توجيهات الرئيس لم يحفل بها أحد، وعائشة وحدها تحمل الراية بعد مقتل شقيقيها ووالدتها.. الموت إذ يزمجر في أسناف خولان منذ 3 سنوات – محمد العلائي

توجيهات الرئيس لم يحفل بها أحد، وعائشة وحدها تحمل الراية بعد مقتل شقيقيها ووالدتها.. الموت إذ يزمجر في أسناف خولان منذ 3 سنوات – محمد العلائي

«بيض الله وجهك يا صالح دهمش». تلك جملة عتاب ثقيلة الوطأة في العرف القبلي.
صباح الاثنين، قالتها عائشة الشظبي، بتبرم وقنوط، لمدير أمن مديرية جحانة، في اتصال هاتفي.
خلال العامين المنقضيين، لقي شقيقاها، أحمد وعلي، حتفهما. وقبلهما والدتها فاطمة الرصابي، وابن عمها محمد الشظبي.
ولئن تلقى صالح دهمش توجيهات صارمة من الرئيس في 22/4/2007، ومن وزير الداخلية في 11/7/2007، لتحريك حملة للقبض على الجناة، فإنه لم يعرها أي اهتمام، كما هو الراجح.

أواخر 2004، اندلع قتال ضار بين الفخذين القبليين اللذين يقطنان قرية أسناف: آل الشظبي، وآل الرصابي. القتال، وفقاً للمعلومات، خلف حتى اللحظة نحو 6 قتلى وعدداً آخر من الجرحى.
قبل سنتين، كانت فاطمة حسين الرصابي (60 عاماً)، تغذ الخطىَ في محاولة يائسة، لتليين أجواء توتر قبلي حاد، حين استقرت بضع رصاصات في جسدها. وفي 12/5/2005 وافتها المنية، متأثرة بإصابتها، بعد أن فشل الاطباء في إنقاذ حياتها.
مُذّاك وقلب ابنتها عائشة (25 عاماً) يحترق. أمضت الفتاة القروية شطراً من حياتها هادئة البال. فبعدما اكملت الثانوية، انتقلت إلى صنعاء لمواصلة التعليم الجامعي، لكن منذ مقتل أمها والمصائب لا تنفك تحيق بها، الواحدة تلو الأخرى. إنها تسير الآن في أكثر دروب العمر وحشة، وسوداوية.
طبقاً لرواية عائشة محمد علي الشظبي، فإن العام 2004 تقريباً كان التاريخ الذي ولد فيه النزاع الفظيع. بالنسبة لها كان بمثابة الصدمة التي ستحول، بعد ئذ، مذاق حياتها الى علقم. فعندما اشترى عمها علي حسن الشظبي، قطعة أرض زراعية من الشيخ صالح علي الرصابي، رفض الأخير أن يمكن الأول من أرضه. حينها ثارت حفيظة الأول وراوده إحساس بالمهانة. وبطريقة ما، كان يعبر عن تمسكه بالارض التي اشتراها. ذات يوم راح يباشر عمله الزراعي فيها. غير أن الأخير يأنف أن يقاوم أحدهم إرادته، حسبما أفادت عائشة.
نسف الشيخ صالح علي الرصابي مضخة علي حسن الشظبي. ولم يكتف بذلك، بل صوب سلاحه الناري تجاه نجل الأخير يحيى علي الشظبي، وأصابه بجروح خطيرة. تلك الحادثة كانت طلقة البدء في احتراب مديد، سيدور بين فخذين قبليين يقطنان قرية ذات بيوت متلاصقة: قرية أسناف في مديرية جحانة، خولان.
لم تفلح الوساطات القبلية في فض النزاع. وفي مطلع2005 كان الاحتقان بين آل الرصابي وآل الشظبي آخذ في الغليان. لكأنه وصل عام ذاك الى مدى لا يحتمل المزيد من التأجيج.
من سوء الطالع، أن والدة عائشة تنتمي الى آل الرصابي، في حين أن الفتاة (المعذبة) تنتمي الى الفخذ الآخر: آل الشظبي.
في نهار أحد أيام ذاك العام، حينما كان الشاب علي محمد علي الشظبي (21عاماً) يسير في سوق القرية، تشاجر مع شخص من أخواله (آل الرصابي). بعد برهة تطور الشجار إلى تبادل لإطلاق النار، أصيب علي بطلق ناري، في نهاية الأمر.
«كانوا مجهزين أنفسهم» (تقصد آل الرصابي)، قالت عائشة، وهي تنكس رأسها، بصوت محتد، لكنه غارق في الحزن.
