تعدد الزوجات… ليس كما يفهمون.. جرائم بحق الإنسانية ترتكب باسم الحلال.. التعدد إرث تاريخي حلله الإسلام ولكن…! – مزن مرشد*

تعدد الزوجات… ليس كما يفهمون.. جرائم بحق الإنسانية ترتكب باسم الحلال.. التعدد إرث تاريخي حلله الإسلام ولكن…! – مزن مرشد*

بالرغم من تقدم الحياة الاجتماعية الذي رافق التطور العلمي، وبالرغم من اختلاف ظروف الحياة وصعوباتها، إلا أننا لا نزال نرى ظاهرة تعدد الزوجات موجودة في مجتمعنا العربي عامة، بغض النظر عن الحاجة الفعلية للزوجة الثانية، وبعيدا عما شرعه الله في تفنيد الظروف الماسة التي من أجلها أحل الزواج من أخرى.

التعدد تاريخياً
ظهر في المجتمع البشري العديد من صور التعدد في الزواج، فكان عرب الجاهلية يبيحون تعدد الأزواج للمرأة. كما شاع هذا الأمر عند قدماء اليونان واليهود وغيرهم.
ويباح بمقتضى هذا النظام من أنواع التعدد لجماعة معينة من الرجال أن
يعاشروا عددا معينا من النساء معاشرة زوجية، على أن يكون حقاً مشاعاً
بينهم.
وكان هذا النظام موجوداً لدى بعض الشعوب البدائية في هضبة التبت وجبال الهملايا الهندية. كما أنه كان موجوداً كذلك في استراليا.
كما أن تعدد الزوجات مشروع عند الأديان السابقة للإسلام ومنها اليهودية؛ إذ لا ينكر اليهود ما سجله التاريخ وما جاء في العهد القديم والتلمود من أن تعدد الزوجات كان مباحاً في شريعة موسى ومطلقاً من كل قيد أو حد مع إباحة التسري (اتخاذ السراري) دون تحديد للعدد أيضاً. فموسى عليه الصلاة والسلام كان معدداً بنص التوراة، ففي سفر العدد، الإصحاح 2، فقرة21: “فارتضى موسى أن يسكن مع الرجل، فأعطى موسى صفورة ابنته فولدت له ابناً…”. وهذا الرجل هو الكاهن، مذكور بنص الفقرة 16 من السفر نفسه والإصحاح 3، وهو شعيب عليه الصلاة والسلام، كما يرى بعض مفسري القرآن الكريم.
وتقول الرواية الإسرائيلية أن داود عليه الصلاة والسلام جمع بين تسع وتسعين امرأة. كذلك سليمان عليه الصلاة والسلام وصل عدد زوجاته إلى المئات بين الزوجات الشرعيات والإماء. ففي الحديث أن سليمان بن داود قال: “لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تحمل كل امرأة فارساً يجاهد في سبيل الله”.
ومن هنا يتضح أن موسى عليه الصلاة والسلام لم يحرم التعدد بل أقره وأتاه، وكذلك غيره من أنبياء بني إسرائيل، مما يدل على مشروعية تعدد الزوجات في الديانة اليهودية قبل التحريف. وجاء الإسلام محللا لتعدد الزوجات ولكن تحت ظروف خاصة جداً ومشددة.
أما الديانة المسيحية فقد اعتبرت أن تعدد الزوجات أمر ضد الطبيعة لأن
الله عندما خلق آدم خلق له حواء واحدة لا أربعا. وفي العهد القديم لم يدعُ
الله للتعدد وإنما كان اختيار بشري والذي به فسد الإنسان، ولذلك فقد
أفسدت زوجات سليمان حياته فانتهى به الأمر إلى عصيان إله إسرائيل وعاد لعبادة الأوثان. أما في العهد الجديد فقد أوضح السيد المسيح شريعة المرأة الواحدة لرجل واحد.
قال المسيح: “ولكن من بدء الخليقة ذكراً وأنثى خلقهما الله. من أجل ذلك
يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسداً واحداً إذ ليس بعد اثنين بل جسد واحد” (مرقس/ 6-من 8-10).

