قانون «وإنْ حدْ تعرّضْ بكلمة، قالْ ذولا دجاجي» أو المكارثية على الطريقة اليمنية(2-2) – د. سعودي علي عبيد

قانون «وإنْ حدْ تعرّضْ بكلمة، قالْ ذولا دجاجي» أو المكارثية على الطريقة اليمنية(2-2) – د. سعودي علي عبيد

1 – الجمهورية: هي شكل لنظام الحكم، غالباً ما يتأسس بعد قيام أي شعب بثورة سياسية، وغالباً ما يكون نظام الحكم السابق عليه، إما ملكياً وراثياً أو استبدادياً بشكلٍّ عام، وإما أن يكون البلد المعني واقعاً تحت احتلال أجنبي.
 وفي حالتنا، فإن الحالة أفرزت نظام “الجمهورية العربية اليمنية”، كنتيجة لانقلاب عسكري مكان نظام الحكم السابق “المملكة اليمنية المتوكلية”. أما الحالة الثانية، فقد أفرزت “جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية”، كنتيجة لثورة شعبية مسلحة ضد الاحتلال البريطاني، الذي احتل الجنوب العربي لما يقارب 129عاماً.
 وباعتبار أنّ النظام الجمهوري قد جاء في الغالب، على أساس ثورة شعبية، لهدم الأنظمة الاستبدادية السابقة عليه، وباعتبار أنّ المسألة الأساسية في كل ثورة هي مسألة سلطة الدولة، فإنّ ذلك يتطلب بالضرورة وحتماً، أن تكون سلطة دولة النظام الجمهوري معبرةً كلياً عن إرادة الشعب. وهو ما فشل في تحقيقه نظاما الحكم الجمهوريين المذكورين. حيث تربّع على أحدهما، الرئيس الفرد المستبد، وفي النظام الجمهوري الآخر، تمّ اختصار إرادة الشعب بحكم الحزب الواحد. وبعد توحيد النظامين، اختطف رئيس “الجمهورية العربية اليمنية” كيان دولة “الجمهورية اليمنية” لصالحه وأسرته. وبذلك لم يبقَ سوى لفظ الجمهورية، أما المحتوى فقد صار ملكياً.
2 – الوحدة اليمنية: أما فيما يخص “الوحدة اليمنية”، فيمكن تأكيد ما سبق قوله من أنّ وحدة مايو 1990 المؤسسة بين كيانين سياسيين، وبموجب اتفاقيات بدأت منذ 1972، قد تمّ الانقضاض عليها بفعل حرب صيف 1994 ونتائجها، التي انتهت إلى احتلال الجنوب، وإخراجه من معادلة الوحدة، وبذلك جرى استعادة نظام “الجمهورية العربية اليمنية” من جوانبه الأكثر سواداً. وعليه يكون الجنوب وشعبه من حيث المنطق والواقع، غير معني بالمطلق بهذه الوحدة وكيانها (الجمهورية اليمنية)، لأنها ببساطة (أي الوحدة) لم تعد موجودة في الواقع.
3 – الديمقراطية: من المعروف أنّ تجليّات الديمقراطية متعددة. فهي تعني وجود الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني الأخرى. وهي تعني توافر الصحافة ووسائل الإعلام المسموعة والمرئية الحرة. وهي تعني السماح بأن يعبّر المواطنون، عن آرائهم ومواقفهم من القضايا المعتملة بحريّة، بواسطة الاعتصامات والمظاهرات وغيرها دون أي حجر. وهي تعني ممارسة الانتخابات الحرة والنزيهة على المستوى العام والأقاليم. كما أنها تعني الفصل بين السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية).
