في حضور دولة الشخص – عبدالقوي غالب

في حضور دولة الشخص – عبدالقوي غالب

مع تهاوي تمثال صدام حسين ربيع 2003، تهاوت معه، في مشهدية درامية، الدولة في العراق.
تفسير هذا التهاوي السريع للدولة يكمن في “صدام”، تحديداً في الذات الشخصية التي امتدت إلى كل مفاصل الدولة، مسخرة هذه الأخيرة لشهوة الشخصية. فقد جثم “الشخص” على الدولة بصورته التي يحملها التمثال، فأصبحت الدولة “دولة الشخص” وصورته في آن معاً. وعندما هوى الشخص إلى ذاته سقطت معه صورة دولته، إضافة إلى سقوط ما يحمل التمثال، وهو هنا بمثابة الرمز، الذي جسده صدام خلال سياساته، أثناء حكمه للعراق، بل حتى بعد سقوط حكمه، أثناء محاكمته، فقد هدف من وراء كل ذلك إلى المحافظة على صورة شخصه. ربما يتضح ذلك في نهايته التي اتخذت طابعاً ملحمياً ينسجم مع هوى ذاتي بامتياز.
تعد الدولة في العراق مثالا نموذجيا لدراسة “دولة الشخص” في مجتمعاتنا العربية. فلئن كشفت “دولة صدام” الطابع الشخصي للدولة الوطنية العربية، التي ظهرت بعد فترة الاستعمار، فإن هذا الكشف هو أيضاً فضح –وإن أتى متأخراً– الواحدية الكامنة في خطاب هذه الدولة، التي تؤول أنظمتها الجمهورية إلى ملك عضوض حسب لغة ابن خلدون.
كل هذا يجعل أمر مراجعة ومساءلة الخمسين سنة من عمر الدولة الوطنية أمراً ضرورياً للخروج من غول استبدادها وتسلطها.
 فلقد عول على الدولة الوطنية العربية أنها ستكون مغايرة لدولة الاستبداد العربية التقليدية. لكنها، في أرض الواقع، ما لبثت أن أضافت إليها وزرا آخر، فإلى جانب تسلطها الاستبدادي أضافت لها التسلط الشخصي. وهنا ليس صدفة إقران هذه الدولة باسم شخص الحاكم، كـ”مصر عبد الناصر أو عراق صدام”… الخ.
علَّ ما قامت به “الحداثة العربية” هو إخراج الشخص الكامن في الجماعة (أسرة، قبيلة، طائفة، حزب…) ودفعه إلى الواجهة ليجد خطاب الواحدية يقوده إلى الهيمنة والامتداد، ليس على حقليْ السياسة والدولة فقط، بل إلى حقل العمل الإبداعي الثقافي. وهنا الكارثة أفظع، ذلك أن الإبداع بأنواعه فضاؤه فردي، فالفرد مفتاح أفق الجماعة. وعندما يسد فضاء الفرد يقفل أفق الجماعة، وفي هذه الحالة يزداد الانحطاط لا غير.
 ففي حياتنا الثقافية يلاحظ أيضاً حضور الشخص، لا نصه. حتى أثناء استحضار ذكرى مبدع، فإن الشخص يهب لتتكلم عليه اللسان التي يتطاير رذاذها إلى الصحف لتنضح بكل ما هو شخصي. وفي هكذا حضور متعالٍ يحضر الشخص ويغيب النص.
[email protected]