 يصعب إدراك فظاعة الأمر إذا لم يعرف المرء أن الفخذين القبليين المتناحرين، تجمعهما أزيد من قرابة؛ فعلاوة على تلاصق البيوت، نشأت مصاهرات عدة فيما بينهما. فليست فاطمة حالة نادرة.
فقدت الأخيرة الكثير من قوة التحمل. ولما بدأت نيران النزاع تطال ولدها اليافع علي، وجدت أنه لم يعد يفترض بها التزام الحياد. وإذ خرجت (الأم المفزوعة) صوب أهل أبيها (آل الرصابي)، في مسعى صلح وتهدئة، استشاط بهم الغضب، وبدافع الشعور بالعار أمطروها بوابل من الرصاص.
تُجزئ عائشة النكبة المروعة التي فتكت بحياتها، إلى 3 فصول. فحين قصدت مقر الصحيفة مساء الأثنين، دونت، في 3 فقرات، خطتها على قصاصة صغيرة، أجزاء المصائب التي تخصها وحدها. سطرت الأولى على هذا النحو: توفت المرحومة فاطمة حسين الرصابي في يوم الثلاثاء 12/4/2005 الموافق 3/ربيع الأول 1426ه.
لسبب ما، أغفلت ما قبل ذلك. فوحده ذاك اليوم بالنسبة لعائشة كان يمثل الخط الفاصل بين حياتين: قبل 12/4 حياة لا تشوبها شائبة، بعد 12/4 حياة تضج بالمتاعب والأوجاع.
تدخلت أطراف قبلية كي تضع حداً للنزاع، بعد أن بات يزهق الأرواح. توصل الوسطاء الى تسوية توافقية مؤداها: ان يدفع آل الرصابي لأولاد القتيلة (من آل الشظبي)، تكاليف العلاج فقط، مبلعاً وقدره مليون ريال. لكن ما إن صار الحل في متناول اليد، اندلع قتال أشد ضراوة.
لا بد أن عائشة، ستكتفي الآن بإسعاف الجرحى، وسكب ما تبقى في حوزتها من دموع على من قضوا نحبهم.
لعائشة 4 أشقاء. وفي 28/5/2006 تربص آل الرصابي بأخيها الرائد احمد محمد علي الشظبي (37عاماً) فأردوه قتيلاً.
وفي الوقت الذي كان فيه ابن عمها محمد محمد حسين الشظبي يحاول عمل ما ينبغي، لإنقاذ الرائد المضرج بدمائه، أردوه هو الآخر. كانت والدة الأخير لطفية يحيى صلاح، تتحدث مساء الأحد في مكتب الصحيفة، بنبرة عالية، لكنها مستغيثة.
ساعتذاك كان في صحبتها ابنها الأكبر الشظبي محمد الشظبي. وهذا ينجو، في كل مرة، من الموت بأعجوبة. فعلى الرغم أن رصاصتين أخترقتا جسده، إلا أنه ما يزال بكامل هندامه:
رأسه مربوط بشال أسود، ويحمل جنبية عريضة، و يبذل قصارىَ جهده كي يثبت سيجارة «الكمران» بين إصبعين تتحركان ببطء شديد، بسبب آثار طلق ناري احدث ثلماً في ميمنة رقبته، وأخرى مرت من أسفل ظهره وخرجت من نقطة محاذية لسرته. بجواره كان يقف أيضاً ابن خاله الشاب يحيى احمد صلاح (18 عاماً)، وهذا لا تزال رصاصة مغروزة في أحد ردفيه، فضلاً عن أخرى يفصلها عن القلب نحو 3 سنتمترات.
بمقتل شقيقها الأكبر، لم يسدل الستار بعد. في الواقع، كان ذاك هو الفصل الثاني من القصة الأكثر فظاعة.
«قتل المرحوم علي محمد الشظبي، والمرحوم علي أحمد الحضوري، يوم الاثنين بتاريخ 1/1/2007، ودفنا يوم الثلاثاء، هذا ما دونته الفتاة في القصاصة التي احضرتها الى مكتب «النداء». إنها تُحصي أوجاعها، وتؤرخ لها بشكل جيد.
ما يبدوا أنه مؤكد هو أنها، بعد الفصل الثالث، ستجد نفسها في خضم دور آخر. سيكون، لا شك، ابعد من مجرد مداواة الجرحى وذرف الدموع من المحاجر: حمل الراية،ولكن ليس إلى ساحة القتال، وإنما الى تحت قبة القضاء لتحقيق العدل والانصاف.
في أيام عيد الأضحى الماضي، قرر علي زيارة منزل خطيبته في القرية. كان القتال ما يزال محتدماً، فأقله صديقه الشاب علي الحضوري الى بيت زوجة المستقبل، غير أنهما لم يتمكنا من بلوغ هدفهما.