 ولأننا لسنا هنا بصدد كتابة بحت، عن حقيقة ما آلت إليه الديمقراطية في الجمهورية اليمنية. لذا سنكتفي هنا بتلخيص ذلك على النحو الآتي، أي بالنظر إلى الوقائع والمشاهدات الواضحة لنا:
1 – نلاحظ أنّ إعلام الدولة، المقروء والمسموع والمرئي، موظف لصالح مدح وتبجيل رئيس الجمهورية، برغم أنّ الإنفاق على وسائل الإعلام هذه يأتي من دافعي الضرائب، وليس من الأموال الخاصة بالرئيس. والمصيبة الكبرى أنه يجري التحضير والإعداد لإنشاء عدد من القنوات الفضائية لصالح الدولة شكلاً، ولتلميع سمعة الرئيس مضموناً. كل ذلك يقابله رفض قوي لإنشاء إذاعات وقنوات فضائية خاصة ومستقلة.
2 – توجد أحزاب سياسية تتوزع في سماتها، بين الوجود الشكلي وعدم الجديّة، والمتوجسة من السلطة، وغير الملتصقة بالشارع وهموم المواطنين، وافتقارها إلى البرامج المعبرة عن أهداف وطموح المواطنين. ويمكن أن نطلق عليها أية تسمية، باستثناء القول إنها أحزاب جماهيرية ومعارضة.
 كما أنّ السلطة لم تكتفِ بهذه الحالة المزرية لأحزاب المعارضة، بل قيدتها بقانون أحزاب غير ديمقراطي، وبتفريخ أحزاب كلما دعت الحاجة لذلك.
3 – كما أنّ الانتخابات ليست بأحسن حال من غيرها، إنْ لم تكن هي الأسوأ في منظومة الديمقراطية المتبعة في الجمهورية اليمنية. فهي في العموم تتسم بخاصيتين أساسيتين، وهما: الجهوية، والشكلية. أما الجهوية فتعني أنّ هذه الانتخابات، وخاصة البرلمانية والرئاسية، موظفة لصالح أحد مكوني الجمهورية اليمنية، وهو “الجمهورية العربية اليمنية”. أما المكوِّن الآخر (الجنوب) فإنه لا يحصل إلا على 56 مقعداً من إجمالي مقاعد مجلس النواب ال301. أي ما يساوي تقريباً ما تحصل عليه محافظة شمالية واحدة، هي تعز (54 مقعداً). ومع ذلك ما زال الحاكم يتحدث عن الوحدة اليمنية، وحماية وحدتها الوطنية.
 أما من حيث الشكلية، فإنّ ذلك يعني أنّ ما يُنتج عن كل دورة انتخابية، ليس سوى إعادة إنتاج لما تمّ في الدورات السابقة، إنْ لم يكن أسوأ. وهذا يعود إلى سيطرة العلاقات الاجتماعية المتخلفة (القبيلية والعشائرية)، وخاصة في مناطق “الجمهورية العربية اليمنية”، وكذلك إلى استخدام السلطة لإمكانات الدولة المتنوعة في استغلال الانتخابات.
 ويمكن القول بدون أدنى شك، أنّ هناك وظيفة وحيدة للانتخابات، تتمثل في توفير الظروف الكافية والمؤكدة، التي تضمن بقاء واستمرار علي عبد الله صالح في الحكم مدى الحياة، ومن ثمّ انتقال الحكم إلى خلفه عرقاً ودماً. وفي المحصلة النهائية، فإنّ مثل هكذا انتخابات، تعني إسقاط مبدأ التداول السلمي للسلطة.
4 – أما فيما يخص الفصل بين السلطات الثلاث، فحدثْ ولا حرج. فنظرة سريعة إلى صلاحيات رئيس الجمهورية المنصوص عليها في الدستور، سيبين لنا المستوى الكبير في خلل استقلالية هذه السلطات بعضها عن بعض. ودون الخوض في التفاصيل. فكما جثم الرئيس على الثروة، فقد سطا كذلك على كلّ مؤسسات الدولة.