الإسلام والتعدد
وعندما يتحجج مناصرو تعدد الزوجات برسول الله (صلى الله عليه وسلم) ويعتبرونه قدوتهم، يغيب عن بالهم أن الرسول الكريم تزوج من زوجة واحدة، هي خديجة، طوال فترة حياتها وحتى توفاها الله، وأنجب كل أطفاله منها عدا طفل واحد. وطوال هذه الفترة من زواجهما والتي تجاوزت الخمسة والعشرين عاماً تمتعت السيدة خديجة وأولاد النبي بكل وقت الأب الكريم واهتمامه الذي لم ينقسم بين أكثر من زوجة وبين أكثر من بيت. وهذا معناه أن النبي لكل الأغراض العملية كان متزوجاً من زوجة واحدة فقط من وقت شبابه في الخامسة والعشرين وحتى وقت بلوغه الخمسين. وفي خلال الثلاث عشرة السنة المتبقية من عمره كان النبي متزوجاً من أرامل أصدقائه الذين تركوا خلفهم يتامى يحتاجون بيتا يؤويهم وأباً يرعاهم، وهذه هي الحالة الوحيدة التي سمح الله فيها للرجل أن يتزوج بأكثر من زوجة كما ورد في سورة النساء الآية الثالثة.
بالإضافة إلى زواجه من أمهات اليتامى فإن النبي تزوج في ثلاث حالات أخرى (خاصة جداً) زواجاً سياسياً بحتاً. ففي المجتمع القبلي الذي عاش فيه النبي كان زواجه من عائشة وحفصة بنتي صاحبيه أبو بكر وعمر، زواجاً سياسياً، ليوطد العلاقات العائلية المتوارثة في هذا المجتمع. بينما كان زواجه من ماريا القبطية، التي أرسلت إليه كهدية من حاكم مصر حينذاك فأعتقها من العبودية وتزوجها، إشارة إلى قبول صداقة الحاكم المصري وهديته وألفةً واعترافاً بالأديان جميعها.
وإذا عدنا إلى القرآن الكريم نجده قد حدد تعدد الزوجات ولم يجعله أمراً
مفتوحاً بدون شرط أو قيد؛ إذ يقول الله تعالى في الآية 129 من سورة النساء: «ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم، فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمُُعلّقة، وإن تُصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفوراً رحيماً».
ومن الآية يتضح أن القيود والشروط التي وضعها القرآن قبل السماح بتعدد الزوجات هو إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى يعلم أن هناك من سيسيء استعمال هذا القانون.
وعندما شرع الله تعالى في الآية الثالثة من سورة النساء الزواج لسبب واضح جلي في قوله: «وإن خفتم ألا تعدلوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع…».
 إذن الشرط الوحيد للزواج الثاني هو تربية أيتام. أي: الزواج من أرامل
المؤمنين. ودوره هنا كنوع من التكافل الاجتماعي ومساواة المؤمنين بعضهم ببعض وإعطاء الأرامل فرصة للحياة مرة أخرى.
ويستغل هذا القانون الإلهي كما يستغل التشريع القانوني من ثغراته. فلم يعد الزواج من ثانية بهدف تربية الأيتام بقدر ما هو متعة الزوج بزوجة شابة أو مالكة لمواصفات خاصة! تفتقدها زوجته الأولى، متجاهلاً الآثار النفسية السلبية التي يخلقها نظام التعدد لدى المرأة، خاصة الأولى التي تقع عليها مسألة المحافظة على المنزل الأول والأطفال وقبول الأمر الواقع على أنه حق مشروع للرجل وله حرية ممارسته، وليس كدعوة صريحة لممارسة الرجل للزنا علناً، وبالحلال!!