أثناء عبورهما أزقة القرية، كان «آل الرصابي» لهم بالمرصاد، فقد نصبوا سلسلة كمائن لخصومهم. وفي تلك اللحظة أمطروا الصديقين بالأعيرة النارية فخرا صريعين، وفقاً لرواية عائشة.
 يتحصن الجناة في بيت الشيخ، وكلما أبادوا رجلاً من آل الشظبي، تنفتح شهيتهم على مصراعيها. لقد استخدموا اسلحة متوسطة وبدأو مرحلة جديدة من المواجهة.
والد عائشة رجل طاعن في السن، شارف عمره على ال80 عاماً. أباد الاقتتال 2 من أبنائه، ورفيقة عمره. عبدالله، وعبداللطيف، نجلاه اللذان بقيا على قيد الحياة. لذا فعائشة تبذل ما في وسعها لدرء المخاطر عنهما. تصدت برباطة جأش لخوض النزال القانوني والقضائي.
 في 21/7/2007 حضر الرجل الثمانيني، بمعية ابنتة عائشة الى مقر محكمة بلاد الروس وبني بهلول. «ثم انه وهو بكامل اهليته المعتبرة شرعاً لاجراء التصرفات، وبرضاه واختياره، وكل ابنته عائشة محمد علي الشظبي، للمرافعة، وتقديم الدعاوى والمطالبة بالقصاص الشرعي، واتخاذ جميع الاجراءات في قضية القتل لاخوانها»، طبقاً لوثيقة الوكالة، التي تثقل الآن كاهل عائشة.
شردت هذه الحرب أسرتها. بل أكثر من ذلك:هدمت منازلهم، ورغم ذلك لا يزال ثلثا الجناه بمنأى عن قبضة الدولة.
المدة التي يستغرقها المسافر من العاصمة الى خولان30 دقيقة فقط، ومع ذلك لم تحضر في مرابعها مؤسسات الدولة قط.
بدأت عائشة تحارب في أكثر من جبهة. فمن جهة هي تحشد الأدلة والثبوينات لجلسات المحاكمة. ومن جهة أخرى تنهض بمهمة رجال الأمن الافتراضية:البحث عن الجناة والوشاية بهم؛ ومن ثم تأتي الدولة لإلقاء القبض عليهم، كما في حالات: صالح علي الرصابي، ومنصور علي الرصابي وحسين علي الرصابي، وجمال علي الرصابي، وهؤلاء هم فقط اللذين تم احضارهم الى السجن المركزي بفضل جهودها، فيما بقية الفريق الذي قوامه 12يتمترسون، ويؤدون الدور المنوط به بهم في تشريد من بقي من اسرة عائشة، بإتقان.
في 22/4/2007 أصدر الرئيس توجيهاً صارماً الى وزير الداخلية، كان مفاده:«التوجيه بتحريك حملة بقيادة وكيل محافظة صنعاء، مع صالح دهمش لضبط الجناة الموضحة أسمائهم أعلاه وعددهم 12 شخصاً».
منذ ذلك الحين تدفقت التوجيهات والأوامر، لكن لم يحفل بها أحد في كل مرة. ففضلاً عن خطاب وزير الداخلية لمدير امن صنعاء، وأمر القبض القهري الصادر من النيابة، هناك توجيه لا يفتقر إلى الصراحة، اصدره مدير أمن محافظة صنعاء العميد الركن محمد صالح طريق.
توالت الأوامر، الواحد تلوالآخر،إلا أن جميعها لم يغير من الأمر شيئاً.
تفقد عائشة كل شيء. والعالم ما يزال يرفض الإصغاء الى توسلاتها. فهي تجوب شوارع صنعاء بملابس تنكرية كي لا تتعرض هي ايضاً لأي أذى. «ألبس طرحة صومالية من أجل لا يعرفوني»، تقول عائشة.
وقالت إن آل الرصابي عقروا ثوراً عند عصام دويد، وصالح دهمش، ما جعل الأخيران يحاولان تغيير مسار القضة الى صلح، على الرغم من كل ما حدث.
أمر الرئيس لاغبار عليه. وكذلك وزير الداخلية، عدا أن حلقة مفقودة في القضية لاتكف عن إبقائها قيد الفوران.
«أين نروح ؟ عند بوش!» قالت لطيفة، والدة أحد القتلى!. يتوجب على المسؤولين الامنيين الامتثال لتوجيه الرئيس، وسرعة إخماد النزاع، وحقن الدماء،وتقديم القتلة، أياً كانوا، للعدالة.
تريد عائشة أن تعود إلى قريتها مطمئنة على سلامة أخويها الباقين على قيد الحياة، لا تود أن تفقدهم.
لا أسوأ من أن يصرخ المرء, ولا يجد من ينصت له.
[email protected]