 وفي المحصلة الأخيرة نستنتج، أنّ ما يُطلق عليها الثوابت الوطنية (الجمهورية، الوحدة، والديمقراطية)، ليست متوافرة في الواقع، بقدر ما هي موجودة فقط في ذهن الحاكم. كما أنّ اهتمام علي عبد الله صالح بهذه المفاهيم له علاقة مباشرة وحقيقية بالحفاظ على ما حصل عليه من سلطة وثروة لم يكن يحلم بها مطلقاً، وذلك طيلة حكمه الفردي لما يقارب من ثلاثين عاماً، والبقية تأتي.
 ومن هنا نستخلص أيضاً، أنّ اهتمام الحاكم بهذه المفاهيم وتحويلها إلى ثوابت وطنية، أي إلى تابو (مقدس) يُمنع الاقتراب منه، يمكن تفسيره بشعور وإحساس هذا الحاكم، بقرب فقدانه للجاه (السلطة) والثروة بطرق مختلفة، إلا أنّ أهمها على الإطلاق، هو مطالبة شعب الجنوب بحريته واستقلاله، بعد ما تأكد له بالملموس والوقائع، أنّ ما تحقق في ذلك اليوم المشؤوم (22مايو 1990)، لم تكن وحدة حقيقية، بل هو احتلال للجنوب، وبالحرب الذي تمّ تأجيل استخدامها حتى صيف 1994.
 وأخيراً نأتي إلى معالجة سريعة لإشكالية “الثوابت”، بقطع النظر عن الصفة أو النعت الملحق بها، أكانت وطنية أو أقل من ذلك أو أكبر، أو حتى مقدسة.
 فمن حيث اللغة، فالثابت هو الشيء الساكن في مكانه أو الراسخ في موقعه. وهو عكس الشيء المتحرك أو المتحوِّل. وتوصيف السلطة لـ”الجمهورية” و”الوحدة” و”الديمقراطية”، باعتبارها ثوابت وطنية، يعني أولاً تحويل هذه المفاهيم المذكورة إلى محرمات، يمنع الاقتراب منها أو المساس بها من قبل أي فرد أو مؤسسة، أو حتى من قبيل نقد تجليّات هذه المفاهيم في الواقع والممارسة. كما يعني ثانياً، أنّ هذه السلطة بإقدامها على عملية التوصيف هذه، تكون قد رفعت هذه المفاهيم إلى مصاف المقدّس، مع أنها مفاهيم وضعية، أي من اختراع وصنع الإنسان، فرضتها حاجته إليها في سياق تطور نشاطه السياسي والاجتماعي الطويل.
 وإذا انتقلنا إلى المقدّس الديني، فقد يبرز لنا تساؤل أساسي ومهم، عن وجود ثابت أو ثوابت في الدين. وكما هو مألوف لنا، فإنّ الإجابة تتضمن الإيجاب وليس النفي. برغم أنّ ذلك مخالف للمنطق والواقع. وإلا ماذا يعني وجود أديان سماوية متعددة، ناهيك عن الأديان غير السماوية الكثيرة، المتعايشة إلى جانب الأديان السماوية؟ أليس ذلك معناه وجود آلهة متعددة بحسب تعدد هذه الديانات السماوية وغير السماوية المتوافرة في عالمنا؟ أو ليس يعني ذلك وجود تصورات مختلفة لهذه الآلهة في أذهان أصحاب كل دين وكل ملة؟ وهذا معناه عدم وجود ثابت مقدس، وإلاّ تطلب ذلك حتماً اتفاق كل سكان المعمورة منذ الخلق حتى قيام الساعة على معبود واحد!! وهذا ما لم نلاحظه أبداً. وهذا هو الواقع. كما أنّ سعي الكثير من الناس إلى تغيير دياناتهم، يؤكد بشكل راسخ الاستنتاج الذي توصلنا إليه بخصوص عدم وجود ثابت مقدس واحد. فكيف يمكن أن نقبل بالثوابت في غير المقدس، أي في الوضعي؟
 كما يمكن أن نسأل أيضاً: هل معنى ذلك أنه لا يوجد أي ثابت يمكن أن يجمع عليه الناس جميعهم؟
 والإجابة هي: نعم. إنها قيمة “الحرية” التي يتوق إليها كل إنسان، وبدون استثناء. وسبب ذلك يرجع إلى أنّ الحرية مرتبطة بفطرة الإنسان، كل إنسان، منذ أن يخرج إلى هذا العالم، أي منذ اللحظة الأولى لولادته. وفي الوقت الذي لا نجد فيه مَنْ يكره الحرية، فإننا نجد بعض الناس مَنْ يفضل ويتعصب لهذا الدين دون آخر.
