عن الدفع بشرعية “الجزائية” باعتباره انقاذاً للاعتراض عليها من الثرثرة! – ماجد المذحجي

عن الدفع بشرعية “الجزائية” باعتباره انقاذاً للاعتراض عليها من الثرثرة! – ماجد المذحجي

لا نمتلك في اليمن ارثاً “ليبرالياً” يمكن الاحتماء بالفاعل من مكوناته للدفاع عن حرياتنا. ذلك حاصل، في مستوى معين وليس بالاطلاق بالطبع، في مصر حيث يمكن الاعتماد على نزاهة القضاء ودرجة معقولة من استقلاليته للقيام بذلك، رغماً من السعي الحثيث للنيل من هذه الاستقلالية هناك! تحضرني هذه الفكرة بشكل ضاغط حين التفكير بالتحول البارز الذي تسير به قضية الخيواني بعد الدفع القانوني المتميز الذي قدمته هيئة الدفاع عنه (هائل سلام، نبيل المحمدي، محمد المداني)، والذي أصَّل لفكرة عدم دستورية المحكمة الجزائية المتخصصه التي يحاكم أمامها “الخصوم” السياسيين للسلطة، وقيام القاضي محسن علوان بقبول الدفع وتحويله للفصل فيه من قبل الدائرة الدستورية في المحكمة العليا.
الأمر برمته ملفت وجديد ويثير الارتباك ضمن أكثر من تفصيل يمكن تناوله: يمكن في البداية الإشارة إلى القاضي الذي اخلى ساحته بشكل ذكي وتنصل من أعباء الأمر بإحالته القضية للمحكمة الدستورية. يُفترض أن يكون الأمر بديهياً، ولكن الاشتباه الحاد بنزاهة وحيادية المحكمة والنيابة المتخصصه الذي يستبق تقييم الجهتين، وهو مايجد تبريره في الكثير من الوقائع، جعل من قرار القاضي ضربه مفاجئة وفرصه في نفس الوقت. وأياً كان الدافع وراء القرار فهو ايجابي بكل المستويات ضمن تقديري. تفصيل اخر يمكن أن يضيف تقديراً لاهمية ما أحدث، وهو أن نص الدفع القانوني الذي تقدمت به هيئة الدفاع انقذ الاعتراض الشفهي الفضفاض على “شرعية” المحكمة من العموميات وعدم التحديد، وجعل للسجال في هذا الشأن قواماً محدداً يمكن الاتكاء به في المحاججة، وسيمكِّن الناشطين والصحافة، وكافة الخصوم السياسين للسلطة بالضرورة، من صياغة جملة واضحة ضد الانتهاك الدستوري الذي أنشأ هذه المحكمة لترويعهم.
إن التأصيل القانوني للدفاع القائم عن الحقوق والحريات، ضداً على التنكيل الأمني والسياسي الذي يحتمي بتعسف سلطوي للقوانين والدستور، ضعيف وشبه معدوم، ولايمتلك المجتمع تجربة أو رأسمال يغذي هكذا مستوى متقدم من العمل الحقوقي. وبالعادة يتم تعزيز فكرة وأسلوب الاعتراض القانوني السلبي على الانتهاكات السياسية لحقوق المواطنة والحريات العامة والتي يتم التذرع بالقوانين والدستور بشكل متعسف للقيام بها (مقاطعة الوسائل القانونية التي تتيح الدفع بعدم شرعية المحكمة الجزائية كمثال لهذه السلبية، أو عدم الترافع حماية للمتهمين أمامها بدعوى عدم منح شرعية لها بذلك، مما يجعل هؤلاء المتهمين عرضة للافتراس القانوني، ومجردين من أبسط الحقوق وهم يُحاكمون أمامها في قضايا جسيمة!). ويبدو الاعتراض السلبي هنا اسلوباً واهناً في حماية الدستور والقوانين وحرية الناس من التنكيل، وهو يتسم بالسهولة وفضفاض، ولايستدعي الجهد، باستثناء الثرثرة الاعلامية ضداً على المحكمة على أهمية ذلك كعنصر لاحق وليس مركزياً، ولايوفرِّ أي “ربح” أو امتياز لضحايا التنكيل السياسي القانوني وهم يقفون مستضعفين ووحيدين.
إن الحاجة قائمة إلى مبادرة قانونية تستثمر الممكن وتحرر الخيواني والاخرين الذين تتم محاكمتهم من الغموض المرهق لوضعهم القانوني، وهو الغموض الذي تتم حمايته بشعارات فضفاضه مثل الموقف المبدئي من المحكمة! (لا أدين احداً هنا على مايراه السلوك الاجدر، بل أسجل اعتراضي فقط على منطق السلوك وليس اخلاقيته، واقوم بوصف وضع قائم ضمن تقديرات شخصية أتمنى أن لا تشعر احداً بالاستياء). اعتقد أيضاً أن ما أحدثه قبول الدفع القانوني هو بالدرجة الأولى اختراق للموقف المصمت الذي يرفض نقاش شرعية المحكمة، وخطوة جدية تتم للمرة الاولى، ضمن المستوى القانوني، للترافع أمام المحكمة العليا في قضية تنال من شرعية تعسف قانوني ودستوري موظف للتنكيل السياسي بالخصوم، ويجب أن تحظى بمؤازة حقوقية وإعلامية واسعة. علاوة على ان الشروع في هذه المسلكية القانونية الجديدة سيحرِّر القضية، والموقف من المحكمة، من الاحتباس في حيز الهجاء الاعلامي فقط، وتمكِّن المنظمات الحقوقية والناشطين السياسين والاعلامين من استثمار أية فرص قانونية للدفاع عن أنفسهم وعن الحقوق والحريات العامه.
إن المنطق الذي تم به صياغة “الدفع” من هيئة الدفاع عن الخيواني سيتيح مراكمة ثقافة قانونية غير هجائية على المدى الطويل، ويحرر الخبرات في النضال المدني ضد التعسف السياسي من “الندبـ” في مواجهة السلطة، كما انه منطق يمكن اختباره في الكثير من القضايا الاخرى ويمنح الكثيرين انتباها قانونياً كان ضامراً تماماً، والحاصل منه واستهلك سابقاً في الثرثرة لا المبادرة والفعل!
[email protected]