنت تعيش حياة كريمة , الثانية مؤكدة لكن تبقى الثانية في محل شك.
هل أنت تعيش حقاً، وما دليلك؟
ترغب في تحقيق نظرة احترام لك في  عيني ولديك. هل يكون موتك مقابلاً لهذا؟ ترغب في نهاية عمرك في التكفير عن كل القتل الذي فعلت. هل يكون إحداثك لقتلى جدد معادلاً كافياً لهذا التكفير؟
يأتي فيلم (3:10 to yuma) على هذا الطريق ويعرض لإعادة اعتبار لسينما الكاوبوي الاميريكية التي مضى وقت طويل على آخر أجمل أفلامها. كلينت استوود وجون وين وجون فورد هنا مثالاً.
جديد هذه السينما الباهية يأتي هذه المرة عن طريق المخرج جيمس ما نفولد والممثل راسل كرو.
ويبدو هذا الأخير في قمة تجليه وهو يتعمد برفق تقديم طور جديد من أطواره السينمائية على النقيض من (beautfulle mind و gladiator) يظهر راسل كرو في (3:10 to yuma)، المأخوذ عن قصة قصيرة لإلمور ليونارد، يظهر في شخصية بن وايد قاطع الطريق الأشهر برفقة عصابته التي أرّقت أفعالها الجهات النظامية. قاطع طريق،فنان وفيلسوف وقارئ. لا يجد صعوبة في التأثير على محيطه عن طريق إظهاره في كل مرة عكس ما يمكن لأي عقل توقعه.

(2)
أنا القاتل النبيل.
لا أكتفي بالعادي والسهل. الحياة أنا وأرسمها بأصابعي والقلم الرصاص المحشور بينها.
أهوى رائحة الدم المنسكبة من رقبة مغرور قمت بثقبها للتو برصاصة من أداتي.
«في الصباح الباكر تسطع شمس جديدة
في الصباح الباكر سيعلقونني على مشنقة».
لا تعجبني هذه الأغنية. سأقوم الآن بذبح الرجل الذي يحرسني ويستلقي منبطحاً قبالتي.
بعد قيامه وعصابته بعملية سطو جديدة، يركن الى حانة ويظل فيها وحيداً برفقة نادلة جميلة وهذا بعد رحيل رفاقه. ينجح في إقناعها انه قد رآها من قبل. يذهب في عريها تالياً وغارقاً في رسم خلفيتها . فسحة الوقت هذه تعطي فرصة الإمساك به. المنتقمون كثر لكنهم يرغبون في إعدامه بطريقة نظامية، إرساله إلى سجن يوما. لكن من يقوم بالمهمة؟ يتقدم وان ايفا نز (كريستيان بال) والذي يعيش بساق واحدة. هو كان قد فقد الثانية أثناء الحرب الأهلية . يتقدم وان الذي يعاني من حالة معيشية صعبة متكفلاً بمهمة نقل بن وايد إلى قرية ينطلق منها قطار 10:03 المتوجه إلى سجن يوما. ويكون هذا بمقابل مبلغ من المال.
وفوق هذا هو يرغب في استعادة نظرة الاحترام من عيني زوجته وكذلك فرضها على عيني ولديه. يعتقد الناس أنه ما يقوم بهذه العملية إلا رغبة في تحقيق العدالة في حين انه لا يستطيع الإفصاح عن الدافع الرئيسي الذي يقف وراء ما سوف يقوم بفعله.

(3)
أن تقتل بسبب أو بلا سبب يعني أنك قد قمت بإهانة الحياة.
أن تعيش حياة مهانة يعني أنك قد قمت أيضاً، بإهانة الحياة.
أين يقيم الخط الفاصل بين الاهانتين؟
هناك طريقة ما لها أن تعمل على تخليصك من الوحش الرابض بداخلك. تجاهله وعدم الإنصات إلى هتافه المتواصل  في إذنيك وقلبك.
عليك ردم الفراغ المقيم بداخلك. الذهاب إلى صحراء مجاورة أو بناء سد مائي له أمر تمكينك من النجاة، حمايتك من غرق أكيد.
تاريخك الشخصي , وما فعلت، كنزك الوحيد.
يدخل الاثنان، دان ايفا نز وبن وايد أثناء رحلتهما إلى قطار الساعة 10:30، في حوار طويل . يدخلان في معركة كلامية هادئة، تحدث في زحمة قتل، حول معنى الحياة ومعنى عيشها بكرامة. لدان ايفا نز مرافقون يتساقطون قتلى على طول الطريق بواسطة أصابع وأدوات بن وايد . لهذا الأخير رفاق يتتبعون القافلة المتجهة إلى قطار الساعة 10:03  بنية تخليصه. وبين قتل وآخر يستمر حوارهما هادئاً. من ينجح في إقناع الآخر بطريقة سير حياته؟ تبدو كفة بن وايد راجحة إلى ماقبل النهاية، لكن تأتي الرياح بما تشتهي كفة دان ايفا نز.
لا أقول بالنهاية هنا أو بطريقة مجيئها. إذ لا أرغب في اختلاس متعة الاكتشاف من  ذائقة قارئ ومشاهد محتمل.
[email protected]