الجزائية المتخصصة.. قريب من العدالة الغائبة والنضال المفتقر للمقدمات – نبيل الصوفي

الجزائية المتخصصة.. قريب من العدالة الغائبة والنضال المفتقر للمقدمات – نبيل الصوفي

منذ أكثر من نصف قرن واليمنيون يحتشدون وراء “ثقبـ” يريدون الخروج عبره إلى ما وراءه. مايؤسف له بعد كل هذه المدة، أن سجل نضالهم بمختلف ألوان فاعليه يعاني من الفقر التجريبي، مقابل زحمة في الشعارات والعناوين العريضة.
أعرف أن هذا وصف قد يكون مجحفا، أو متعجرفا، غير أني أظنه جديراً بالاختبار.
في سجل الانجازات لأي حركة سياسية أو اجتماعية، تبدو النتائج، وعلى أهميتها، مجرد “نقطة واحدة” من الرصيد الأهم الذي يقرر فعليا دور هذه الحركة أو تلك. وهو “المقدمات” التي أفضت لتلك النتائج.
إن التغيير، مهما بدا مشرقا كنتيجة لايمكنه أن يصمد مالم يستند لمقدمات تفصيلية تبنيه طوبة طوبة وقيمة قيمة.
ها نحن اليوم نتحدث عن “الوحدة”، أنصع نتائج الطموح الوطني، ورغم ذلك تعلو الأصوات مع كل أزمة: إن عدم متانة المقدمات المفضية لها “تتحمل مسؤولية الاختلالات الحالية”، ويمكن لولا قيم الوحدة وبخاصة التي غرسها الحزب الاشتراكي في طوابير الصباح وفي أشواق الفلاح والشاعر والمرأة والطفل وحولها من مجرد شعار وطني لهاجس شخصي لملايين اليمنيين سواء من انتسبوا له أو تأثروا بتلك المقدمات لكانت الوحدة تفتت في عمقها الثقافي والاجتماعي.
أيضا، ليس من الصعوبة مطلقاً ملاحظة مآزق القيم التي “تفضح” كل ادعاءات النضال في هذه البلاد. فأنت ستقرأ تصريحات لايأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها –نظريا- ضد انتهاك فلان للحقوق، ومع حرية هذا أو ذاك… لكن تلك التصريحات تتحول إلى “مسخ” من القول عاجز حتى عن تذكير صاحبه أنه قاله وهو يمارس عمليا أبشع مما انتقد.
يمكن للقارئ الكريم متابعة ذات القضية التي بين أيدينا حاليا وهي قضية الزميل عبدالكريم الخيواني، ومراقبة أدائنا جميعا تجاهها، ليدرك أنه فيما عدا قدرتنا واندفاعنا لاستخدام القضية ضد السلطة فإنها على المستوى القيمي عبء إضافي تكشف هشاشة التزامنا للقيم التي ندين الآخر لعدم التزامه بها. أتحدث عن قيمة الدفاع عن حقوق المختلف معه، دون منِّ أو أذى، ودون حسابات تتعلق بالكسب والخسارة. لقد عجزنا في إقناع الأقوياء الذين هتفوا ضد السلطة ومع حرية المحتجز توفير ضامن حضوري له. وهاهي القضية تتبخر من على صدر الصحف حتى في المتابعات الخبرية لجلسات التقاضي. إن الجميع لايرى في القضية سوى مخزون لإدانة السلطة ولذا حين يتوفر له مخزون أطرى وأحد يلجأ إليه ولتذهب القيم التي ندعيها إلى الجحيم.
وبكل أسى أتذكر هنا كيف أن بعضنا فشل في إقناعنا منح هاشم حجر الذي توفي في سجن الأمن المركزي، بعض الاهتمام قبل وفاته باعتباره سجيناً معلولاً يستحق أن يطبق بحقه حكم المحكمة بإبقائه خارج السجن.. لكنه مجرد إسم لم يستخدم إلا حين كان ممكنا إدانة السجان به. بعد أن توفاه الله إليه.
ومثل ذلك آلاف من الأدلة التي تكشف أن الحركة الوطنية لم تبدأ بعد إدراك أنها لن تحقق شيئا لا لنفسها ولا للمواطن الذي تعمل باسمه مالم تتحرك على وجه الأرض وفي التفاصيل التي يمكن وصفها بالصغيرة، فيما هي كل الحياة.