 وعندما نعود لنستذكِر تاريخنا وتراثنا الإسلاميين، تستوقفنا الصيحة المدويّة للخليفة الراشدي عمر بن الخطاب، في وجه عمرو بن العاص، عندما سأل الأول الثاني بنوع من الحزم والتقريع قائلاً له: “متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟”، وهذا يؤكد الفكرة التي ذهبنا إليها، من أنّ الإنسان مجبول على الحرية، أي أنه حرٌ بالفطرة، ولا يمكن أن يكون عكس ذلك، وأنّ ما يتعرض له الإنسان من مهانة، أو حتى استعباد في ظروف تاريخية معينة، هي من صنع الإنسان نفسه. كما أنّ صيحة عمر بن الخطاب تلك، قد مثّلت في حدِّ ذاتها تقاطعاً مع الفكر الإسلامي السائد حينها، الذي لم يحرّم الرِّق بشكلٍ قاطع.
 وختاماً نستخلص أنه ليس هناك من ثابت غير قيمة “الحرية”، التي لا يمكن أن يختلف عليها اثنان، وأنّ ثوابت السلطة والحاكم غير ملزمة لنا؛ لأنّ هذه الثوابت أولاً ليست موجودة في الواقع، ولكنها موجودة في ذهن الحاكم فقط. وثانياً لأنّ هذه الثوابت لا تعنينا نحن شعب الجنوب، لأنّ كيان “الجمهورية العربية اليمنية” لا يمت إلينا بصلة، كما أنّ الوحدة التي ارتضينا بها لم تعد موجودة، كما أنّ ديمقراطية الحاكم لا تخدمنا نحن في الجنوب.
 وبكلِّ تأكيد فإنّ قانون “حماية الوحدة الوطنية” السيئ الهدف، يتسمّ بخاصة أساسية وهامة، وهي أنه يدعم الخوف والتخويف لحساب السلطة والحاكم. ومن جانبنا نحن في الجنوب، نقول إننا قد نزعنا الخوف من أنفسنا، لأننا بكل بساطة لم نعد نمتلك شيئاً نخاف عليه.
 ويذكّرنا قانون “حماية الوحدة الوطنية” الذي تزمع السلطة إصداره، بالقانون الذي اقترحه السناتور الأمريكي جوزيف مكارثي، في الولايات المتحدة الأمريكية في خمسينيات القرن الماضي، في أتون الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي. وكان يهدف قانون مكارثي إلى تصفية مؤسسات الدولة هناك، من العناصر ذات الميول الاشتراكية والشيوعية بشكل خاص، ومن المناوئين للسياسة الأمريكية حينها بشكل عام. والقانونان متشابهان من حيث أنهما خارجان من عباءة نظامين شموليين، وأنهما معاديان للحرية. كما ذكرني قانون “حماية الوحدة الوطنية” بأغنية وطنية جنوبية للفقيد صالح فقيه، يقول في أحد مقاطعها:
يصبحوا تحتْ أمرْ الديكْ يلعبْ بهم
وِانْ حدْ تعرّضْ بكلمة قالْ ذولا دجاجي
 ومن المؤكد أنّ الشاعر كان يرمز إلى الاستعمار في مفردة “الديكـ”. وكان للقصيدة صدها الكبير سياسياً وشعبياً.