والسؤال هنا: هل يبرر الحلال جمع الرجل لأكبر عدد من الزوجات بشرط عدم الجمع بين أكثر من أربع دون أي اعتبار للطرف الآخر؟ وكأن المرأة تتحول في هذا النظام إلى وسيلة أو سلعة، وإذا أردنا جعل الموضوع أكثر إنسانية قلنا: يجعلها إنسانا من الدرجة الرابعة أو ربما العاشرة، فللزوج الحق بالزواج مرة ثانية وثالثة ورابعة، والحق في استعادة الشباب الضائع، مستغلاً شباب فتاة تكون طرفا أساسيا في قهر امرأة مثلها والمبرر هو الحلال.
وتكثر هذه الظاهرة في الأوساط الأقل وعياً وثقافة، وتقل في المدن عنها في الريف. وتقبلها نساؤهم على أنها أمر لا بد منه ومتوقع في كل لحظة كما الموت. إذ تقول السيدة “أم أحمد” خديجة مدراح من قرى حلب، 24 عاماً، ولديها أربعة أطفال: “حقه أن يتزوج لينجب أطفالاً أكثر فأنا يمنعني تسارع القلب من الاستمرار بالإنجاب، هذا ما تمليه عاداتنا: يجب أن يكون لدى زوجي عزوة من الأولاد”.
ويبرر “أبو طارق” محمد مندور، 52 عاما، زواجه الثاني بأسباب موضوعية للغاية؛ إذ أنه لم يعد قادراً على تحمل أوجاع زوجته ليل نهار إثر مرضها المزمن ولا يريد أن يطلقها كي لا يتخلى عن مسؤوليته تجاهها ففضل الحفاظ عليها وعلى بيته وتزوج ممن ارتاح لها قلبه.
وهذا السبب الموضوعي جداً (مرض زوجته) ألم يكن سبباً موضوعياً عند مرض أزواج كثيرين لتضحي المرأة بكل ما تملك ماديا ومعنويا لتبقى إلى جانب زوجها ترعاه وتعتني به؟!!
ولا يسعنا الاعتراض على تشريع الله، ولكن من حقنا الاعتراض على القانون الذي لا بد له أن يجاري الحياة العصرية ويسعى لتحقيق راحة الإنسان وسعادته، ففي تونس مثلاً منحت المرأة كافة حقوقها وتساوت مع الرجل ولذلك منع القانون التونسي تعدد الزوجات صوناً للأسرة وللمجتمع. وفي مصر أعطيت المرأة في فترة من الفترات الحق في طلب الطلاق في حال زواج الزوج من أخرى لكن القانون أُحبط وأُلغيت المادة التي تنص على ذلك من القانون. وفي سورية منعت بعض الطوائف الزواج الثاني آخذة العبرة من القرآن الكريم بقوله تعالى: «…ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم…»(النساء -129).
فلماذا لا يصار إلى تشريع جديد يمنع الرجل من الزواج الثاني إلا بشروط حازمة مثل عقم الزوجة الأولى ورغبة الزوج في أطفال مع الحفاظ على زوجته الأولى وموافقتها على زواجه.
 وتستوقفني حالة “أبو محمد” عبد الرحمن بالوش، 42 عاما، وهو تاجر ملبوسات متزوج منذ 15 عاما ولديه أربعة أطفال. تزوج من زوجة ثانية منذ خمس سنوات ولم ينجب منها أطفالا؛ إذ يريد أن يبقى البيت الجديد هادئا ليرتاح فيه، ثم طلق الثانية وتزوج من ثالثة عمرها 19 عاما وعندما سألته لماذا طلقت الثانية قال وبدون أدنى حرج: “خمس سنوات… حاج”! والثالثة؟ أجاب: “هي بنت حلال ومستورة… وحلوة كتير… الحمد لله كله بالحلالـ”. في هذه الحالة أين الحلال وأين الحرام؟
يبدو أن الأمور تؤخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ويبقى الحكم والعدل غائبا.
يقول جبران خليل جبران:
وقاتل النفس مقتول بفعلته
وقاتل الروح لا تدري به البشر

* كاتبة وصحفية من سوريا
[email protected]