 السجل القانوني.. الملف الفارغ
على صلة بهذا الحديث تأتي القضية الأهم وهي فقر العلاقة بين السياسة والقانون في بلادنا. فالسياسي هو الحاكم أما القانوني فخلافاً لتجارب المجتمعات التي حسمت حركتها للأمام، ليس أكثر من يد لتمرير رغبات السياسي. وحين أتحدث عن السياسي فليس بالضرورة أن يكون شخصا آخر مستقلا؛ إذ أتحدث عن السياسي داخل القانوني نفسه.
يمكن مراجعة كيف حققت مجتمعات مختلفة تقدمها على تفاصيل القانون، من أميركا إلى ألمانيا وحتى مصر –الأخيرة فقدت قدرتها على التقدم حين ضعف اتكاؤها على القانون.
الأمر اقتضى تمسكا بالقانون كمدخل للإصلاح، إصلاح يبدأ من القضاء ولاينتهي بالثقافة والتربية والسياسة والاقتصاد.
إن النشاط السياسي في بلادنا على رغم فاعليته يصاب كل يوم جديد بفقر أجد من المعطيات القانونية، وبتيه أكثر فيما يخص مراجعة اللوائح، ويصيب المراقب الاستغراب حين يرد عليك صاحب رأي آخر تجاه ذلك بأن السلطة هي السبب، كأن علينا رهن نضالنا وطريقة أدائنا للسلطة، فإذا صلحت هذه السلطة، فإننا سنكون حينها “صالحين”.. وإلا فلها الحق في تشتيت جهودنا نحو مائة عام للأمام بهذه الطريقة.

 المحكمة الجزائية.. نموذج للاختبار
منذ إنشاء المحكمة الجزائية المتخصصة، وجدل صامت حولها ولكن في دائرة واحدة هي دائرة قانونيي المعارضة السياسية. وللأمانة فحين تابعت الأخبار –من عمان- عن محاكمة الزميل الخيواني، ورأيت أن القاضي محسن علوان أحال مرافعة محامي الدفاع للمحكمة الدستورية، شعرت بالتقدير العميق لهيئة الدفاع وللقاضي تاليا. إذا الأولى قررت نقل هذا الجدل إلى الدائرة الأهم على الإطلاق وهي دائرة الاختبار القانوني بغض النظر عن ما سيسفر عنه الأمر فهو مراكمة واقعية لجدل يتسلح بالقانون ويقف تحت مظلة القانون باعتباره الأداة الوحيدة التي تشهد لأي مجتمع وتوصف حالته.
وكان القاضي متميزا حين استخدم سلطته التقديرية برمي الكرة للأعلى. وأيا ماسيكون رأي الشعبة الدستورية بالمحكمة العليا، فإننا سنكون جربنا السير الذي يجب أن يتكرر. إن رفضت الدائرة الدستورية المرافعة –وهو مايتمنى المرء خلافه، حتى من باب النزعة الوطنية التي تتوق لأداء مختلف تجاه الأفكار القانونية بعيدا عن الالتزامات السياسية للقضاة- إن فعلت فإن الأمر سيكون مواصلة للسير في ذات القضبان التي وضعنا فيها القرار الجمهوري.. على أمل تكرار المحاولات لأصحاب الرأي القانوني الذين هم في النهاية مجرد طرف لايمثل أي إجماع حول المحكمة وإنشائها.
وبالمناسبة فإني –كصحفي لاعلاقة له بالقانون إلا من حيث كونه مستفيداً منه كأداة للصراعات بديلا عن أي أداة أخرى- أختلف وبعض ماطرحه الزميل رئيس تحرير هذه الصحيفة الأسبوع قبل الماضي عن المحكمة وتوصيفاته القاطعة التي تستند لرأي معتبر ضد المحكمة واختصاصها وأدائها، ولكن مختلف فيه ومعه بشأن اعتبار كل مافيها ومن فيها مجرد “أدوات للتبييض”، خاصة وأن المعارضة لها في الحقيقة –وهو ما أظهره الكاتب ذاته حين لمز التخفيف على متهمين بالإرهاب- تنطلق من موقف أخلاقي يجرم اتهام فئة من الناشطين السياسيين بتهم هي، مهما كانت العقوبات المقررة فيها، مجرد تهم سياسية.
بقي لي القول إن أي منطق يعتبر اللجوء للمحكمة الجزائية سواء بالترافع ضدها أو فيها، مجرد “شرعنة للاستخدام السياسي للقضاء”، مسائل أمامنا كيمنيين عن أين القضاء الذي هو خلاف لذلك وفقا لمنطقه.. إننا نتفهم الجدل في مصر بشأن محكمة أمن الدولة باعتبار الصورة المختلفة للقضاء المدني أو العادي. ولكن في اليمن لا يقول أحد إن القضاء خارج المتخصصة نزيه، أو مستقل. ومن ثم فعلينا بدلاً من اللجوء للطرق الأسهل أن نقرر استخدام الأعسر.. ورحم الله جارالله عمر الذي تمنينا كمواطنين أن نرى في قضيته انتصاراً للعدالة ولو بدون إعدام قاتله “رحمه الله أيضا”، غير أنه وبعد إعدام السعواني فلارصيد للقضية سوى خطاب سياسي عالي النبرة. بالتأكيد تتحمل الدولة عبر تعاملها مع دماء موطنيها وبخاصة الذين لاغرَّامة ولامسلحين ورائهم المسؤولية الأولى، غير أنه كان يمكننا بمزيد من التخفف من النبرة السياسية تحقيق الكثير للبلاد والعباد.
[email protected]